عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الأزمة السودانية في دارفور حالها حال كل أزمات الهامش مع المركز حيث تقوم على حقيقتين اساسيتين هما ظلامات السلطة وظلامات الثروة، هذه الظلامات بشهادة التاريخ والجغرافيا تزداد اتساعاً وبشكل كبير في ظل الحكومات الشمولية التي لا تتخذ من العلم مستهدياً ولا تعتمد المعايير مسلكاً في التخطيط، وإنما يصبح قرار القائد الملهم هو الإستراتيجية والتخطيط والبرامج وهو المشروعات والتنفيذ أيضاً، حيث تنعكس حينئذ الآثار القميئة في شكل ممارسات نسيئه تستجيب لرغبات أصحاب الأجندات الذاتية من المتخصصين الذين روّضوا علمهم ليكون مطية يوجهها القائد في قراراته ثم يسوّقون لها ويبررون أخطاءها، وهو نتاج طبيعي للإصرار برؤيا عين واحده والصراخ ليسمعها الآخرون وتغييب قابلية التلقّي أو حتىَ المبادلة، فهي حكومات تُولد صمّاء وتموت خرساء وبالتالي لا يجد الحديث الممنطق إليها سبيلاً، هذه الحقيقة بمرارتها سطعت في سماء السودان السياسي رغم خاصيتي الخسوف والكسوف اللتان تتمتع بهما، ومن ثمَّ فلم يكن للمواطن السوداني بداً من النظر إليها إلا عبر مناظير بمواصفات خاصة حيث تتواصل حيرته. بهذه المقدمة المقتضبة أدخل في عنوان المقال والذي يتعلق بإعمار وتنمية دارفور كحلقه اساسية ضمن سلسلة العوامل ذات التأثير الأعنف في معالجة الأزمة السودانية في دارفور، ونظراً لضرورة وحاجة الظرف الميقاتي الحالي لإزالة العوالق الضبابية حتى يستبين الحال للمتابعين لمراحل معالجات الأزمة في هذا الشق باعتباره شقاً هاماً وركيزة اساسية في تشخيص القضية وفي توصيف معالجتها، رأيت أن أتناول في أربعه حلقات تلك الجهود التي تبنتها الحركات إبان جولات التفاوض في أبوجا، بيد أن ذلك لا يشاهيها بالإستفراد خاصية ولا بالنداء إحتكاراً، فهي في الواقع لسان حال كل مواطن وتنظيم في دارفور، ثورياً كان او موالياً، ولكن تتفاوت درجة الإنفعالات وتتباين الوسائل والآليات. علماً بأنني لست هنا بصدد التفصيل عن مفاوضات أبوجا فذلك مكانه كتب المذكرات التي حتماً سيكتبها بعض من عايشوها، وإنما أشير إلى الجزئية المتعلقة بموضوع هذه الحلقات فقط وهي الإعمار والتنمية في دارفور.

 

أستطيع أن أقول أن خارطة الطريق التي تبنتها الحركات الثلاثة مجتمعة فيما يتعلق بجزئية الإعمار والتنمية في ملف تقاسم الثروة كان يرتكز على جملة اعتبارات وعوامل قُصد بها أن تقود إلى افضل تأثير لهذه الجزئية في معالجة القضية، ودون الإنسياق إلى تفاصيل تباينات وجهات النظر بينها باعتبارها فصولاً داخل كتاب بعنوان واحد نستطيع أن نقول أن الإعتبار الأول بُني على حقيقة أن ما تستدعيه الحركات من الإعمار والتنمية يجب أن يكون تمييزاً إيجابياً محكوماً بالفترة الإنتقالية للإتفاقية التي يتم التوصل إليها ليضاف إلى ما يجب أن تكون عليه في خطط الحكومات الولائية من إعمار وتنمية وما يتم اعتماده في الشق الإتحادي الموجّه لدارفور، هذا الإعتبار قائم على فلسفة أن بين جملة القيم التي ينبغي أن تدفعها الدولة قرباناً يضاف إلى جملة قرابين تُمكّن الجميع من تجاوز الأزمة ومعالجة النزاع بشكل شامل كانت تتمثل في عدة عوامل هي، قيمة الوحدة الوطنية وقيمة الوطن وقيمة روح المواطن والقيمة المادية، وبالنظر إلى هذه الرباعية نستطيع أن نضع أنفسنا في مقام أي دولة راشدة ومطالبة باختيار إحدى هذه القرابين ثمناً لعلاج أزمتها، ولعل أقلّها خسارة هي القيمة المادية وهو ما ينبغي أن يكون الخيار الأول والأوحد للدولة إبّان أوجّ نشاط الأزمة في العام 2003 ، ومع ذلك تجاوزت الإنقاذ تسعه لقاءات قدّمت فيها الحركات تسعه مطالب غاية في البساطة فاختارت روح الإنسان قرباناً بتكثيف العمليات العسكرية وكان هذا المآل، وكان طبيعياً أن ينجرف وبشكل موصول قربانا الوحدة الوطنية وسلامة الوطن ليقعا في معصف التهديد المتواصل، وتظل الإشارة الصفراء تتواقد بتسارع مطّرد نحو الإشارة الحمراء التي تعني انهيار الوحدة الوطنية وتَمزُق الوطن وسنفرد مساحة لدور الخيار الخاطيء للإنقاذ في تأزيم وتطويل النزاع بمنظور أوسع وأوضح إن شاء الله في الحلقة الأخيره من هذه السلسلة. لم تغفل الحركات في تفكيرها نحو تحقيق هدف الإعمار والتنمية اصطحاب الوضع الإقتصادي المتردي للوطن رغم البعثرة التي تدير بها الإنقاذ موارد البلاد، وكان ذلك حاضراً ضمن استراتيجيتها التفاوضية حيث يخضع شقها التنفيذي لمرحلة ما بعد الوصول إلى اتفاق، وساسرد ذلك الشق وكيفية التعامل معه بعد اتفاقية أبوجا عندما نأتي إلى تناول تلك المرحلة في الحلقة الثالثة من هذه السلسلة.

 سنبدأ سلسلتنا بداية بمرحلة التفاوض المتعلق بجزئية الإعمار والتنمية وهي جزئيه داخل ملف تقاسم الثروه، ثم مرحلة ما بعد توقيع اتفاق السلام لدارفور (اتفاقية أبوجا) حيث إنشاء البعثة المشتركة لتقييم احتياجات دارفور (جام) مروراً بتأسيس صندوق دارفور للإعمار والتنمية المناط به الإضطلاع بدور الإعمار والتنمية لمرحلة ما بعد الإتفاقية وانتهاءاً بما ينبغي أن تؤول إليه تلك المساعي في المرحلة التي تتحاطب فيها السواعد العقلية للاطراف الساعية للتفاوض الآن سواء في الدوحة أو في أي منبر تحط أو تُقذَف فيه القضية بعد أن أصبحت اتفاقية أبوجا كالعُملة المستبدلة لم يعد لها وجود فعلي إلا بعض النماذج في أرفف المتاحف. ونتناول أيضاً ضمن قراءتنا ما آلت إليه الأمور الآن ومدى تأثير ومساهمة كل ذلك في إخفاض الصوت الأحادي الذي يَبقىَ يصم ولا يطرب، آملين بهذه الحلقات أن نرد على الكثير من التساؤلات الحائرة والمتعلقة بدور اتفاقية أبوجا التي أصبحت إلى جانب ذلك في مقام الزوجة الخامسة في الشرع الإسلامي، ونستشرف حجم التحول الذي يأمل أهل دارفور أن يعايشوه واقعاً ضمن منظومة الاهداف المطروحة من خلال معالجات الظلامات التنموية والتي بحكم الحقيقة ما زال فطيراً. كما نرد ليس فقط على ادعاءات الإنقاذ وإعلامها الجاهر كذباً بأنها تقيم مشروعات تنموية في دارفور بينما هي في الواقع تكرّس تظليلاً لجزء من مثلّث حمدي، وتزرع معه أسافين الشقاق في الوحدة الوطنية، وإنما أيضاً على استراتيجيتها المستبطنة والتي تكشف إلى حد كبير سِبق إصرارها في إغراق دارفور بثلاثيتها القائمه على أولاً ديمومة تعقيد الأزمة سياسياً بتعطيل أي التزامات مستحقه والإكثار من المبادرات الجوفاء وعلى انفراط الحركات وتشتتها وثانياً إنسانياً بتأزيم الوضع المعيشي المؤزم أصلاً في معسكرات النزوح ويشمل طرد المنظمات وتشريد الآلاف الذين كانوا يعملون فيها من أبناء دارفور أو غيرهم ويعولون عشرات الآلاف من الأُسر، وثالثاً عسكرياً بتأجيج التوتر في الشريط الحدودي وأداء دور العقار المهيّج بين الحركات حيث تعاركاتها الأخيرة مع بعضها وإن كانت تتحمل الحركات فيها الوزر الاكبر، وإشعال الخلاف مع تشاد بدعم المعارضة التشادية، وتأجيج الصراعات القبلية. هذا الثلاثي يتيح لها استرصاص تراكمها من المكتسبات الزمانية لبناء جداراً يحميها ويطيل عمرها ويرفد صمودها لنوائب الأيام، وهو نهج سجّلت من خلاله نجاحاً متقافياً عبر السنين في وقت عجزت فيه القوى المعارضة اقتفاء مساره.

إذا عدنا بذاكرتنا لايام التفاوض في جولات أبوجا واسترجعنا ذاكرة الملف التفاوضي في قسمة الثروة وقرأنا صفحاتها المتعلقة باستحقاقات الإعمار والتنمية نستطيع أن نقول بأن فصل الإعمار والتنمية لم يمثل في وجهة نظر الحركات فصلاً معقّداً في التفاوض على فرضية أنها مستحقات تذهب مباشرة لكامل دارفور ويستفيد من إقامتها كل أهل دارفور، حيث لا يُعقل أن يتوقع أحدهم بأنه في حالة رصف وتعبيد طريق مثلاً أن يقال بأنه طريق الحركات ولا يُسمح فيه السير إلا للحركات، بل حتى ملف تقاسم الثروة بكل فصوله لم يكن حاجزاً يصعب تجاوزه بالتلاقي على أرضية توافق تفاوضي لا يرهق موازنة الدولة الآنية آنذاك ولا القادمات، ولا يُسقط حقوق دارفور المنشود، هكذا هو افتراض الحركات رغم أن واقع فهم الحكومة كان مغايراً بالنظر لحجم الممانعة التي أبدتها أثناء التفاوض ولم يستهوها فلسفة الحركات رغم منطقيتها، وقد جاء إصرار الحركات على إقرار الإعمار المأمول قياساً بتواضعه في الواقع في جميع مدن وقرى دارفور وإقرار التنمية بحجم انعدامها في كل إقليم دارفور. وقد جاءت في طليعة مستحقات الإعمار مسألة بناء القرى التي احترقت بكامل خدماتها بما يستوعب ضرورات الالفية ليس في صيغة معالجة لحظية وإنما ضمن تخطيط استراتيجي يتمدد بتنامي الحاجات وتُمكّن من عودة منقولة في نوعيتها للاجئين والنازحين وإعادة تأهيل وتطوير نوعية المنشآت الخدمية القائمة والتي تأثرت ليس بالأزمة فحسب وإنما أيضاً بالإستهوان وضعف القدرات الإدارية التي تأثرت هي الأخرى بإخلالها نتاجاً للقرارات التي طالت خبراتها وأحالتهم وفق معايير الولاء السياسي، لمجال هو في الاصل مهني بحت، إلى طالح بينما هم في الحقيقة بمعايير الخدمة المدنية الغالب منهم هم عين الصالح. أما أمر الخطط والبرامج والمشروعات فقد تركتها الحركات لمرحلة إنفاذ الإتفاقية التي يتم التوصل إليها.

 

قامت قاعدة الإستحقاق لرؤية الحركات في فصل التنمية على سبع محاور رئيسة تمثلت في البنيات التحتية في مجالات الطرق والسكك الحديدية والمطارات والكهرباء، والمياه متمثلاً في السدود والآبار السطحية والجوفية للإستخدامات المنزلية والصناعية والزراعية والتنمية الريفية في شقيها الزراعي والحيواني وتطوير البنية الإقتصادية للاسرة من خلال تطوير مشروعات الاسر المنتجة بالأخذ بيد الصناعات المحلية وتطويرها ومتطلبات تسويقها بالداخل والخارج وبناء القدرات للأفراد ومؤسسات القطاع الخاص والصناعات التحويلية والتجارة البينية وعبر الحدود بكل مقتضياتها البنيوية. صاغت الحركات هذه الحزمة التنموية بحيث تصبح هي مهام الحكومة الإقليمية التي ستأتي لتشكّل تجانساً بينها وبين الخطة التنموية الإستراتيجية الإتحادية الإفتراضية الموجهة لإقليم دارفور والخطط التنموية الإستراتيجية الإفتراضية للحكومات الولائية بما يجعل حزمة التنمية الآتية من خلال التفاوض إضافه تميزية أو سرعة لحاق تنقل دارفور المتخلفة عن رصيفاتها إلى مصاف المتقدمات وتتجاوز المدى الزمني بحجم تنموي يُعدّ بمقاييس التوافق برنامجاً فوق العادة. القاريء لكل هذا قد تأخذه الدهشة فيما يعتقد بأنه تقاطع متسالب مع بعضه والمؤسسات المتبنية لها، وتداخل في الإختصاصات، ولكن في حقيقة الأمر بينها وبين بعضها في رؤية الحركات آنذاك برزخ بائن بينونة الشمس في رابعة النهار. هكذا كانت نظرة الحركات لفصول الإعمار والتنمية التي لازمت تفاوضها في أبوجا والتي كان المأمول فيها أن تجد طريقها إلى اتفاق شامل توقعه الحركات الثلاثة آنذاك ضمن ملفٍ لتقاسم الثروة يُلبي طموحات أهل دارفور ويساعد في إخراج البلاد من أزمة دارفور ضمن منظومة متكامله مع الملفات الأخرى. بيد أنه أتت الرياح بما لا تشتهي السفن وتم التوقيع من طرف واحد على اتفاقية احتوت على بعض طموحات، ذهب معها الطرف الموقع إلى الخرطوم وذهبت طموحات أخرى مع آخرين إلى حيث كان الجميع من قبل. نقف عند هذا الحد ونبدأ معكم في الحلقة الثانية ماذا فعل الفصيل الموقع على الإتفاق بالنسبة للإعمار والتنمية بعد الوصول إلى الخرطوم وبحكم أنني كنت أتولى رئاسة صندوق دارفور للإعمار والتنمية قبل أن استقيل أستطيع أن أضع القاريء أمام حقائق لعلها تزيل عنه كثيراً من علامات الإستفهام في شأن الإعمار والتنمية في دارفور، ونخص الحلقة الثانية كما قلت بمسيرة البعثة المشتركة للتقيم ومؤتمر المانحين الدولي الذي لم ينعقد.

  

عبد الجبار محمود دوسه

 1/6/2009