عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

 

 

الماء هو عصب الحياة ، وبدونه لا توجد حياة، ومصادره متعددة تتابع من الأنهار الجارية والآبار الجوفية والينابيع الطبيعية والمحلّاة من مياه البحار والمحجوزة من الأودية بالسدود والمجمّعة في حفائر، ولما كانت الامطار هي المغزّي الرئيسي لكل هذه المصادر، فقد حبانا الله بقدر وافر منها، ومن ثم فقد تمتعت بلادنا بالكثير من هذه المصادر ومنها الخرطوم التي يجري خلالها نهران ونيل هو الاطول في العالم، هذا بالإضافة إلى المياه الجوفية، ولكن تتملك الحيرة كل إنسان عندما يشتكي الناس في الخرطوم العطش والنيل بمياهه العذبة يشاركهم السكن وتجري الأنهر الجوفية من تحتهم، وفي نفس الوقت تصبح ذات المصادر نقمة حين تهطل الامطار لتعزيز وفرتها، بل تزداد الدهشة عندما يصلّي الناس صلاة الإستسقاء تضرعاً لله طلباً للماء وهو يجري بينهم ومن تحت أقدامهم.

 

الخرطوم التي هي عاصمة البلاد غرقت بالأمس في شبر ماء بعد أن هطلت الامطار لعدة ساعات، وقبل كل شيء دعواتنا لله بأن يجعل الأمطار أمطار خير وبركة وأن يجنّب عنا أمطار النقمة، ودعواتنا للذين تضرروا بأن يعوضهم الله خيراً، فالخرطوم موبوءة بثلاثة مصائب هي إنعدام المصارف وشعب أنهكه الفقر فلا يقدر سوى على بناء مساكن الجالوص وحكومه مركزيه (فالصو) قادتها لا يستطيعون أن يخطو خطوة خارج أعتاب قصورهم دون أن تبتلع برك الطين والمياه الآسنة أقدامهم وسيقانهم، إزاء هكذا وضع كان لا بد لها أن تغرق حتى وإن كانت المياه بارتفاع شبر ناهيك عن أن تكون نتاجاً لهطول مدته ست ساعات، وبينما تكون الأمطار نقمة حينما تهطل ونعجز عن تصريفها، تصبح النقمة أكبر عندما لا تهطل، وتهبّ بدلاً عنها (الكتّاحة) وتنقطع الكهرباء وترتفع الحرارة وتبدأ المواسير في الشخير وتبدأ اسراب الناموس في ممارسة هوايتها.

 

السودان بكل موارده المتمثلة في البترول والمعادن المتنوعة والثروة الحيوانية والاراضي الزراعية والثروة الغابية والحياة البرية الفطرية والثروة السمكية البحرية والنهرية وحدود توفر فرص تجارية متلامسة مع تسع دول ورصيد متراكم من السودنة لأكثر من خمسين عاماً وفوق كل ذلك مياه عذبة بكل المصادر، بكل هذه الثروة التي يتمناها إي شعب، تغرق عاصمته لمجرد هطول أمطار.

 

دول الخليج العربي التي نهضت بعد النصف الاول من سبعينيات القرن الماضي لم تبلغ ما بلغته من نهضة مدنية من فراغ وهي التي كانت تتأخر عنا بنصف قرن في انتشار التعليم، الوزير عندهم إذا زار دولة أوروبية أو أمريكا يعود ويسعى إلى تطبيق ما رأى في مجال وزارته من تطور على ارض الواقع سواء في البنيات التحتية أو الخدمات، فعندما يبنون الطرقات المعبّدة داخل المدن على سبيل المثال، يعبّدونها بأرصفتها وكامل ضرورات السلامة وبالوعات التصريف فيها، والوزراء عندنا ليس فقط زاروا  أوروبا وأمريكا، بل درسوا فيها ومع ذلك لا احد ينقل شيئاً، ومن يفعل لا يتجاوز نقل فكرة أكثر من ( تظبيط) بناء قصره، لِم لا تغرق الخرطوم في شبر ماء.

 

بعد غرق الخرطوم عرض التلفزيون القومي لقطات لجولات بعض الوزراء والمعتمدون بطائرة هليكوبتر فوق أجواء الخرطوم ومن تحتها تظهر المساكن والمباني وكأنها جزر صغيرة على سطح بحر والسيارات أشبه بعلب فارغه وهي نصف غارقه، بينما يتحدث ذات الوزراء والمسئولون بأن الأوضاع على الارض تحت السيطرة. الاوضاع يا ساده على الارض تحت سيطرة المياه وقد أجبرتكم للطواف في الجو، وغداً تجبركم للبقاء في قصوركم لأن الجو نفسه سيكون تحت سيطرتها، الكذب من الكبائر ولا يجوز ممارسته على الشعب اصلاً في أي وقت، ناهيك عن أن يكون في شهر رمضان وحول شيء يرونه بأم أعينهم ويعيشون ويلاته.

 

 إرهاصات بحث الإنقاذ عن شرعية بقاء من خلال إنتخابات ريحتها تبدو غير نزيهة قبل أن تبدأ، وانعدام اي مساحة إنتماء وتراحم في عقول الحاكمين تربط بينهم والشعب، وذكرىَ غرق الخرطوم في العام 1988 والذي كان بمثابة نذير شؤم بقدوم عهد من الويلات، وبعد واحد وعشرين عاماً تغرق الخرطوم مرة أخرى، كل هذا يقودنا إلى التأمل والتساؤل، هل هو غرق نذير شؤم باستمرار عهد الويلات أم زوالها؟ وحيث يقول المثل رُبَ ضارة نافعة، فقد كانت القنبلة النووية التي دمّرت مدينتي هيروشيما ونجازاكي اليابانيتين برغم بشاعتها نزلت نتائجها خيراً على اليابان.

 

ندوة في جامعة الخرطوم اشعلت ثورة اكتوبر 1964 فتعامل معها الرئيس الراحل إبراهيم عبود ومجلس قيادته بعقلانية وأعادوا العسكر إلى سكناتهم والمدنيين إلى بيوتهم وتركوا الشعب بعسكره ومدنييه ليختاروا نظام الحكم الذي يريدون، فعلوا ذلك لأنهم أحسّوا بأنهم من هذا الشعب وهو منهم، وفي انتفاضة شعبان 1973 تراجع الرئيس الراحل جعفر محمد نميري عن خطوات تصعيدية لما رأى في ذلك نتائج قد تكون كارثية على سلطته قبل أن تكون كارثية على مَن تطالهم، وفي انتفاضة الفاشر 1981 تراجع الرئيس الراحل النميري عن قراره بتعيين حاكم لدارفور من خارج أبنائها بينما عين لكل الأقاليم حكام من أبنائها، تراجع عندما استمع مرة لصوت العقل الذي تمثل في التقرير الصادق الذي رفعه العميد (فيبيان) قائد القيادة الغربية آنذاك عن حقيقة الاوضاع بعد أن ظل طوال الاسبوعين الاولين للإنتفاضة يستمع للتقارير الملفّقة من جهاز الأمن. وفي انتفاضة ابريل كان الرئيس سوار الذهب أمام خيارين اثنين، إما أن يستمع للاصوات العقلانية للعسكريين المنحازين للشعب أو يمضي كما مضىَ الرئيس النميري حيث ظل في الخارج إحدى عشرة عاماً يردد أنه الرئيس القائد، في كل تلك التجارب هنالك مساحة في عقول بعض القيادات يحسّون فيها بأنهم من هذا الشعب وهو منهم، عهدنا بتلك المساحة قد انتهت بعد استيلاء الإنقاذ على السلطة، ونحن الآن في عهد الإنقاذ أو الطوفان، ولأن الشعب المغلوب عاجز عن تحقيق العصيان المدني من أجل استرداد حريته وحقه الطوعي في اختيار النظام الذي يريد وما زال في سبات عميق، فقد اراد الله أن يأمر الأمطار ويأتي طيف الطوفان ليفرض على الشعب والحكومة معاً العصيان المدني الإجباري والبقاء في منازلهم حتى إشعار آخر.

 

 

عبد الجبار محمود دوسه

27/8/2009 م