عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.يدور جدل متباين هذه الايام وخاصة بعد إيداع قانون الصحافة لدى المجلس الوطني لإجازته، ليس من أحد في الساحة السياسية إلا و يدرك تمام الإدارك ويعي كامل الوعي بأن التحول الديموقراطي الفعلي مرهون بتعديل القوانين المقيدة للحريات، ولعل تعديل قانون الصحافة بما يتسق ومستحقات ذلك التحول يتبوأ مركز الريادة في الاسبقية والاهمية، لقناعة الجميع بأن السلطة الرابعة والمتمثلة في الصحافة هي الآن سلطة مُقيّدَة ومحبوسة، والعاملون في هذا الحقل ولسنوات طويله يدركون حجم التدهور الذي طال هذا الحقل وأحاله إما إلى تبويق يردد صدى الحاكم أو تخنيق يعابس حظه في السر. ولعل المقايسة الظرفية لحال الصحافة تعكس إلى اي مدىَ تُعتمّىَ عندما ينبغي لها أن تظل باصرة فإذا هي جاحظة، وتتخافت حينما يتطلب الأمر قولاً من الجهر، نزولاً عند مقتضيات الوجود قهراً أو ركوناً ومداهنة من أجل البقاء واستسلاماً ومباركة بعد إفراش المتاع، حيث تمكّنت السلطة من تلابيبها وأمسكت برسنها فما برحت تُرخي رِحالها أنىَ شأءت وحيث وجّهتها. بيد أن قبسات الوميض الذي يصدر من حين لآخر من بعض الشموع، لا تعدو كونها ومضات كضوء يراع الخريف الراحلة، لا تنير ولا تأسر ظلاماً حالكاً.الجميع يدرك بأن إيقاع تعديل القوانين المقيدة للحريات، إيقاع يؤلّف نوتَة الجُمل الموسيقية ويضبط مقطوعة العزف المتناغم لطابور تعديل بقية القوانين المقيدة للحريات، والعكس ليس سوى فرط يماثل صيد اللآليء من قرون حلزون، كل ذلك أحكمته اتفاقية السلام الشامل وبالنصوص والروح، وبيّنت مستحقاته زماناً محزوماً بحيث يبلغ تمامه في نهاية السنة الثالثة للإتفاقية، ولم يتعاجز المشرّع في صياغة النصوص مِن أن يُبسط سلاسة الإنتقال نحو الغاية المنشودة بخُطىَ غايه في التوازن وثِقل وثبات مما قيّض للشريكان أن يتوافقا على ميثاق دونه الإلتزام أو نحر العهد وجحد الحصد. لا تستوي جملة القوانين المقيدة للحريات في التملص من ردائها المتبالي وقانون الصحافة الرقابي المطروح ما زال مطوياً بكفن الوداع يعافر للبقاء كما لو كان (بعاتياً) يتأهب لنيل خاصية حياتية أخرىَ مع التحول الديموقراطي المنشود الذي سيظل في رحم الغيب إلى أن يولد ويكون مشهود. لعلنا نتساءل هل خطر بخلد مجلس وزراء حكومة الإنقاذ وهو يدفع بهذا القانون إلى المجلس الوطني بعد إجازته برزاز رطب أن يمضي إلى واقع الممارسة بمباركة عبر الاغلبية الميكانيكية دون أن يتوقف عنده المعنيون بالامر ولو بكحل العين. لو كانت الغاية من الإتفاقيات أن تخضع بنودها الجزعية المُستهدِفة للتغيير لمعادلة الفصل في القوانين المقيدة للحريات بحسبانها بعضاً من كُل بمشرط الجراح الحكومي السائد سلفاً والمتمثل في الاغلبية الميكانيكية في المجلس الوطني، لماذا إذاً مضت الاطراف المختلفة في بعثرة الجهود لتفصيل الإتفاقيات وإضاعة الوقت في جولات المفاوضات ووضع جداول التنفيذ، كان حري بالحكومة أن تمضي مُغمَضةَ بعرجتها حيث لا لزوب طين المسرىَ يعيقها ولا شبح التحوّل يخيفها.كيف يمكن ممارسة التحول والعين التي يجب أن تراقب الممارسة يُراد لها أن تكون معصوبة بقانون لا ترتضيه أو يُفرض عليها عبر التمرير وليس من خلال التفليل، قانون الصحافة الذي أجازه مجلس الوزراء والذي قذف به إلى طاولة المجلس الوطني كما يقذف الفران بقِطَع الخبز الفطيرة إلى صحن الفرن، يعكس مدىَ رهبة المجلس من قانون يراقبه بعين مفتوحه وأذن صاغيه ولسان بالغ، قانون يمكّن من أن ترسم حجم تعاسة المواطن وهو ينشد لحظة القفز فوق جدار الصمت المكبوح به ردحاً من الزمان ويرسم معاناته بألوان ظاهره لا تصيب الناظرين بعماها، قانون تتدفق من بنوده نشوة الصحفيين وتعكس صداهم فوق بحّة أصواتهم التي لازمتهم منذ توقيع الإتفاقية وحتى لحظة الإفصاح عنه. لا يستقيم الكلِم ولا يُقرأ المكتوب عندما تُخفىَ النقاط عن مواضعها فوق أو تحت حروفها أو يُبعثر ترتيبها، فالسلطة الاحادية تفتح باب التعلل حتى تُرسي لخطاها دعائم الزهد في التحول، وتصنع الأزمات تباعاً لإشغال الشركاء بانصرافيات التعكير لتعسير التفعيل وبسط نهج التغول وسحب ما ينوب غيرها من حق ممارسة التخويل التعاهدي ارتهاناً بفيض الزمن الذي رضعت منه لبنها سائغاً ونصيب غيرها شرهاً فأطال عمرها ولا تدري إنها إطالة تقود إلى ارذلية مبكّرة. ليس صحيحاً بأن التحول الديموقراطي للسلطة يمكن أن ينساب لمجرد مرور قانون الصحافة بأخذ سنده على منضدة مجلس الوزراء والحصول على إجماع سكوتي من قِبل الصامتين حتى وإن كان صمتهم على مبدأ السكوت من ذهب في البرلمان، اللهم إلا إذا كانت الإنقاذ تريد للتحول أن ينسكب، وشتان ما بين الإنسياب والإنسكاب. قانون الصحافة يجب أن يُمثّل المرآة التي تعكس جدية الرغبة في التحول الديموقراطي الحقيقي، لأنه يُمهد الارضية للرقابة أن تبدأ قبل البدء في تعديل القوانين الأخرى التي تأخرت أصلاً بفضل المثاقله والمناكفة المتعمدة من الحكومة رغم أنها عباره عن نصوص وتجارب واضحه لآخرين، التحول الديموقراطي يتم من خلال قانون صحافه حر يتمكن الصحفيون في ظلاله من متابعة مسيرة تعديل القوانين الاخرى وتقييم مصداقية الاداء وبالتالي يمكن أن يأمل الناس في ميلاد قوانين لا أشواك ولا شوائب فيها. القوانين المقيدة للحريات يجب أن تأتي بعد غربلة قانون الصحافة من نُخالته وتمكين الممارسين من تعويض ما حُجب عنهم لسنوات والإنطلاق في رحاب الكلمة المنزّهة والمبرّأة من مشاجب الإسكات، دون هذا الترتيب نكون كمن يضع العربه أمام الحصان، كيف يمكن استصدار قوانين منقاة من قيود الحرية وكيف يمكن الحديث عن انتخابات حرة ونزيهة والمجلس الوطني شغوف بوأد الحرية بإجازة قانون للصحافة هو لحرية الصحافة كالقيد من خلاف لحصان سباق في كابينة الإنطلق؟ من ناحية أخرى لماذا يتساءل الناس عن من صاغ قانون الصحافة، افلا يهتدون بإماراتها البائنة، طالعوا الصحافة الإلكترونية التي لا رقيب عليها وتمعّنوا في عدد المقالات التي تُنشر فيها والتي سبقتها عِبارة ( نزعته الرقابة من النسخة الورقية) باعتبارها مقالات كان من المفترض أن تُشر في الصحف اليومية في السودان لكن مُنع نشرها أو طالتها مقصات الرقابة، وهو امتداد لسياسة ما أسميه مقارعة الحُجّة بالحَجبة. مَن في وسعه أن يقنعنا بعدد الذين تدافعوا لاستقبال الراحل د.جون قرنق قبل أربعه سنوات بأنهم بضعة آلاف وليسوا بملايين؟ ومن في مقدوره أن يقطع لنا الشك في أن بينهم فقط جزء من عدة آلاف هم كل الموجودين من ابناء الجنوب في الخرطوم؟ ومَن يؤكد لنا أن الذين خرجوا في مسيرات لدعم البشير هم بالملايين ويفرض علينا القناعة بأن سكان ولاية الخرطوم هم بالإحصاء فقط خمسة ملايين، والجميع يعلم أن تقليل العدد الحقيقي للسكان له ما له من أضرار في الحسابات الإقتصادية ورسم السياسات الإستثمارية وجذب المستثمرين والتعامل مع المؤسسات المالية العالمية في لغة القروض وغيرها كثير يعلمه الإقتصاديون الذين لا يسمع صوتهم لأن الصوت الطاغي الآن هو صوت دوائر الإنتخابات والذين سيتم تسجيلهم واين كثافتهم ولمن سيصوتون. هل في ظل قانون الصحافة المطروح يمكن أن يكتب الصحفيون الحقيقة كما تشاهدها العيون ناهيك عن ما تسمعها الآذان، ويسأل الناس بعد كل هذا عن مَن صاغ قانون الصحافة، البراءة ايضاً تُحّتم أن يُضاف السؤال، مَن الذي يمارس نزع النُسَخ الورقية للمقالات من الصحف اليومية، ومَن الذي يدافع عن القانون المقدم للإجازة في المجلس الوطني وهو يشهر سيف الأغلبية؟ مَن الذين يقولون بأنهم سيشرفون على إجراء إنتخابات حرة ونزيهة وفوق ذلك بهيه ولكن لن يسلّموا السلطة لأحد؟ ومع ذلك فالنترك التساؤل يتواصل في مَن صاغ قانون الصحافة قائماً حتى يدرك الناس بأن إجابة الحكومة كانت هي كذبة (مايو!!) لا تقولوا لي الكذب معقود في ناصيته إبريل لقد أخطأت، كل شيء زائد في سعره لماذا تبقى الكذبة مرهونة بشهر إبريل فقط.  عبد الجبار محمود دوسه24/5/2009م