عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

جاءت اتفاقية السلام الشامل أو اتفاقية نيفاشا والمعروفة اختصاراً بالإنجليزية (CPA) جاءت بجملة تعديلات لإنفاذها حتى تقود البلاد إلي التحول الديموقراطي بكل استحقاقاته والتداول السلمي للسلطة والذي بدوره يقود إلى خيار الوحدة الجاذبة، وقد اشتملت تلك التعديلات على تقاسم للسلطة والثروة بما يتماشيان مع ضرورات التحول والوحده. وتبعتها اتفاقيات أخرى لتعزيز ذلك الهدف رغم بريقها الذي يتخافت في كل يوم، ومعلوم أنه ليس للإنقاذ منطقه وسطى في مفهوم الإنحياز، فإما أن تكون معها باتفاقية تمتلك هي ناصيتها وتوجهها أينما شاءت وتصبح تابعاً أو تكون ضدها وتواجهك حينئذ بما شاءت من وسائل وآليات، وفي نظرها في كل الأحوال أنت المخطيء حتى وإن واجهتها بنفس وسائلها وآلياتها، تماماً كما هو الحال في آخر الأمثلة من اتفاق حزب الأمة وحركة العدل والمساواة، وبينما تبقى وهي العارية تماماً من لباس الوفاء تتماكى بكونها تتصورك عارياً وأنت المُنقّب. الإنقاذ مثلها ومثل لويس السادس عشر ملك فرنسا الذي اختصر الوطن والدولة والشعب في نفسه، لكن الحقيقة الأكثر مرارة هي أن الرواسب المتراكمة من الممارسات السالبة لمفهوم الدولة عبر كل الحكومات والتي أرست جبلاً من الطبقات، حيث يكاد كل رائي لها أن يميّز ركام كل حكومه بجلاء، لم تُفد الإنقاذ في شيء من العبر والدروس وإنما ذهبت تبني عليها طبقة أكثر سماكة من جملة الطبقات السابقة. لقد عجزت كل النخب من أن تهدم تلك الطبقات وفشلت في أن تتجاوزها وتحطمت عندها لسنين عديده طموحات الأجيال في بناء الدولة السودانية الراسخة.

 

لكن ليس مقالي هذا للحديث عن جملة تلك التداعيات لأنها أكبر من أن تُستَوعَبَ في هذا المدخل أو حتى في عُدة مقالات، ولكنني أتلمس الخُطىَ وراء جزئيه هي جزئية الإحصاء السكاني الذي أصبح محل خلاف، ولم لا يكون كذلك، فما الذي لم تجعل منه الإنقاذ موضعاً للخلاف في حياة هذا الوطن. نصّت اتفاقية السلام الشامل على أن يُجرىَ الإحصاء السكاني في العام 2007 ولم يأت ذلك التوقيت اعتباطاً، فقد وُضِع كذلك حتى تتاح الفرصة خلال عامين من توقيع الإتفاقية للشريكين أن يتجاوزا حواجز كثيره أفرزتها الأزمة، وقد جاء ترتيب الاحداث المؤثّرة في التحول بتدرج سلس ومدروس إلى حد كبير تبدأ بتعديل الدستور وتنتهي بالإستفتاء، كما أنه روعي أن يتمكن الشريكان من معالجة الأزمة في دارفور والشرق ومعارضة التجمع الوطني حتى يتم الإستقرار الكامل بحلول العام 2007 في كل أرجاء الوطن لتهيئة المناخ الملائم لانطلاق مسيرة الإحصاء بسلاسة، والمعلوم أن هذا الإحصاء يأتي بعد حراك ديموغرافي واسع شمل كل السودان بفعل الأزمات المتلاحقة التي اصطنعها الإنسان فيه وتلك التي تُوصم بأنها عوامل وكوارث طبيعيه، كما أن الحراك قد شمل أيضاً دول الجوار، وبالتالي فهو إحصاء بالغ الأهمية، والدقّة فيه تكتسب ضرورتها من هذه الزاويه، فضلاً عن الأهداف الأخرى التي يستهدفها أي تعداد فوق هذه الخصوصية.

 

نحن نعلم أن الزيادة في السكان مسألة متباينة من شعب لآخر، وقد أكد الواقع أنه ليس من شعب لا يتنامى ولكن يتفاوت معدّل النمو. وقد أكدت الدراسات أن التحسّن في ظروف الحياة المعيشية والصحية هي إحدى مسببات تفسير المقدّر غيباً في أن معدّل الاعمار أكثر علواً عند الشعوب التي تتوفر عندها تلك الخدمات والعناية بشكل أفضل، وهي مسببات اختياريه من صنع البشر، بينما نجد أن ذلك المقدّر أيضاً تفسيره يأتي في ما تفتك به المجاعات والحروب والأمراض بالشعوب المغلوبة على أمرها باسباب السياسات التي تنتهجها حكوماتها والتربية التي تُنشّأ بها، بيد أن معدّل النمو في السكان تحكمه بالطبع عوامل أخرى، لذلك نجد أن معدّل النمو في الدول الفقيرة دائماً أعلى منه في الدول المتقدّمة والحال يُغني عن السؤال، وقد أوردت بعض الإحصائيات الموثوقة بأن متوسط معدّل النمو السنوي في السودان خلال الفترة من 2000 وحتى 2008 هو في حدود 2.56%، وعطفاً على معطيات الفرضيات التي يتخذها الجهاز القومي للإحصاء فقد كانت نتائج الإحصاءات السابقة من الإحصاء الأول وحتى الإحصاء الرابع والتي تمت على فترات متفاوتة جاءت نتائجها على النحو التالي:

 

الإحصاء الأول في العام 1955 وبلغ تعداد السكان في حدود ما يزيد بقليل على عشرة ملايين نسمه.

 

الإحصاء الثاني في العام 1973 وكان عدد السكان يزيد على 14 مليون بقليل، حيث بلغت الزيادة في حدود أربعة ملايين نسمه في ثمانية عشره عاماً، أي بزياده قدرها 40% عما كان عليه العدد في عام 1955.

 

الإحصاء الثالث تم في العام 1983 وبلغ عدد السكان تقريباً ما يقل عن 21 مليون نسمه بمقدار يقل عن نصف مليون، حيث بلغت الزيادة سبعه ملايين ونصف نسمه خلال عشره سنوات، أي بزيادة 67% عما كان عليه العدد في العام 1983.

 

الإحصاء الرابع أُجري عام 1993 وجاء تعداد السكان في حدود 35 مليون نسمه، ونرى أن الزياده كانت 15 مليون نسمه خلال عشرة أعوام، أي أنها تعادل 71% عما كان عليه العدد في العام 1993 .

 

الإحصاء السكاني الخامس تم في العام 2008 حيث بلغ تعداد السكان ما يقارب 40 مليون نسمه، أي بزياده قدرها خمسة ملايين تقريباً فقط في خمسة عشره عاماً، وهذا يعني أن الزيادة عما كان عليه السكان في العام 1993 هو فقط 14%.

 

بالنظر إلى نسب الزيادة في كل تعداد مقارنة مع الذي سبقه، نجد أن النسبة في السابق تتزايد من تعداد لآخر، حيث نجد 40% بين التعداد الأول والثاني ثم 67% بين الثاني والثالث و71% بين الثالث والرابع الذي تم في عام 1993 م، والملاحظ انه لم يكن هنالك خلاف ذي معنى حول تلك التعدادات الاربعة السالفة الذكر، والحقيقة أن زيادة السكان عما قبله وزيادة النسبة نفسها في المقارنة بالشكل الذي جاءت به لوطن واحد، أمر صحي وواقعي وتدعمه الكثير من التفاسير العلمية والواقعية، ولكن فجأة نجد أنه حدث هبوط مفاجيء في نسبة الزيادة في التعداد الخامس الذي أُجرِي حديثاً لنفس الشعب في ذات الوطن، حيث هبطت نسبة الزيادة إلى 14% عما كان عليه عدد السكان قبل خمسة عشره عاماً، وهو معدل يجب أن يُخيفنا جميعاً إذا أخذناه من منطق افترضنا فيه أنه لا غبار على التعداد، لأنه يشير إلى تدهور في معدل النمو السكاني عما كان عليه خلال التعدادات الأربعة السابقة، بينما إذا اعتمدنا منطق الإسقاطات السنوية مستخدمين متوسط معدّل النمو السنوي المشار إليه أعلاه وهو 2.56%، سنجد أن الزيادة ينبغي أن لا تقل بأي حال من الأحوال عن 18 مليون نسمه في 15 عام، بحيث أن تعداد سكان السودان ربما كان سيكون أكثر منطقية أن يبلغ 53 مليون نسمه في العام 2008، أي بزياده عما كان عليه العدد في 1993 بنسبة 51%، وهي نسبه قريبه من متوسط نِسَب الزيادة للتعدادات السابقة والتي تقدّر في حدود 59% ولعل الفارق ربما كان وراءه المآسي التي صاحبت النمو السكاني خلال الخمسة عشره سنة الاخيرة.

 

بالطبع نحن مع افتراض أن الجهاز القومي للإحصاء جهاز شفاف وكفء في أداء دوره بشكل مهني حيث أنه على عاتق مخرجاته يقوم مستقبل السودان في السنوات العشر المقبلة، أو على الأقل حتى موعد التعداد التالي، وهي مسئولية أخلاقية قبل أن تكون تاريخية، ولكن إذا تدخلت السياسة كما هي حالها في سوداننا المعاصر حيث عودتنا السلطة الحاكمة بأن غايتها تبرر وسيلتها، ومن ثم عزفت أنغام فن الممكن، حينئذ يستطيعون تبرير تراجع نمو السكان خلال الخمسة عشره سنة الماضية، بنفس المنطق الذي يبررون به أن السودان الآن يتأهب لاستيراد الذره والدخن وهو المنادىَ به سلّة غذاء العالم، وهو المفترض يأكل مما يزرع لا سيما وقد بسط الله أراضيه بما يفوق 230 مليون فدان صالحه للزراعة، وشقّ له أطول نهر في العالم. من هنا يحق لنا أن نطرح جملة أسئله لتفسير هذا التناقص المريع والمخيف في السكان، وهل هو ناتج عن أعداد كبيره من المواطنين تعرضت للإبادة بفعل الحروب المنظّمة والجوع والفقر والفاقة والمرض والهجرة القسرية خارج الوطن خلال خمسة عشره عاماً، وبالطبع في حالة صِحة هذا التبرير فثمة إثبات لجريمة الإبادة باعتراف الجاني، أم أن النقص هو بسبب متعمّد يقوم على مخطط لإخفاء العدد الحقيقي بهدف خدمة أجندة الحزب الحاكم في ما تبقىَ من تنفيذ تقاسم السلطة والثروة وتصميم الدوائر الإنتخابية وتحديد أوزان التنافس وفقاً لذلك، وفي هذه الحالة تثبت فرضية تزوير الإحصاء وأيضاً باعتراف الجاني. أما الحلقة الضعيفة في التبريرات والتي تفترض ضعف مهنية الإحصاء، فلا أخال أحداً يذهب إليها لأن الحضور الإعلامي الذي رافق إعلان النتائج جبّ هذه الفرضية بشكل قاطع عطفاً على تأكيد الحداثة والتكامل الفني للعملية برمتها. الإجابة قطعاً يجب أن تكون لدىَ السلطة الحاكمة (الإنقاذ)، وبدونها فإن التأخير المتعمد لموعد إجراء التعداد من 2007 إلى 2008 ثم تأخير إعلان نتائجه لعام آخر حتى 2009 وشكل النتائج وكل التحفظات التي سبقت الإستعدادات للإحصاء وتلك التي تتابعت خلال إجراء الإحصاء والتي برزت بعد إعلان النتائج، تصبح كلها تهم معلّقة في رقاب أهل الإنقاذ حتى يجيبوا عليها بوضوح مقنع لكل ذي عقل، وحتى ذلك الحين ليس من الحكمة في شيء أن يتحدث البعض عن الإستعداد لإنتخابات قاعدتها الإحصائية محل تنازع وشكوك، الحديث الحقيقي والعمل الواقعي والجهد الضروري هو يجب أن يكون من أجل الوصول إلى حكومه قوميه إنتقاليه تخرج بالبلاد إلى بر آمن.

 

عبد الجبار محمود دوسه

 

نشرته أجراس الحرية

 10/7/2009م