عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 أغلب الدول الافريقية نالت استقلالها في العام 1960 حيث تطلّعت شعوبها للنهل من تجربة السودان الديموقراطية بحسبانه أول دوله أفريقيه جنوب الصحراء تنال استقلالها وتُؤسس ممارسة ديموقراطية وفق تعددية، أملاً في أن تعطي تجربة وليدة قابلة للنمو والتبني، ولكن وئدت التجربة قبل أن تتحلل أغلب الدول الأفريقية من سلاسل الإستعمار، وبالتالي لم يكن منتظراً من الإستقلاليات الناتئة لتوها أن تنجب أنظمة ناضجة في عطائها السياسي من فراغ، فكان لحركات التحرر المهيمنة النصيب الأوفر من الحكم، فأسست الحكومات الشمولية التي عايشتها الشعوب الأفريقية طوال خمسة قرون هي فترة ما بعد التحرر، ولم يسجل التاريخ المعاصر للكثير من تلك الحكومات الشمولية سوى رصيداً قميئاً من القهر والإستبداد والدكتاتورية، وشعوباً قهرها الجهل والفقر والمرض، وكان بعضها ليس إلا عباره عن (عفريته) لصورة المستعمر الذي مضى، بل أن بعضها قد فاق المستعمر في ممارساته. بيد أن بعض الإضاءات قد وجدت طريقها إلى بعض العقلاء من ذلك الجيل فعملوا على إتاحة الفرصة للشعوب أن تحكم نفسها بنفسها من خلال تعددية بضّة في بنيتها السياسية وغضّة في هيكليتها التنظيمية، ولكنها حتماً ستقوى بالممارسة واكتساب التجربة والتعلم من تجاربها وتجارب الآخرين. فقد كانت تجربة سنغور في السنغال ومانديلا في جنوب أفريقيا وما بعد كنيث كاوندا ونيريري في كلٍ من زامبيا وتنزانيا، بعض أبلغ التجارب بين نظيراتها الإفريقيات، وحرِيٌ الأخذ بها أمثلة عليا.

 

أخذت حُمّىَ محاولات الديموقراطية عبر التعددية والتبادل السلمي للسلطة تسري في الجسد الأفريقي لمعافاته من داء الشمولية والدكتاتورية فتتابع التساقط ليشمل نيجيريا وناميبيا وملاوي وكينيا ومالي والكميرون وساحل العاج والكنغو الديموقراطية وجيبوتي واثيوبيا وموزمبيق وانقولا وغانا وتوجو ورواندا وبورندي وليبيريا وسيراليون وغيرها، رغم أن بعض الإنتكاسات قد أخذت طريقها إلى بعض تلك التجارب بفضل طموحات الجنرالات الطامعين إلا أنها تلقىَ مقاومة شرسة من الشعوب والمحيط الإقليمي والمجتمع الدولي. النموذج الذي نحن بصدده في مقالنا هذا هو موريتانيا. موريتانيا نالت استقلالها في العام 1960 شأنها في ذلك شأن غالبية الدول الأفريقية التي نالت استقلالها في ذلك العام، وتقلُب حال الحكم فيها بين العسكر في دورات حكم قصيرة حتى يوم 12 ديسمبر 1984 حيث قاد الجنرال معاويه ولد سيدي أحمد الطائع انقلاباً عسكرياً أطاح بحكومة محمد خونه ولد هيداله، واستمرت الحكومة العسكرية 21 عاماً، في 3 أغسطس 2005 أطاح الإنقلاب العسكري الذي قاده الجنرال علي ولد محمد فال بحكومة ولد الطايع، ومن خلاله أعطى الجنرال الجديد النموذج العازف للعسكريين عن السلطة في انحيازه إلى رغبة الشعب وثقافة التعدد الديموقراطي التي تمددت في أفريقيا وتأثرت بوجه الإشاحة الذي يقابل به المجتمع الدولي المؤيد للديموقراطية كل جنرال يتمدد بالجيش على شعبه ويسحله، وكان وفاء الجنرال ولد محمد فال بوعده بإجراء انتخابات حره ونزيهه لا يكون طرفاً فيها وإنما يقتصر دوره فيها على الإشراف قد أرسىَ نموذجاً حياً لمصداقية جنرال متقدم في الفهم لدوره. أجريت الإنتخابات حرة ونزيهة باعتراف المتنافسين انفسهم قبل المراقبين، وفي التاسع عشر من ابريل عام 2007 تنحىَ الجنرال وزملائه وسلّموا السلطة للرئيس المنتخب، لم يمض الرئيس الجديد كثيراً في ممارسة دوره ولم يهنأ الشعب بتنفس صعداء الديموقراطية، فقد كان هناك دائما جنرال في جيبه بيان يتلصص الفرصة للإنقضاض على السلطة، فكان الجنرال محمد ولد عبد العزيز الذي شأنه كشأن كل الجنرالات الطامحين الطامعين الذين بدلاً من ممارسة حقهم الدستوري والعرفي بالتخلي عن بزّتهم العسكرية والتنافس عبر صندوق الإقتراع مثله ومثل أي مواطن يملك هذا الحق المنقّىَ من أي شوائب، يستغلون جيش الشعب والقوة العسكرية التي وفرها الشعب لحماية الوطن، يستغلونها وينقلبون عليه، فكان انقلاب السادس من أغسطس 2006 م، ورغم أنه ليس لدينا تجاه الجنرال ولد عبد العزيز أي نوايا أو محامل على صعيده الشخصي كإنسان، وليس هناك ما يدعونا لذلك، لكننا نتناول شأنه من خلال خطوته التي بلا شك لها تقاطعاتها وتفاعلاتها مع ما يجري في بلادنا ومحيطنا السياسي.

 

الشعب الموريتاني الذي أصيب في مُستفز انتفض ممثلاً في أحزابه وتنظيماته الفئوية رافضاً وأد التجربة الوليدة، وتساجلت الجبهتان في المناكفة، النظام العسكري يريد أن يفرض الامر الواقع والأحزاب تريد أن تُعيد الأمر إلى نصابه وتفرض خيار الشعب، ما يحسب للجنرال عبدالعزيز هو أنه كان يمارس المجابهة الناعمة مع مناهضيه، يتعامل كمواطن في دواخله مساحه عريضه من الإنتماء والمسامحة حتى وإن نزغته نزوة السلطة في لحظة زهو، فلم يطلق يد الجيش والأمن للبطش والقتل والسحل، ولم يتخذ سياسة إما هو أو الطوفان، فقد أبقى بينه وبين شعبه شعرة معاويه، في المقابل لم تستكن الأحزاب وقاومت وأد التجربة بقوة وواصلت في تظاهراتها المدنية، ولعله من المشاهد السامية للطرفين هو استمرارهما في السعي لوجود حل توافقي بينهما يخرج البلاد من أزمتها ويحفظ وحدتها رغم تباعد القناعات ونتائج الافعال، تغليب المصالح العليا كان القاسم المشترك بينهما وهي مرحلة لا تتأتى دون أن يتحلى الطرفان بفيض من الوطنية مكّنتهما من امتصاص اثر التنازلات، وهي هاله لا تشع إلا من ألو عزم وإراده. رافق كل ذلك أن المحيط الإقليمي ممثلاً في الإتحاد الأفريقي قد أرسل رسائل التحذير المعنوية للإنقلابيين وكذا فعل المجتمع الدولي، فأخذ الإنقلابيون تلك التحذيرات بمأخذ الجد وهو لا يعني الإستسلام ولكنه ينم عن فطنه وحرص على مصالح وطن رغم السهوه، فتعاملوا ببعض الحكمة والرشد، واستبان كل مراقب أفعال الجنرال ولد عبد العزيز، حيث أنه بعد أن كان يبتعد عن المناهضين بإصراره على قيام الإنتخابات في السادس من يونيو وترشيح نفسه وعزمه على إجراء تلك الإنتخابات بإشرافه والمعلومة النتائج، آثر أخيراً وكما قلت أن يستجيب لصوت الرشد فيبدأ مسيرة عكسية بالتقدم خطوه خطوه نحو المعارضة التي كانت بدورها أيضاً قد بدأت مسيرة التلاقي في نقطة توافق تُخرج البلاد من مأزقها. الدور السنغالي لم يأت من فراغ، هو دور نابع من إرث السنغال الديموقراطي المتنامي رغم عُمره القصير، وكان طبيعياً أن يثمر هذا الدور حين فشلت الأدوار العربية لأنها تقوم على ثقافه تغلب عليها الشموليات، الدور السنغالي نجح في التوصل إلى توافق خَطَبَ ود الجبهتين وأدّىَ في نهاية المطاف إلى توقيع الاتفاق الذي اشتمل في ابرز محاوره على تشكيل حكومه قوميه انتقاليه محايده تدير العملية الإنتخابية في الثامن عشر من يوليو المقبل.

 

لا نملك إلا أن نحيي الشعب الموريتاني التواق للحرية والديموقراطية فقد عافر وثابر وأثمر صبره ونضاله، ولا نملك إلا أن نحيي الجنرال محمد ولد عبد العزيز ورفاقه من العسكر فيما ذهبوا إليه من معالجات اقل ما يمكن أن نقول عنها أنها أطفأت لهيب الإندفاع الشمولي في دواخلهم وقادتهم إلى أن يصطفّ طابورهم إلى جانب رغبة الشعب، كما نحيي الاحزاب الموريتانية التي لم تتوقف منذ اليوم الأول عن مقاومة وأد الديموقراطية الوليدة وظلت تدافع عنها رغم علمهم بمآل الوقوف أمام الانظمة العسكرية وبطشها، لقد راينا كيف أن زعماء الأحزاب هم الذين يقودون المظاهرات ويتصدون للمارشات ويصطلون بسياط العسكر وعِصي الدرك، هم بذلك ضربوا الأمثال للقواعد بماهية القياده وحصدوا ما زرعوا وعادت روح الديموقراطية ترفرف فوق موريتانيا التي نأمل أن ترخي رحالها وتنصب مضاربها وتبقىَ، فتحية للنخب الموريتانية التي نجحت وأكدت أنها حريصة على وحدة شعبها وسلامة وطنها.

 

السودان الذي بدأ مسيرته صعوداً بالديموقراطية وأنتهى تقهقراً بالدكتاتورية والشمولية، وطن اصابته لعنة الشعوب الافريقية التي تنسّمت في نخبه الخير لتهديها تجربه محفّزة، فإذا بها تقودهم إلى تعزيز الشمولية والدكتاتوريه. في كل يوم جديد تتهازل قدرة الشعب على مقاومة الشمولية، وتتساقط محاسن النخب وتتهاشش الأنظمة الحزبية، من كل ذلك تتغذى الشمولية المتسلطة وتقوى وتزداد بطشاً وقهرا، تُرى هل مضغة الإنتماء للوطن ما زالت غالبة وهي التي تحكم ممارسات الساسة والمتسيسين والراغبين في امتطاء الموجه، أم أن تلك المضغطة ليست سوى ورماً يشبه شحما ولطالما انخدع الوطن بها قبل المواطن، بل هل نحن كشعب حقاً نتغذىَ عبر حبل سُرّة وطنية واحدة، هل لتأرجح معنىَ الهوية دور في توجيه تفاعلاتنا مع قضية الدولة والحكم والديموقراطية، بل مع كل نفحة من نفحاتنا تجاه الوطن، ربما كانت كذلك عطفاً على واقعنا الذي نعيشه حيث تتشبث الإنقاذ بالسلطة بعد أكثر من عشرين عاماً من ممارستها على النحو الذي تَربّىَ فيها مَنْ وُلِدوا وتصابوا وعمرهم الآن عشرين عاماً. ليس من شيء تطول ممارسة الإنسان فيه إلا ويبدأ بتعافيه تدريجياً فيعزف عنه ويلفظه طائعاً، هي فطرة البشرية إلا السلطة، فكلما مارسها الإنسان ازداد تشبثاً بها، والتشبث ليس تعبيراً مستساقاً وإنما ينم عن خوف من ضياع مُمْتَلك، لذلك تُنزع السلطة نزعا، فالسعداء هم مَن تنزعها الديموقراطية عنهم عبر صناديق الإقتراع، والتعساء هم مَن ينزعها الموت عنهم، والجهلاء هم من تنزعها الإنتفاضات الشعبية منهم، وكله بأمر الله.

 

يحضرني تساؤل دائم، لماذا تعجز الأحزاب السودانية وقواعدها الشعبية عن الدفاع عن الديموقراطية باستمرارية المناهضة الفاعلة، لماذا تسقط وسائله الدفاعية، لماذا يتخلىَ عنها من غير إبداء أي مقاومه؟ هل نحن شعب فيه بعضٌ من الجُبن المُنقّب؟ هل نحن فعلاً شعب يتّسم بالطيبة بمعناها التي يتداولها الآخرون عنا، طيبة تستكين للجلاد الذي يستغل الطيبة بفهمنا ويمارس أبشع أنواع القهر لابسط محاولات الراي الآخر من خلال حجبه نهائياً، لماذا اختفت محاولات التظاهر والإعتصامات للتعبير عن الحقوق المشروعة عن الساحة السودانية منذ سنوات بعد المحاولات القليلة التي قُمِعت حيث فعلت السياط افعالها في ظهور النساء وعزفت العصي انغامها على رؤس الرجال ولعلع الرصاص في اجساد الجميع، ضربٌ عبّر عن مضمون عبارة ( ضرب غرائب الإبل) تُرى ربما كان الشعب السوداني في مخيلة الإنقاذ هو من غرائب الشعوب، ألم يصدق الراحل الطيب صالح حين قال من أين أتىَ هؤلاء. صورة من الرعب رسخت في اذهان الشعب فأضحىَ كالظِبىَ المرعوبة لا تكد تسمع خشخشة بين الأعشاب حتى تطلق لاظلافها الرِيح. هل اختفت تلك المحاولات لأننا اصبحنا شعب أكثر تحضراً من كل الشعوب وبالتالي فالتعبير عبر المظاهرات المناوئة للسلطة ضرب من التخلف، وأن مظاهراتنا كلها يجب أن تحمل صورة رمز الأمة، وهل للأمة رمز غير وطنها؟ هل اختفت لأن الحاجات الاساسية من مأكل ومشرب غلبت وقهرت الجميع وأحالتهم إلى شغيله في البحث عن لقمة العيش فلم يعد هناك وقت ولا تعد هناك بسطة؟ لكن من قال أن النخوة في الإجيال جذوة تنطفيء، ربما الفهم الأكثر اتساقاً بأن النخوة شُعلة تخبو. الإنقاذ أقلمت نفسها مع العواصف وامتصّت عاصفة الثورات النابعة من الهامش بقبولها بالإتفاقيات ومن ثم تسويفها في التطبيق وهي الآن تهييء نفسها لاستيعاب آخر ما تبقىَ من ثورات الهامش بالوصول إلى اتفاق نهائي مع من تبقىَ من حركات دارفور لإلحاقهم بدورة التسويف ولا ينقطع الأمل لدى الراغبين والمتعشمين في التحسين والترصين ولكن تبقىَ حقيقة الإنقاذ كما فضحتها الممارسات، بيد أن الإنقاذ حتى لو واصلت إنحناءتها للموجه المحلية والدولية بالإستجابة لتعديل القوانين المقيدة للحريات وهو الأمر الذي لم يلح في الأفق حتى الآن إلا أنها ستعصف بكل ذلك في التنفيذ كآخر متاريسها نحو مقاومة التحول إلى الديموقراطية والتبادل السلمي للسلطة، ودونكم ممارسات التنفيذ الحالية للدستور الإنتقالي والقوانين الصادرة بموجبه وكيف أنها تُنتهك وتتهتك. هذا التشاؤم يبقىَ مهيمناً على واقعنا إلى أن تثبت الإنقاذ العكس أو يُثبت الشعب رغبته في التحول إلى الديموقراطية غصباً.

 

كذب المنجمون ولو صدقوا، في انعكاسات اليأس التي تطوف على الشعوب في اشكال فكاهية، يُحكىَ أنه في بداية إنقلاب الإنقاذ ذهب بعض المُغرمين بممارسات التنجيم إلى (رامية وَدِعْ) وسألوها أن تَرمُل لهم عن كم سنه ستحكم الإنقاذ بالمقارنة مع فترة حكم الرئيس نميري رحمه الله، واخبروها بأن حكم النميري كان قد استمر 16 عاماً، وبعد أن ألقت (بالودعات) قالت لهم (الرقم 6 ثابت لكن رقم 1 يتأرجح مرة في اليمين ومرة في اليسار) الحكم لله يهبه لمن يشاء و(ينزعه) ممن يشاء، وحيث أن الواقع قد تجاوز تأرجح الرقم 1 في اليسار فكأنما تمضي الأمور مع هوى (الرمّالية) وهو لا يخرج عن كونه تنجيم، وربما كان ذلك من هرج (المساطيل) وهو هرج يُلقي بمقولة أخذ الحكمة من أفواه المجانين على عواهنها، وبدا بأن الإنقاذ تتلمس خُطىَ العقيد القذافي في تسجيل الرقم القياسي في البقاء حتى الآن، ولعل الإنقاذ تهفو إلى بلوغ الرقم 61، وهو أمر يُدخل البهجة في نفوس الإنقاذيين، أصلاءً  وملتحفين، بينما يقرع ناقوس الخطر لكل من يتحسس ريح الديموقراطية والتبادل السلمي للسلطة في السودان في القريب العاجل بعد أن رفضت الإنقاذ تشكيل حكومة قوميه إنتقالية محايده تُشرف على مرحلة التحول الديموقراطي وتحقق التبادل السلمي للسلطة، وهو رفض لا يغيب معناه عن متون العقول. أن يَبقىَ الشعب السوداني كالأنعام في حظيرة اسوارها نُصِبت بإحكام، أمر لا تستغربه الشعوب الافريقية ولا العربية، فقد خبرونا شعباً متارجحاً في تحديد هويته وإن حفظوا لنا في قلوبهم مساحة واسعة من الود، علماً بانني في فهمي المتواضع أعتقد بأننا كسودانيين ودون أن نُعربد في أتون الشروح ربما نتجاوز المعضلة كما تجاوزتها شعوب كثيره قبلنا ولعل اقربها مثالاً الشعب الأمريكي الذي لا يجد هويته إلا في إطاره الجغرافي، بل لم اسمع استرالياً يسألونه عن هويته فيقول لك هو انجليزي أو ايرلندي او اسكتلندي، رغم إستظلالهم بالتاج البريطاني كقيمه معنويه، وليس ببعيد من أمثلتنا الشعب الياباني والشعب الكوري اللذان تقول كثير من الدراسات أن اصولهم تعود إلى الصينية، ومع ذلك استعصموا بهوياتهم المختومة جغرافياً، الاقرب للرشد هو أن كل الشعوب صعدت لقمّة الجبل لتتحسس ببصيرتها منطلقاً عبر الافق، بينما نحن ما زلنا نبثث فراشة طاقاتنا ونستعرقها لنزيل الجبل لنقف مع الأفق على منسوب واحد ليكون أفقنا طوع ذاك القِصر. من هنا ربما أساهم بتعريفي السهل للهوية بمفردات بسيطة النظم والمعنى وآمل أن يجد طريقه إلى عقول وقلوب شبابنا وشاباتنا، شيبنا نساءاً ورجالاً، وأن يحفظوا هذا المفهوم كما يحفظون اسماؤهم وهو (السودان هو وطني وهويتي، لا أصالة لأمّة تبحث عن هويتها خارج حدودها الجغرافية. ولا خير في شعب يتجاوز فهمه لهويته انتمائه لوطنه ويرتبط بهوية خارج حدوده الجغرافية، فهو عندئذ يصبح مواطناً تابعاً، والتابع في الهوية كائن مسلوب الإرادة لا يكون إلا ظلاً لمتبوعه، ولا يردد إلا صدى صوت سيده، ولا يمكن والحال كذلك أن يكون وطنياً حقا. تُرى هل يعود خنوعنا تجاه قضايا الوطن الملحّة لكوننا ما زلنا لحم رأس في فهمنا للهوية وبالتالي تبعاً لذلك نعكس تفاعاعلاتنا؟ النخب الموريتانية تمكّنت بجدارة من تجاوز كأدتها السياسية رغم تجربتها الفطيرة في الديموقراطية، وأثبتت أنها نخبة قادرة على ترتيب أولوياتها تجاه الوطن، بينما ما زالت النخب السودانية الشمولية متشبثة بالأحادية مما أجبر الهامش بأن يحمل البندقية وهي نُخب لا تختلف عن (الهكرز) فقد سخّرت كل إمكانياتها الذهنية في تصميم الفيروسات للوطن ولا يهمها كثيراً أن تبيد كل الشعب وتبقىَ، وحتماً لن تتوقف لأن الآفة آنئذ إذا لم تجد ما تأكله فسوف تأكل نفسها، وفي الجانب الآخر عجز دعاة الديموقراطية ونحن منهم من دفع أدنى التضحيات كاستحقاقات للتغيير، ولم تكن سوى مظاهرات وأقصاها عصيان مدني. ربما يتّجهون إلى اقتفاء آثار النضال الذي انتهجه شعب ما لطرد المستعمر، حيث كان كل واحد منهم مع اعتذاري (يعملها) في الشارع وخلاص، حتى أصبحت الشوارع كلها معمولة، فلم يجد المستعمر بداً من الهرب والنجاة بجلده، ولكن ذلك قد يؤدي إلى بقاء أصحاب الأنوف الشمخاء والفطساء لأن الهواء يتحسس طريقه بصعوبة، ويهرب أصحاب الأنوف الحوراء وهم غالب الشعب السوداني وبالتالي تصبح هنالك مشكله أخرىَ، علماً بأن هذا التصنيف يجب أن لا يحيد بالقراء عن مضمون المقال، فهو لا يعدو كونه وليد الاسطر الاربعة التي سبقته رغم غرابة المسميات غير المعهودة للقاريء. البائن من قرائن أحوالنا أن الغيرة مما حدث في موريتانيا قد لا تجد طريقها إلينا، وفي كل الأحوال لا بد من الإعتراف بنجاح النخب الموريتانية وفشل السودانية حتى حينه.

 

عبد الجبار محمود دوسه

 7/6/2009 م