عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

تناولنا في الحلقتين الأولى والثانية خلاصة رؤية الحركات للإعمار والتنمية وانتهينا عند أعمال بعثة التقييم المشتركة للإحتياجات التي أكملت عملها، كما أشرنا إلى قرار المانحين بتأجيل مؤتمر المانحين ومن ثمَّ تناسيهم الإتفاقية نهائياً وعلى نهجهم سارت الحكومة فعلاً وغطّت فعلها قولاً. في هذه الحلقة نبدأ معكم من مرحلة تأسيس صندوق دارفور للإعمار والتنمية وهو المؤسسة المناط بها ترجمة عمل بعثة التقييم المشتركة إلى واقع عملي بالإعمار والتنمية وتمويل مشروعات ثلاثه مفوضيات اخرى من السلطة الإنتقالية وتمكينها من أداء دورها المرتبط بمشروعات الصندوق. بالطبع ما يرد من سرد وتحليل في هذه الحلقة أو الحلقات السابقة ينبغي أن لا يُفهم بأنه طرح مقصود به بثّ الروح في اتفاقية أبوجا أو الدعاية للحركة الموقعة أو الدعاية الشخصية، ولكن نأمل من القاريء أن يتفاعل معه من منطلق حقائق واقعه لها تأثيرها في تعزيز مساعي البحث عن معالجة شاملة للأزمة السودانية في دارفور في شقها المتعلق بالإعمار والتنمية، كما أننا نود أن نُملّك القاريء هذه الحقائق التي بلا شك يستطيع من خلالها أن يقيّم طبيعة فترة السنوات الثلاث الماضية وإلى أي مدى كانت تلك الجهود كفيلة بوضع لبنات التمييز الإيجابي للإعمار والتنمية في الإقليم الذي يغلي كالبركان توطئة لانطلاقة ثابتة بعد التوصل إلى سلام شامل فيه.

 

تنص اتفاقية أبوجا على أن تقوم رئاسة الجمهورية بإصدار المراسيم الخاصة بإنشاء السلطة الإنتقالية بعد ثلاثة أسابيع من توقيع الإتفاقية، بيد أن ذلك تم بالقطّاعي، حيث صدر مرسوم إنشاء صندوق دارفور للإعمار والتنمية في 27/10/2006 م، أي بعد اربعة أشهر من توقيع الإتفاقية، بينما صدر مرسوم إنشاء السلطة الإنتقالية في مارس 2007م كمجلس لسلطه سياسيه دستوريه متكامله، أي بعد تسعة أشهر من توقيع الإتفاقية، التأخير هنا ليس له ما يبرره سوى أنه كان جزءاً من مسلسل كسب الوقت الذي ظلّت وما زالت تمارسه سلطة الإنقاذ مع جميع الإتفاقيات. ولعله من أبجديات الإجراءات الدستورية أن يؤدي أعضاء مجلس السلطة الإنتقالية القسم أمام رئيس الجمهورية كناية عن عنوان بدايتهم لمهامهم الدستورية، إلا أن ذلك لم يحدث حتى تاريخ كتابة هذا المقال وعلى أي حال آثر أعضاء السلطة العمل عرفياً وحسب والتأقلم مع واقع قاومه بعضهم واستكان له آخرون، فجاءت مسيرتها تجانساً من مسخ دستوري، وقد كنت أحد أعضائها حتى مغادرتي لها مستقيلاً. لا أريد أن انحرف بالمقال عن مساره حيث أننا معنيون في هذه السلسلة بشكل أكبر بماهية الإعمار والتنمية في دارفور. لقد تم إعلان المرسوم الرئاسي استجابة لمقتضيات الإتفاقية بتسميتي رئيساً لصندوق دارفور للإعمار والتنمية في 30 اكتوبر 2006م ومن هنا نبدأ مسيرتنا في الإجابة على سؤال ماذا بعد أن تم تقييم احتياجات دارفور في الإعمار والتنمية بواسطة البعثة المشتركة Joint assessment Mission (JAM).

 

قبل أن ندخل في تفاصيل هذه المرحلة نود أن نُمهّد لذلك بتذكيركم ببعض الحقائق المُرّة عن أوجه القصور الرئيسة في التنمية والسائدة في دارفور والتي بلا شك تعرفونها أو على الأقل أكثرها، وكانت أحد أهم أسباب اندلاع الثورة. دارفور بمساحتها التي تزيد على 590 ألف كلم مربع وسكانها الذين يقاربون ثمانية ملايين نسمه بخلاف امتدادها الإجتماعي المتمدد في ولايات السودان الأخرى، يساهم في الإيراد القومي العام بنصيب وافر من خلال الثروة الحيوانية التي يمثل فيها الريادة والحبوب الزيتية واللحوم والصمغ العربي والبترول والنحاس والعطرون، وبرغم أن كل ذلك ما زال يقوم الإنتاج فيه على الوسائل البدائية عدا البترول في نطاقه المحدود والذي ليس للوسائل التقليدية قدرة عليه. علماً بأن هناك الكثير من الموارد ما زالت عذراء حتى اليوم. فالمياه الجوفية في دارفور قد تحدث عنها العالم باجمعه، ويكفي أن الروافد اليومية التي تغذّي بحيرة ساق النعام، تعادل عشرة أمثال المياه المخزّنة في جميع سدود السودان حسب نتائج الشركة الفرنسية التي حفرت آباراً هناك في منتصف السبعينات، ومع ذلك على سبيل المثال لا الحصر حتى دخول حركة/ جيش تحرير السودان مدينة مهاجيرية ذات الكثافة السكانية العالية، لم يكن بها محطة مياه جوفيه، وإنما يشرب سكانها ودوابهم من آبار سطحية يدوية الحفر في واديها سرعان ما تطمرها مياه الوادي في الخريف، ولا شك هذا المشهد قد تكرر خلال أعوام الإنقاذ العشرين، ومع أن الحركة لم تكن حكومه ولكن خلال تواجدها تم عبر تنسيقها مع المنظمات حفر ثلاثه آبار جوفيه وتركيب محطاتها كاملة وكنت حاضراً وشاهداً بنفسي على إثنتين اكتملتا في نوفمبر 2005م، فكانت هي التي تمد مهاجريه بالمياه النقية حتى اليوم، إنه لعيب أن يتبجح إعلام الحكومة بعد دخول مهاجريه مؤخراً بأنها جاءت بالتنمية لمنطقة كانت محرومة تحت إدارة الحركات، وكأنها تريد أن تمسح ذاكرة المواطن عن عشرين عاماً من النسيان ليس لمهاجرية فحسب بل لكل دارفور، ومع كل ذلك إذا وضعت الحكومة حجراً من أحجار التنمية في مهاجرية أو غيرها من مناطق دارفور، فما كان ذلك ليكون إلا بضغوط الثورة. من ناحية أخرى دارفور كانت وإلى ما قبل وأد الإنقاذ لمشروع الجزيرة، المصدر الرئيسي للعمالة لذلك المشروع الذي كان يعتبر الركيزة الأولى للدخل القومي لعشرات السنين، حيث سكن أؤلئك العمال في معسكراتهم فاقدة الخدمات والمسماة (الكمبوهات) ولعل كل طائف في حله وترحاله في الجزيرة قد شهد مفارقة اللوحتين، حتى أن بعضهم شبّه ذلك بما كان كائناً في جنوب أفريقيا، لكن ذلك أضحى الآن نعيماً مقارنة بجحيم الحال الذي يعيشه أهل الجزيرة أنفسهم في قراهم بعد الإهمال الذي اصابهم واصبحت كلها كامبوهات بعد أن إنتشلتهم يد الإنقاذ.

 

 أما على صعيد انعدام التنمية في دارفور، يكفي أن نذكر أن متوسط نصيب الفرد فيها من المياه لليوم لا يزيد على 5 لترات فقط، ولا تقوم حياة من غير ماء، كما تبقىَ دارفور بولاياتها الثلاثة، الإقليم الوحيد بين أقاليم السودان الذي ليس له أي طريق معبّد بالأسفلت يربطه مع باقي السودان بعد (فقط) خمسين عاماً من (الإستغلال) عفواً أعني الإستقلال. كما أيضاً يبقىَ الإقليم الوحيد من بين أقاليم السودان الذي ليس فيه أي مشروع تنموي ناشط بعد أن طالت يد الإنقاذ بعض المشروعات التي كانت قيد البدء. أما نصيب دارفور من الطاقة الكهربائية فهي فقط 19 ميغاوات في العام 2007 أي 2% فقط مما هو متاح في السودان لإقليم سكانه يمثلون أكثر من 20% من سكان السودان، ومع ذلك ما زال البعض يتحدث عن موارد شحيحه وزحف صحراوي وقلة أمطار ويحمّل المناخ المسئولية في ذلك. ما ذكرته من حقائق حول ما تزخر به دارفور من موارد وما ذكرته من انعدام للتنمية يمثلان شريحه رمزيه قصدت من خلالها أن أقود القاريء إلى امتلاك الحد الأدنى مما يمكّنه من تقييم ما يرد في الفقرات القادمة من المقال.

 

مرحلة الإجراءات التأسيسية

 

أنشأنا الصندوق من خلال إجراءات تأسيسية مشهودة ومؤثّقة سواء في البنية اللوجستية أو الهيكلة الإدارية التي تمثلت في إحدى عشرة إدارة وثلاثه مكاتب ولائيه، والإجراءات الوظيفية التي جاءت نتاجاً لخلاصة عمل سبعه لجان للمعاينات ضمّت اربعين متخصصاً، ولم يكن غريباً أن تأتي النتيجة بأن يكون 60% من منسوبي الصندوق من حَملة درجة الماجستير وما فوقها، وقد سبق ذلك تحديداً مفصّلاً للإختصاصات لكل إدارة، ووصفاً وظيفياً دقيقاً لكل وظيفة، وجاء اختيار مدراء الإدارت من كوادر ميّزتها مؤهلاتها العلمية وصقلتها حصيلتها من الخبرة ولعله من حقهم أن يرد ذكرهم لدورهم فيما تم وفيما سيتم لاحقاً بإذن الله إذا قُدّر للحكومة أن تلتزم بتعهدها تجاه دفع المبالغ. فقد كانت الإدارات ومدرائها الذين يشكلون الهيئة التنفيذية للصندوق على النحو التالي:

 

إدارة المياه ومديرها المهندس كرشوم سلم كرشوم.

 

إدارة الهندسة والمشروعات ومديرها المهندسة مواهب يعقوب عبد الله.

 

إدارة التنمية ومديرها الأستاذه فاطمه حسن منصور.

 

إدارة الشئون الإدارية والعلاقات العامة ومديرها السيد عثمان مختار عبد الله.

 

الإدارة المالية ومديرها الأستاذ محمد إبراهيم رحمه.

 

إدارة التخطيط ومديرها الدكتور مصطفى جبير محمد.

 

إدارة المانحين ومديرها الأستاذ محجوب طه عثمان.

 

إدارة الإعلام والتوثيق ومديرها الأستاذ علي أحمد حقار.

 

إدارة بناء القدرات ومديرها الأستاذه حواء محمد صالح.

 

إدارة المتابعة والتقويم ومديرها الأستاذ فتح الرحيم نورالدين إبراهيم.

 

إدارة الترجمه ومديرها الأستاذ أبو القاسم حسن ضوالبيت.

 

مكتب شمال دارفور ومديره المهندس محمد مختار جدو.

 

مكتب جنوب دارفور ومديره المهندس الدومه آدم محمد.

 

مكتب غرب دارفور ومديره المهندس آدم هارون زكريا.

 

لقد تساءل كثيرون عن الرواتب المميزة التي تُدفع لمنسوبي مفوضيات السلطة الإنتقالية والفلسفة وراءها، وتساءلوا عما إذا كانت هي خصماً من أموال التنمية، نود أن نوضح بأن الرواتب المميزة وضعت لتحفيز الذين يتصدون لهذا العمل بحيث يتجاوز العاملون مناخ الفساد الإداري الذي هيمن على الخدمة المدنية بفعل إختلال التوازن بين الدخل والحاجات الأساسية من ناحية، وغياب الرادع والوازع الضميري باسباب إضعاف أجهزة الرقابة بسياسات التمكين الولائي وتجاهل تقارير المراجع العام من ناحية أخرى، كما أن عقود المنتسبين بمفوضيات السلطة الإنتقالية تنتهي بانتهاء الفترة الإنتقالية وبالتالي ليس لهم فوائد ما بعد الخدمة ولا تنطبق عليهم أنظمة المعاشات والتأمينات العامة، والأهم من كل ذلك فقد نصّت الإتفاقية على أن تدفع الحكومة الإتحادية رواتب ومخصصات العاملين ضمن الهيكل الوظيفي المعتمد للسلطة الإنتقالية وليست من الأموال المخصصة للإعمار والتنمية والمحددة في الإتفاقية، وقد وظّف الصندوق عدداً إضافياً على المشروعات رغبة منه في استكمال جمع البيانات وإعداد المشروعات في وقتها لاستيعاب ضرورات الجاهزية لمؤتمر المانحين أو غيرها، وتجاوز التجارب السابقة لبعض الدول المنكوبة التي اضاعت فرص المساعدات الخارجية أو هيأت فرص المراوغة والتملص للراغبين منها بحجة عدم جاهزية المشروعات المدروسة. وعن هجمات الحديث عن الفساد المالي في السلطة الإنتقالية والذي تطوع الكثيرون من أبناء دارفور في تبنّيه بالوكالة رغم أن بعضهم قد تمرّغ فيه حتى الثمالة، أقول بأن الصندوق الذي وضع ضوابط صارمه في إدارة الشأن المالي والتزامه بالدورة المستندية المالية وفق مقتضيات اللوائح المالية، قد أغلق كل منافذ الفساد المالي، لكنه كان يدرك بأن حاله كحال جزيرة في وسط محيط من المناخ المالي والإداري الفاسد المتراكم عبر الانظمة المختلّة، ومِن ثَمّ فإنه لن ينجو من القواعد الفيزيائية عندما تدفع الجاذبية مياه الفساد من المحيط إلى التسرّب في تربة الجزيرة، ولا يأمن طواف الهواء المشبّع برطوبة المحيط الفاسد من أن يغشى مناخه في الغدو والمآب، ومع ذلك نقول باننا راضون إلى أقصى مدى للحد والمستوى الذي بلغناه في إدارة الصندوق وتأمينه من بوائق الفساد حتى مغادرتنا له في يوليو 2008 ، وأنا على ثقة بأنهم يسيرون على ذلك الصراط، ويكفي أن الصندوق كان قد أُطلقوا عليه اسم (صندوق دارفور للإعمار والتنمية ومفاعل ديمونه) كناية عن مستوى الإنضباط فيه، وهو فضل يرجع لله أولاً والنوايا الصادقة ثانياً وللهيئة التنفيذية للصندوق ثالثاً وللعاملين في الصندوق لما تميزوا به من رضى وقدره على التفاعل مع أنظمته أخيراً، لكن هذا يبقى حكمنا، وهو حكم مجروح. 

 

هذا القدر من الإعداد كان القصد منه بناء مؤسسة قادرة على مخاطبة تحديات الإعمار والتنمية في الفترة الوجيزة المحددة بالفترة الإنتقالية وفضلاً عن ذلك بناء كوادر قادرة على إثراء ساحة الخدمة المدنية القومية في مسيرة التقويم بعد نكباتها خلال أعوام نظام المُشيرين الراحل النميري والبشير، وهي نكبات ألقت بظلال قاتمة على حيادية الخدمة ومهنيتها الشيء الكثير. ولكي يضع الصندوق قدمه في أولى عتبات مهامه فقد كان طبيعياً أن يأتي فهمه لمهامه وعلاقة هذا الفهم مع المؤسسات النظيرة القائم على المستويين الإتحادي والولائي عوضاً عن دور الصندوق كمؤسسة ضمن منظومة السلطة الإنتقالية التي ستخضع في عطائها لتقييم شعبي من خلال الإستفتاء المقرر في 2010 حسب نصوص الإتفاقية وتحديد قيمة الإدارة الإقليمية، وفوق كل ذلك تخفيف معاناة المواطن الذي يعيش حالة مزرية في معسكرات اللجوء والنزوح من خلال تسارع العمل. بالإضافة إلى ذلك فقد تم أعتماد نظام متابعه وتقويم يملك نواصي المرونه وجذوع الإنضباط في العلاقات الرأسية والأفقية للإدارات والمنسوبين على السواء. الصندوق وقبل أن ينطلق فقد أقام عدة دورات في استخدامات الحاسوب للبرامج الروتينية والإختصاصية، وتمكن من خلال ذلك إلى المحو التام لجاهلية التعامل مع الحاسوب لأكثر من 98% من منسوبي الصندوق، حيث بدأ الصندوق عمله محوسباً، علماً بأن نسبة المتعاملين مع الحاسوب قبل بدء الدورات كان فوق 60%. كما أكمل الصندوق دورات مكثّفة في إجادة اللغة الإنجليزية تمكيناً للعاملين من سهولة التعاطي مع متطلبات مهامهم بما يجعلهم قادرين على تلبية استحقاقات التعامل مع المستند الدولي الخاضع للغة الأكثر انتشاراً حول العالم في الحدود الطبيعية.

 

الجهات المختصة في الحركة وخلال الجولة السابعة للمفاوضات في أبوجا، كانت قد اخضعت موضوع تقاسم الثروة لدراسات متخصصة عقدت باعتماد عوامل ومعايير منهجيه  لتحديد التفاوت التنموي بين أقاليم السودان الستة المتبقية وهي الخرطوم، دارفور، الشرق، الشمال، كردفان، الأوسط، بعد أن حددت اتفاقية نيفاشا نصيب الجنوب، حيث قامت الحركة بتحديد نسبة التقاسم بين المركز ممثلاً في الحكومة الإتحادية وبين الأقاليم وقد جاءت نتائج دراسات الحركة بأنه ينبغي أن يكون نصيب الحكومة الإتحادية ما نسبته 44.65% بينما نصيب الأقاليم 55.35% ولما كانت الحركة وهي تتفاوض في منبر سياسي بين طرفين لإنهاء نزاع مسلّح وليس في مؤتمر إقتصادي لمعالجة الأزمة الإقتصادية السودانية، إلا أنها أيضاً راعت ذلك بالتوافق مع نظيراتها على دعم علمية وهياكل واختصاصات واستقلالية وفاعلية مفوضية تخصيص ومراقبة الإيراد (Fiscal Financial allocation and monitoring Commission) بنصوص معزّزة حتى تتمكن من أداء دورها في المرحلة المقبلة من تقاسم الثروة في السودان بين المركز والولايات وبين الولايات ومحلياتها، رأسياً وأفقياً من خلال معايير عادله تخضع لمراجعات دوريه وفق متغيرات عواملها. علماً بأن هذه المفوضية كانت قد أُنشِئت بموجب اتفاقية نيفاشا وتعززت باتفاقية أبوجا، وقد ترأسها الدكتور إبراهيم منعم منصور تراضياً بين الشريكين قبل أن يغدر الشريك المهيمن ويعمل على فرض رؤيته على المفوضية، الشيء الذي قاد الدكتور إبراهيم منعم منصور لتقديم استقالته. قلت أن الحركة من خلال دراستها تمكنت من تحديد ترتيب الاقاليم الستة من حيث مستويات التنمية فيها، وبالتالي تمكنت من تحديد النسبة التي ينبغي أن تُخَصص لدارفور من الإيراد العام شاملة التمييز الإيجابي، وأن تحدد أيضاً سرعة اللحاق التي ستتجاوز دارفور من خلالها مسافة تخلّفها وتلحق برصيفاتها السابقات دون أن تتوقف بالطبع التنمية في تلك الأقاليم، كما حددت نصيب كل إقليم من سرعة اللحاق والمدى الزمني قياساً بأفضل الأقاليم تنمية، وقد جاء المدى الزمني المطلوب لدارفور وفق الدراسة بسبع سنوات. ورغم أن ما جاء في اتفاقية أبوجا لم يكن متوافقاً مع الطموحات إلا أن الصندوق وفي وضع خطته الإستراتيجية قد استند إلى تلك الحقيقة باعتبارها مرآة صافية لعكس الواقع والضرورة فكانت مسودة الخطة الإستراتيجية للإعمار والتنمية في دارفور وقد جمعت بين نتائج التقييم التي أنجزتها بعثة التقييم المشتركة (JAM) وبين التقويم الذي وضعته دراسة الحركة ولم تغفل ما هو متوفر من دراسات شبيهه سابقة.

 

المرحلة التمهيدية للخطة الإستراتيجية

 

لكي يقوم عمل الصندوق على قاعده معافاة، فإن ذلك يتطلب وضع خطة إستراتيجية سليمة، ولا نقول أن حجم الطموح نحوها يحجب بعضاً من الواقعية فيها استشرافاً برغبتنا في تغليب العوامل المحفّزة للعطاء على ضمور القناعة بالقدرات. عقد الصندوق عدة ورش عمل صغيره واختصاصية للمحاور الرئيسة التي ترسم ملامح الخطة الإستراتيجية قبل صياغة المسودة، وقد طالت المساعي استيعاب طبيعة الخطة الإستراتيجية القومية واستراتيجيات التنمية الولائية كعوامل ينبغي تكاملها مع خطة الصندوق التي هي جزء من مهمة السلطة الإنتقالية في إنجاز مضمون التمييز الإيجابي المرتقب. قامت الهيئة التنفيذية للصندوق بصياغة مسودة الخطة الإستراتيجية بما يجعلها مستوعبة للمحاور الرئيسة التي غطتها نتائج التقييم، ولعل قاعدة البيانات التي توفرت من خلال عملية التقييم من (JAM) كانت الخطة في مضمونها أكثر انحيازاً للتوفيق منه لعدمه، ولعله لتأخر إعلان مرسوم إنشاء السلطة الإنتقالية فقد رأى الصندوق أنه مطالب بالتسارع في إعداد مشروعاته من حيث الدراسة والتصميم، استعداداً لمؤتمر المانحين الذي يمكن الإعلان عنه في أي لحظة في ظل ضبابية القدرة على خطوات الحل الشامل للأزمة مع مناوئي أبوجا. ولما كانت الحركة ممثلة في لجنتها المحورية من قبل والصندوق كمؤسسة من مؤسسات الدولة من بعد قد أخذا في الإعتبار الدروس المستفادة من مؤتمرات المانحين السابقة التي تمت للأمثلة التي ذكرناها في الحلقة الثانية من هذه السلسلة من المقالات، حيث تلتزم الدول بإعلان منح كبيره خلال المؤتمرات ولكنها تأتي في مرحلة الملاحقة للإيفاء لتجد بأن الجهات الممنوح لها عجزت من أن تُعد مشروعات مدروسة مستوفية للمعايير والمواصفات الدولية، وهو المفتاح الرئيسي للبنك الدولي للإفراج عن المنح للدولة المستوعبة للمنحة، فقد استبق الصندوق كل ذلك وأعد مشروعاته وفق تلك المعايير من خلال كوادره المقتدرة وبيوت الخبرة، لذا لم يكن مستغرباً أن يتمكن الصندوق حتى النصف الأول من العام 2007 من إعداد مشروعات تستوعب كل المبالغ المخصصة في الإتفاقية والبالغة سبعمائة مليون دولار، كما أعدت مشروعات إستباقيه لمقابلة إرجائية أو فجائية مؤتمر المانحين المتوقع، وكذا الجهود الثنائية مع الدول أو المنظومات الدولية والإقليمية مثل جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي وغيرها، والتي أعد الصندوق برنامجاً لها، وقد بلغت القيمة الإجمالية للمشروعات الجاهزة للتنفيذ بحلول منتصف العام 2007 ما يزيد على إثنين مليار دولار تمثلت في المشروعات التالية:-

 

مشروع إنشاء 446 قريه نموذجيه في مواقع القرى التي تم إحراقها، تشمل من الخدمات مدرستين أساس ومركز رعايه صحيه أولويه ومحطة مياه متكامله ووحدة دفاع مدني ومركز شرطه وسوق ومسجد جامع وروضتي أطفال ومركز رياضي إجتماعي ووحده إداريه ومحطة كهرباء وزرائب ماشيه ومحبط هليكوبتر للطواريء، كما تنقسم القرى إلى اربعه مجموعات وفق عدد المساكن وهي بالتوالي 200 و300 و400 و600  منزل وأكثر كما تنقسم المساكن إلى ثلاثه نماذج، صغير ومتوسط وكبير، وأمام كل منزل (جُبراكه).

 

مشروع إمداد مدينة الفاشر بالمياه وشبكة التوزيع بما يستوعب إمتداد المدينة حتى خمسين سنة مقبلة من حوض (ساق النعام) الجوفي شاملاً طريقاً اسفلتياً معبّداً وموازياً لخدمة الخط ومنتوجات مشروع ساق النعام، يضاف إلى ذلك تأهيل حقل شقره ليكون إحتياطياً فاعلاً.

 

مشروع إمداد مدينة الجنينة بالمياه وشبكتها بما يستوعب إمتداد المدينة حتى خمسين سنة مقبلة من حوض (ديسه) الجوفي.

 

شبكة مدينة نيالا بما يستوعب إمتداد المدينة حتى خمسين سنة مقبلة علماً بأن خط إمداد المدينة من حوض (قريضه) الجوفي هو مشروع سابق لقيام الصندوق.

 

ثمانمائه وعشرون محطة مياه جوفيه متكاملة. و100 بئر سطحيه و720 مضخه يدويه وسد واحد صغير و54 حفير، فضلاً عن برنامج صيانة المنشئات القائمة.

 

13 مستشفى ريفي متكامل.

 

طريق نيرتتي جلدو قولو روكيرو بالإضافة إلى وثائق سبعه طرق توطئه لتكليف بيوت الخبرة للدراسة والتصميم.

 

84 محطة كهرباء سعة واحد ميغاوات لكل محطه بخلاف تلك الواردة في القرى النموذجيه.

 

مشروع إنارة 60 قريه بالطاقة الشمسية، وتزويد مدن الولايات الثلاثة بثلاثة آلاف وحدة إنارة طرقات بالطاقة الشمسية.

 

9350 مشروع للأسر المنتجة في 19 منتج بينها صناعات محلية.

 

37920 متدرب للحرفيين في 20 محور من محاور الحرف.

 

3170 متدرب في 23 مجال تخصصي وإداري وتخطيطي وإشرافي وتنفيذي للإدارات العليا والوسيطة.

 

ورغبة من الصندوق في تتويج مشروعاته بصبغة المعايير والمواصفات الدولية، فقد قام وفد من الصندوق حاملاً هذه المشروعات وقدمها إلى ثلاثة عشره خبير في مختلف المجالات التخصصية في المقر الرئيسي للبنك الدولي في واشنطون بأمريكا حيث قاموا بدراسة المشروعات وناقشوا أعضاء الوفد فيها، فكانت الشهادة منهم بأن تلك المشروعات لبّت كل المعايير والمواصفات الدولية، وهي شهادة يحق للهيئة التنفيذية للصندوق ممثلاً في مدرائه ومنسوبيه أن يفتخروا لأنه تتويج لجهود واصلوها بتجرد ليلاً ونهاراً.  

  

المرحلة النهائية للخطة الإستراتيجية     

 

مواصلة في استكمال الخطة الإستراتيجية وحتى تأخذ حقها من المشاركة الواسعة من أوساط المتخصصين وقطاعات الشعب المتنوعة، فقد صمم الصندوق اربعه ملتقيات كبيره في كل من الخرطوم والفاشر ونيالا والجنينه حيث تم الملتقى الأول في قاعة الصداقة في الخرطوم في الفترة من 28/9 إلى 30/9/2007 م حيث جمع الصندوق أكثر من خمسمائه من أبناء دارفور المتخصصين والمثقفين في مجالات المعرفة وغيرهم من الممثلين لشرائح المجتمع الدارفوري في الخرطوم للتداول في الخطة الإستراتيجية التي طرحها لهم الصندوق، فاستمرت المداولات لثلاثة أيام رفع فيها المشاركون من خلال مداولات لجانهم المتخصصة توصيات قيّمة ومقدّرة، هذا الحدث تكرر في المتلقى الذي تم عقده في مدينة الجنينه في الفترة من 6/10 إلى 7/10/2007 وفي الفاشر في يوم 18/10/2007 وبنفس المستوى وحجم الحضور وكذلك تكرر في نيالا في الفترة من 22/10 إلى 23/10/2007، ومن خلال هذه الملتقيات الاربعة التي حضرها إجمالاً أكثر من 1300 شخص تمكن الصندوق من أن يقف على رؤية الإنسان الدارفوري في الإعمار والتنمية لمرحلة ما بعد الحرب، وهو أيضاً إستجابة لمضمون الحوار الدارفور الدارفوري في هذا الشأن، وقام الصندوق بتضمين توصيات الملتقيات الاربعة في مسودة الخطة بصورتها النهائية، الصندوق أيضاً التقى في عدة اجتماعات مع المسئولين في أمانة مجلس التخطيط الإستراتيجي القومي بغية توفيق خطة الصندوق مع الخطة القومية وإزالة بؤر التنافر مع الحفاظ على خصوصية التمييز، كما قام الصندوق بعقد إجتماعات مع مجالس حكومات الولايات الثلاثة في دارفور، شرح فيها دوره ومهامه وعدم تقاطع هذا الدور مع البرامج الولائية وإنما تعضيد لها، وأكد على أن تكامل الأدوار ضرورة لتجاوز معضلة التنمية في دارفور، بيد أنه بخلاف حكومة غرب دارفور ظلّ التوجس يرتهن تعاملات حكومتي شمال وجنوب دارفور مع الصندوق، ولعله فهم خاضع لسياسات الحزب الحاكم، في وقت كان الصندوق ينظر فيه للأمور من منطلقها الإستراتيجي لانتشال دارفور من إعتثارها التنموي المفروض عليها، وهي ضرورة تقتضي أن يرتقي أبناء دارفور عن قِصر الفهم المأسور بالقيود التنظيمية متى كانت عائقاً أمام الفرد في دفع استحقاقات الإنتماء للإقليم، فبقدر ما كنا نسعى إلى الترتيب الامثل للأولويات كان الآخرون يسعون إلى عكس ذلك ولا غرابة، فهو نهج السلطة الحاكمة الذي يقوم على فلسفة الإستئثار بالفعل لاحتكار الثناء من أجل البقاء وحجب الإمكانات عن الآخرين ودمغهم بالفشل لحصد البلاء. نقف عند هذا الحد ونلتقيكم في الحلقة الرابعة لنتناول استكمال إعداد المشروعات ومراحل التنفيذ والمعوقات وجهود الصندوق في ذلك وحجم إلتزام الحكومة في دفع المبالغ المخصصة للإعمار والتنمية وفق ما نصت عليه الإتفاقية والذي لم يتجاوز 2% حتى مغادرتي، وأوجه صرفها ومجهودات الصندوق مع المجتمع الدولي سواء على المستوى الثنائي أو الجماعي وتملص الكثيرين من التزاماتهم.

 11/6/2009م