Abdul Jabbar Dosa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

 

عرفت المرأة السودانية حقوقها المدنية منذ وقت مبكر داخل المجتمع السوداني قبل أن يتشكل السودان بحدوده الحالية، وكان للمرأة دورها الإجتماعي والإقتصادي والسياسي وإن تفاوت حجم ذلك الدور بتداول الأيام، وظل ذلك الدور يزداد اتساعاً ليس على حساب انقباض دور الرجل ولكن على حساب انحسار المساحة المظلمه التي بدأت تغطيها المفاهيم المنطقية والواقعية مدعومة بإرث حقوقها الواردة والمسنودة بالعرف والشرع والمؤصّلة عصرياً في الدستور. ولسنا في حاجة إلى ذكر الأمثلة، فهي حاضرة في مخيلة كل مؤرّخ وقاريء، وسهلة المنال لكل مُنقّب داخل الكتب والمخطوطات في كل العهود مِن سلطنات وممالك وجمهوريات. لكننا بما انشغل به الرأي العام من أمر الصحفية (لبنى أحمد الحسين) وأُخريات ولبس البنطلون ولا سيما ذلك الذي نُشرت صورتها وهي ترتديه، وتعامل الأجهزة المعنية في السودان، نتساءل ببراءة، هل انتقلنا خطوة معولمة في التعامل مع قضايا المرأة في السودان بفهم الإنقاذ، أم عُدنا خطوة إلى الوراء في ذلك وبفهم العصر، وحيث أنه ليس للرأي الآخر مساحه للتفاعل فإن الإنقاذ بمشاريعها الحضارية وآرائها المدارية تصبح هي المرجعية، والأكثر تعاسة في كل ذلك في أنها تعود وتناقض مرجعيتها في نفسها ومع نفسها وفق مقتضيات الظرف، وهذه بلا شك مرحلة متقدمة على ما يُسمّىَ بفقه الضرورة.

 

جاءت الإنقاذ وكان الثوب السوداني عنواناً لعفاف المرأة وسترتها من البحلقة الغريزية المحضة، وهو فوق ذلك كان لوحة من الجمال البريء، يستهويك بخصوصيته ويستميلك بأناقته، حتى كسب الثوب اسمه مقروناً بكلمة السوداني ليس في بلاد السودان فحسب ولكن حتى في البلاد التي تصنعه، رغم أن ثمة نساء كُثر في دول أخرىَ يلبسنه، بيد أن تفرّد الإسم والمضمون في انطباع كل رأئي لامرأة ترتدي ثوباً، يقوده إلى الإشارة إلى كونها إمرأة من السودان حتى يثبت العكس، وهو بذلك أضحىَ من مقام التعريف للائي يلبسنه كما هو مقام البراءة لكل متهم حتى تثبت إدانته في القاعدة القانونية، رغم أن الأخيرة هي الأخرى قد انقلبت في ظل الإنقاذ حيث أصبح الكل مُدان حتى يثبتوا براءتهم.

 

جاءتنا الإنقاذ بشعار ( نلبس مما نصنع) وهو شعار ببساطة مفرداته ينطوي على معاني كبيره للمخضرمين في علم الإستقطاب، وقد لاكته ألسن قيادات الإنقاذ وغاوونها كما يلاك (العلك) ثم يُرمىَ، ولما كان الثوب البسيط (الزراك) بلونه الأزرق والذي كان هو لباس أغلب نساء السودان اللائي يعجزن مادياً عن الحصول على ثياب أرفع نسجاً قبل قدوم الإنقاذ بانقلابها، ذلك ( الزراك) كان يُصنع في السودان، وبالتالي فلم يكن المجتمع في حاجه إلى استبداله بما أتت به الإنقاذ من زي تحت أي ذريعه، لأنه كان ثوباً ساتراً ورخيصاً وفي متناول الجميع ومما نصنع أيضاً. حتى ثوب ( الكِرب) و(البفته) و(الساكوبيس) و(الدموريه) بعض هذه المجموعة من الثياب كانت تصنع في السودان أيضاً، وجميعها كانت ألبسة للطالبات في المدارس المتوسطة والثانوية والجامعة والموظفات في القطاع العام كن او في الخاص، وأيضاً لباس التعازي لدىَ جميع النساء حتى وإن ذهب بعض الفقهاء في مجّ رمزيته التعزوية من الناحية الشرعية. علماً بأن الشعب السوداني باسره كان طبقة وسطىَ، وإن أدنى حد في الدخل كان كفيلاً بتأمين ضروريات الحياة لكل أسرة ويفيض. ولم تكن القلة الغنية بجهدها آنذاك مُغترّة وساعية بما اكتسبت في دروب الفساد والإفساد، فقد صقلتها اخلاق المجتمع فصانته وصانها. ولا نذهب بهذا القول إلى حرمان الناس من شد الرحال مع الطموح نحو الكسب الحلال، فهو مشروع بضوابطه، ونشجعه وفق تلك الضوابط.

 

نقل الإعلام أن قوة من الشرطة داهمت مطعماً كانت تتواجد فيه الصحفية (لُبنى) وأخريات وتم اقتيادهن تحت ذريعة ارتداء ملابس خادشه للحياء العام كما نقلت جميع وسائل الإعلام، وهي لم تكن حملة منظّمة تُغطي كل بلاد السودان، فقد جاءت مداهمة خبط عشواء، وكم مدحوا حسن حظهم أن تكون الصحفية (لبنى) هناك في بلد تُحصي أجهزة الأمن فيه كل عبرة من العبرات وكل خفقة من خفقات القلوب. وقيل أن تلك الملابس ما هي إلا بنطلون وقميص أو بلوزه وطرحه فوق الشعر، وحيث أن العالم أجمع قد شاهد صورة الصحفية (لُبنى) بالزي محل التجريم، من الضرورة بمكان أن نهمس بصوت خافت في أُذن القابضين على ضرورة محاكمتها بحجة ارتدائها (بنطلون) أو سروال أو كيفما يسمى ذلك الذي تلبسه، ونقول لهم أن السيده تابيتا بطرس وزيرة الصحة الإتحادية، ترتدي البنطلون وبلوزه وشعر مكشوف وتجلس بمعية وزير الأوقاف والفارضين ولايتهم على العباد في قاعة مجلس الوزراء وحول نفس الطاوله، بل ترافق السيد رئيس الجمهورية في كثير من المناسبات، بل أن الإنقاذ قد فرضت على 350 الف طالبة في المرحلة الثانوية ومليون طالبة أخرى في الصفوف من السادس وحتى الثامن ممن بلغن بايلوجياً وسِنّاً في مرحلة الاساس أن يرتدين (البناطلين) بعد أن كُنّ في عهود الشهامة يرتدين الثوب السوداني، بل حتى ضابطات القوات النظامية الأخرى والعاملات في حقل التمريض وغيرهن اجازت لهم الإنقاذ لبس البنطلون، فإذا صدّقنا ببراءه تُخالف ملابسات الرغبة في معاقبة الصحفية (لبنى) لكونها معارضة للنظام، من باب أولىَ أن يتم معاقبة هذه الجحافل التي ترتدي البنطلون أو السروال، والبالغة أعدادها بالملايين! ولكن قبل معاقبتهن تقتضي العدالة معاقبة مَنْ فرض عليهن ذلك الزي، وكله بمفهوم الجلادين، وإلا فَعَلىَ فقهاء الأمّة أن يفتوننا في ذلك، لكن سأظل عند القول في أن عند الإنقاذ يصبح ما تفعله اليوم إذا كان متّسقاً مع رغبتها فهو يجُبّ القانون والعرف حتى وإن كانت مرجعيتهما (إنقاذيه).

 

الجميع يشاهد عبر شاشات التلفاز في احتفالات الإنقاذ الكثيرة قيادات الدولة وهم جلوس على كراسي وثيره في قاعات المسارح وعلى خشباتها حِسان يتراقصن متدليات الشعر ويبدين زينتهن في كل حركة، بينما تلمس في وجوه الجالسين النشوة والغبطة والسرور، بل أن البعض ليعبّر عن ذلك بالصعود إلى خشبة المسرح لأخذ (شبّال) من الشعر والخُصل المتدلّية على الخدود المكشوفة. هذه أمثلة بسيطة من تناقض الحال مع ما يقال، ولعل ذاكرة الشعب المغلوب على أمره قادرة بالإستذكار إلى استدعاء شريط لا نهائي من أعاجيب الإنقاذ التي بدأت عهدها منقّبة والآن في طريقها إلى أن تنتهي عارية. المجتمع السوداني (الرجل) بكل رصيده من السماحة ومخزونه من البراءة وإرثه من الشهامة  تم تصويره في لحظة نفاق إنقاذية إلى ذئب تقوده غرائزه، أما المرأة فقد كانت وما زالت في نظر الإنقاذ كتلة من خطيئة. لست هنا لتنزيه الشعب السوداني من كل الشوائب، فهو مجتمع من بشر وليس من ملائكه، ولكن لا ينبغي أن تنحط الشهامة في التعامل مع الأحداث اليومية إلى هذا الدرك مهما بلغ إغترار السلطة من تماجن في ذاته. لا شك أن الجميع حريص على صون المجتمع إذا انحرف ولكن صون يقوم على صفاء نفوس ونقاء سريره قبل إعمال القانون لا سيما عندما يكون في غير موضعه كما هو الحال في إرتداء البنطلون وحالة الصحفية (لبنىَ).

 

إذا كانت الصحفية ( لُبنى) وهي تمارس حقّها الدستوري في إبداء رأيها وكان هذا الرأي مِن ذاك الذي يغضب الإنقاذ لأنه رأي يجانبها وعجزت كما هو حالها في مقارعتة بالحُجّة، كان من باب أولىَ أن تقارعها كعهدها كما تفعل دائماً مع الرأي الآخر بالحجبة، وإذا عجزت عن ذلك أيضاً لعدم قدرتها على الوصول إلى المنابر المفتوحة فلربما كان أولى لها الصمّه، فما تسببت به لا يزيدها إلا احتقاراً وعُزلة تزداد بينها والشعب يوماً بعد آخر، وقد تلهب شرارة الصحفية (لبنى) ثورة في 2009 لم يلهبها الطالب (مجدي) عندما أُعدم في 1989 فيما عُرف بقضية العمله.

 

عبد الجبار محمود دوسه

3/8/2009 م