Abdul Jabbar Dosa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

حرية التعبير وردت في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تبنته الأمم المتحدة في العاشر من ديسمبر عام 1948 م في قصر شايو في باريس. اليوم يكون قد مضى على ذلك الإعلان أكثر من ستين عاماً، كثيرون من القابضين على السلطة في السودان قد ولدوا مع ميلاد الإعلان أو بعد ذلك بقليل، وإذ تأتي هذه المصادفة الزمانية، من المفترض أن يترك مضمون الإعلان تأثيره الإيجابي على الكثيرين، وبالتالي ينعكس في ممارساتهم أينما كانوا وكيفما كانوا، ولا ينبغي للسلطة أن تُحِد من حجم التفاعل مع مضمون الإعلان ولا سيما في الجزئية المتعلقة بحرية التعبير. وفوق كل هذا فقد جاءت حرية التعبير أيضاً كمباديء وممارسة منذ دولة الخلافة، وليس منا من لا يتذكر عندما دعىَ الخليفة عمر رضي الله عنه المسلمين وهو يخاطبهم من على المنبر بضرورة السمع والطاعة وقد كان يرتدي ثوباً فضفاضاً فوقف إعرابي قائلاً له لا سمع ولا طاعة فمن أين لك بهذا الثوب الفضفاض، ولم يغضب الخليفة عمر ونزل عند مقتضيات الحق ونادى على إبنه فأخبرهم من أمر الثوب وبأنه تنازل عن نصيبه لابيه، الشيء الذي أيقن الإعرابي بصحته فقال الآن نسمع ونطيع، ذلك كان أحد عظائم ترسيخ قاعدة حرية التعبير ومبدأ من أين لك هذا، ولم يكن للموقف والصيغة والمكان والمقام خصوصية تعلو. لم يبطش أحد بالإعرابي لأنه مارس حق أصيل، ولم يتجرأ أحد إلى تفسير ما قام به تطاولاً، لسبب بسيط هو أن الله سبحانه وتعالىَ أمرنا بأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، وإذ ذهب مبتدأً فكر الإعرابي لملبس الخليفة عمر بأنه قد تجاوز العدل الذي أمر الله مَنْ يَحكم أن يقتدي به، فإن تجاوزه يعني بالضرورة عنده معصية للخالق، وفوق ذلك ما ينضوي على ما يمكن أن يكون قد خطر ببال الإعرابي بأنه غش للناس وأستئثار بالمال العام، رغم حقيقة أن الخليفة عمر رضي الله عنه بعيد كل البعد عن ذلك، وهكذا كان الإعرابي مطمئناً لعدالة الخليفة مما دعاه ليجاهر برايه وذاك كان قمة من قمم حرية الرأي والتعبير.

إن ما دعانا إلى كتابة هذه المقالة المختصرة هو تداعيات حكم المحكمة الدستورية بإجازة حق الرقابة القَبلية على الصحف وحصرية هذا الحق لجهاز الأمن والمخابرات رغم وضوح النص الدستوري الذي لا لبس فيه، والذي يجيز حرية الرأي والتعبير ويخوّل القضاء الفصل في دعاوىَ المتضررين مما يُنشر، وما تبع كل ذلك من دعوة مدير جهاز الأمن والمخابرات رؤساء تحرير للصحف لأداء بعض الإلتزامات يمكن أن نقول عنه قرباناً مقابل رفع الرقابة القبلية، وتمخض من ثم ما سُمي (بميثاق الشرف الصحفي) الذي وقّعه مسئول كبير بالجهاز ووقعه رؤساء تحرير الصحف كما جاء في النشرة الرئيسة للتلفزيون القومي ليوم الإثنين، 14 سبتمبر، 2009 . لا بد أن يدرك الجميع بأن ما كان يمارسه جهاز الأمن من رقابة قَبلية منتقاة على المواد التي تُنشر في الصحف ليست سوى صيغة من صيغ الحجر على حرية التعبير ومخالفة للدستور والحقوق، ومخالف لأصل عمل أي جهاز للأمن في اي نظام شفاف، وتكريس لمبدأ مقارعة الحُجّة بالحَجبة، وهي ممارسة لا ينبغي أن يقوم بها سوىَ الجهاز القضائي وفقاً للصلاحيات التي يخوّلها له الدستور وبعد أستيفاء الإجراءات القانونية.

لقد ضاق النظام بالهجمة الشرسة التي عرّته من راسه إلى أخمص قدميه أو إن شئت قل أخمس قدميه فيما يتعلق بكبت الحريات وفي مقدمتها حرية التعبير، وبدأ وكأن هذا الضيق يتمدد في جسد النظام ويفعل فيه مفعول المحلل لا سيما في ظل إنتشار وسائط النشر التي لا يملك النظام قدرة الحجر عليها، وباتت عبارة ( نزعته الرقابة القبلية) أطواق بوقية تطوق جيد النظام وتفضحه بعد كل سكون، وأنها بدت أكثر فاعلية ربما من المقال المنزوع، من هنا بدأ النظام في البحث عن مخرج، هذا المخرج يبدو قد جاء له سائغاً من خلال ميثاق الشرف الصحفي الذي لو جاز لنا أن نعبّر عنه بمفهوم المنطق كان ينبغي أن يكون مضموناً معنوياً يتقمص الصحفي ويتلبّسه الصحفي على خلفية الإجازة المهنية لأحقيته كصحفي وليس وثيقة تكتب وربما تُعزز أو تجدد أو تُعدّل أو تمزّق يوماً ما عند ضرورة أخرى وفق رؤية النظام. قانون الصحافة هو الآخر تعضيض لشرف الصحفي وتأطير له، وبالتالي يبدو وكأن النظام قد نجح في أن ينزع عن رقبته أجراس التعرية ويُعلّقها في رقاب رؤساء تحرير الصحف، ولا غرابة حينما يجد هؤلاء أنفسهم وقد كبّلوا أنفسهم بوثيقة وقّعوها وبالطبع مُجبرين على احترامها، بينما يمزقها النظام ويُلقي بها في مزبلة العهود والمواثيق والإتفاقيات دون أن يرمش له جفن.

سيجد رؤساء تحرير الصحف بأنهم يقومون مقام جهاز الأمن في الرقابة القَبلية، وبدلاً من أن نقرأ عبارة نزعته الرقابة القبلية ربما يُستعاض عنها بعبارة (مخالف لميثاق الشرف الصحفي)، وهي عبارة ليس بالضرورة أن تجد طريقها إلى صفحات الصحف، ولكنها ستبقىَ عالقة في أذهان رؤساء التحرير وفي ممارساتهم تفادياً للصدام مع النظام الذي اضاف إلى رصيده ورقة ضغط جديدة، لا غرو إذا رايتم غداً رئيس تحرير صحيفة أوقفه وحبسه جهاز الأمن والمخابرات بحجة خرقه لوثيقة ميثاق الشرف الصحفي الذي وقّعه بالسماح بنشر مادة في نظرها وفي تقييمها الذي سيبقى حصرياً بأنه مخالف. إنها عودة إلى عهد توقيف الكتّاب، وهم في هذه المرة سيكونون رؤساء الصحف الذين لا بد أن يقعوا في المخالفة بمفهوم الجهاز، لأنهم ينطلقون من مفهوم مغاير لمعايير المادة المنشورة عن ذلك الذي يتبناه الجهاز. ربما ينفذ النظام استراتيجية ممرحلة في مواجهة الضغوط التي توالت عليه فيما يتعلق بالحريات وفي مقدمتها حرية الرأي، فقد بدأ النظام في بواكيره باعتقال الكتّاب المعارضين، ثم عندما اشتدت عليه الضغوط لجأ إلى استراتيجية إعتقال المقال بدلاً من كاتبه وذلك بحجبه عن النشر، وذلك أيضاً لم يخفف عنه، والآن يحاول النظام أن يجعل الصحفين هم من يقوم باعتقال وحجب المقال، ولن توقف هذه الخطوة الضغوط عنه ولكنه يسعى إلى أن يؤدي ذلك بأن يكفّ الكتاب ويعتقلوا آرائهم في دواخلهم بعد أن يبلغوا القناعة بأن ما يكتبونه لن يجد طريقه إلى الصحف. لا أدري موقع هكذا ميثاق من مواد الدستور ونصوصه الواضحة فيما يتعلق بحرية التعبير ومن قانون الصحافة الذي هو الآخر ينضوي على نفس الوضوح رغم رأينا السياسي فيه. ليس ما ذهبنا إليه قدح في قدرة رؤساء الصحف فيما ذهبوا إليه كثيرون منهم قلوبهم تدمع ولكنهم يعملون تحت ظروف غاية في الإستثنائية، فنحن ندرك أنهم سعوا بمفهوم ليس بالإمكان في ظل المخانق التي تحاصرهم وفي سبيل تنسّم رحيق حرية التعبير أفضل مما يعتقدوا بأنهم أقدموا عليه، ولكنه سباق لا تتكافأ فيه مقومات الفرص العادلة، والنظام يريد أن يقول بأنه قد اشاع حرية الرأي والتعبير ووفر مناخاً ملائماً توطئة للإنتخابات حتى وإن جاء ذلك من خلال لي عنق الدستور ورؤساء الصحف.

عبد الجبار محمود دوسه

15/9/2009