عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

قبل عشرين سنة من الآن أطلّت علينا حكومة الإنقاذ من خلال البيان الأول وهو المسمىَ المقرون بالحكومات التي تأتي على ظهر دبابه وكعادة الشعب السوداني الذي يُوصف بأنه شعب طيب فقد انحازت قطاعات كبيره منه باندفاع وبراءة لتأييد الحكومة الجديده، الشعب السوداني مشاعره من ماده ذات حساسيه عاليه للتفاعل الإيجابي مع أي تغيير اياً كان هذا التغيير، تماماً كالزئبق لكنها ماده لا تغير من خصائصها. الشعب السوداني بطيبته ايضاً يختزن الكثير من المثابرة ومع ذلك يؤثر بدلاً عنها بالصبر المفروض. إذ لم تقيّض له الأقدار أن يُفصّل قميصه من الصبر إلا في ثلاثة فترات، سرعان ما أصابه الملل منها باستعجال النتائج تلك هي فترات الديموقراطية التي جانبت إلى حد كبير تجارب الديموقراطيات العريقة التي صقلت رصانتها عبر عقود وقرون من الممارسة والصبر على موجات الفشل، لا نرغب في الخوض كثيراً فيما تسميه الإنقاذ بانجازاتها ونسميه نحن اخفاقاتها، فقد باتت واضحة خلال عشرين سنه لكل معايش ومراقب وقاريء ومحلل، حيث كتب الكثيرون فيها وتناولوها عبر وسائط الإعلام وفي منابر الخطابة ومنتديات التثاقف وغيرها، بل أكده التقرير الإستراتيجي للإنقاذ نفسه حين بيّن ذلك بالإعتراف بأن نسبة الفقر قد بلغت 95%، وهو أصدق معيار لنجاح أو إخفاق دوله، حيث لا يُعقل أن تدّعي النمو بينما الفقر هو الذي ينمو، ولعل ما يدل على ذلك من حال الشعب السوداني هو أنه أضحىَ كالظِبىَ المرعوبة ليس لها من أمل النجاة من الإنقاذ إلا ما تجود به كعوب أظلافها ما لم يلحق بها (إنقاذ).

 

لقد رافق القفزة المعارضة للإنقاذ إستحلاب ذاتي ضاعف الوهن النوعي وراكم سلباً إفعالات التعرية في قدرات المعارضة التنظيمية والسياسية والدبلوماسية، كان للإشباب السياسي بالطغيان العنفواني والحداثة السنية وضعف التجربة المتشبعة بالبراءة، والإشِياب المخضرم المتناهي في متاهات ثقته المفرطة ودون المنهجَة المنظمة، القدح المُعلّىَ، ولم يكن مستغرباً أن تتفكك المعارضة وإن بدت غير ذلك، وكان طبيعياً أن يسري في جسدها عجز الصلابة وخمود طموح الإستنيال والملاحهة لأي محاولات لإنهاء الإعصاء المتمكن والمُقعد لمساعي الترميم، وأن تتضاعف  ظمأة المعارضة من القيمة الوقائية التي سبق أن ألقت بها من وقت مبكّر في أحضان التجارب العلاجية. إلتحقت المعارضة ممثلة في الحركات الموقعة على اتفاقيات السلام من الجنوب والغرب والشرق، وأحزاب التوالي المنشقّة من الأحزاب التقليدية والناشئه بطموح الإلتحاق وأمل المشاركة في التغيير، والتجمع الوطني الديموقراطي الذي ضم مجموعة أخرى من الأحزاب ضمن الملتحقين، في صدر اتفاقيات هذه المجموعات والتي بلغت أكثر من 23 اتفاقية، صِيغت طموحات عادلة بقلم إقليمي وحِبر قومي أملاً في رفع المظالم بتراكماتها المركّبة حيث تتعاظم ربويتها، وقد كانت الإنقاذ أبداً هي القاسم المشترك في كل هذه الإتفاقيات ودائماً بعد جولات من الحروب الطاحنة وكأن بالحِكمة قد اغلظت بقسمها وعافت عقول النُخب السودانية. طموح المواطن كان أن يتمكن كل هؤلاء من تعديل وضعه المعيشي المزري وتحقيق طموحه التنموي، غير أننا نقول ببساطة، إن ما عجزت عن تحقيقه الإنقاذ في عشرين سنة وهي منفردة بالسلطة ليس غريباً أن يعجز هؤلاء وهم يشاركون باتفاقيات لم تهييء لهم من السلطة خلال ثلاثه سنوات إلا ريحها، وبالتالي فلا تثريب في أنهم لم يحققوا شيئاً ولكن التثريب في أنهم يرضون بالبقاء على هذا الحال، ليس هذا مصير من سبقوا فحسب وإنما مصير ينتظر القادمين باتفاقيات جديدة، أو المتعشمين في لعب دور من خلال انتخابات تُجرىَ تحت إشراف النظام، وهذا ليس تشاؤماً ولكنه واقعية تستند إلى تجارب.

 

لقد ظلّت الأصوات ترتفع بضرورة معالجة الأزمات داخلياً وعدم تدويلها، وهذه دعوة طيبة وبريئة رغم أنها تجاوزت الدعوة إلى الوقاية التي هي في الأصل أفضل من المعالجة، بيد أن منحىَ الركون إلى ثقافة المعالجة هو نتاج طبيعي لعجز التشرّب بثقافة الوقاية. لا احد يختار تدويل ازمته بدءً بالقضايا الشخصية للفرد في أي منزل إلى أعقد القضايا بين الدول إلا إذا عجز العقل المحلي من التعاطي المقنع والعادل، ومن ثم فإن أزمات السودان خلال عقدين قد صنعتها يد سودانيه ممسكه بالسلطه وحاولت تصديرها إلى دول الجوار بعنفوان المشروع الحضاري كما هو الحال في تأييد احتلال الكويت ودعم المعارضة الأثيوبية التي أطاحت بنظام الرئيس منقستو، ودعم الثوره الإريتيريه التي أدت إلى استقلال إريتيريا عن إثيوبيا والتي تتباهىَ بهما الإنقاذ، وتهيئة الارضية لكثير من قيادات التطرف التي أصبحت تقود تنظيم القاعده الآن وعلى رأسهم الشيخ أسامه بن لادن وآخرين، فضلاً عن الإرهابي المعروف كارلوس، أضف إلى ذلك أحداث محاولة اغتيال الرئيس المصري في أديس أبابا، بجانب ما تفعله الآن مع المعارضة التشادية، الشيء الذي أدىَ إلى أن تسوء علاقات السودان ولفترة طويلة مع جميع الدول المحيطة به، بل ما زالت العلاقات متوترة مع بعض دول الجوار. إذاً فالإنقاذ هي التي دعمت معارضه لزعزعة استقرار دول، وهي التي بادرت بعداء المجتمع الدولي، وحيث أن الحال كذلك، كان بديهياً ان تقلّبها الأنواء بين أصابع النُزُع الداخلية وأكف الأجندة الدولية، فقد طافت النزاعات السودانية على طاولات تفاوضيه في المحطات المحلية في كل من شوقدام والناصر وفشوده والخرطوم وعين سيرو وجبل مره والفاشر، كما كانت على الطاولات التفاوضية الإقليمية في نيجيريا وكينيا وانجمينا واثيوبيا ويوغندا واريتريا وتنزانيا وليبيا وقطر، ووجدت طريقها إلى طاولات تفاوضيه دوليه في المانيا وإيطاليا، بيد أننا نُمسِك عن سرد اللقاءآت التمهيدية وورش العمل المحلية والإقليمية والدولية لكثرتها. ضمن كل هذه المحاولات لمعالجة الأزمات السودانية، كانت اقلها فاعلية هي الإتفاقيات التي تمت داخل السودان أو تلك التي تمت يثنائيه لم يشترك فيها وسيط أو مشارك أو مراقب أجنبي، ولا يمكن لاي اتفاقية أن تسجل نجاحاً إذا لم تَبذل الحكومة جهداً مضاعفاً في أداء دورها بحسبانها الطرف الذي يملك كل شيء، بعدم ذلك يعكس الأمر حقيقة النوايا المتأصلة في دواخل الإنقاذ على التنصل من الإلتزامات، وهي قطعاً من أجل تسجيل نجاحاً في هذا الجانب تَبقىَ أكثر حرصاً على الدعوة بما يُسمّىَ بالمعالجة الداخلية للأزمات، وهي دعوة حق أُريد بها باطل.

 

نحن ندرك على سبيل المثال أن دولاً كثيره تحكمها أنظمة ملكيه وأخرى إميريه وسلطانيه بعضها تمارس ما يمكن أن نسمّيه ديموقراطية المستوى الثاني، وهي تعني أن السلطة العليا الحاكمة ( سلطة حكريه للملك أو الأمير أو السلطان) هي سلطه لا تخضع لمعايير التبادل الديموقراطي وهو رضىَ تراكم عند شعوب تلك الدول عبر القناعة والقبول، وهو انعكاس اوسع لطبيعة النظام الأهلي الذي يرعى الكيان الإجتماعي الذي تمثله القبيلة في تراضيها على تسلسل زعامتها عطفاً على نضالها التاريخي، بيد أن انتقاله لمستوى الدولة والقبول والتراضي عليه يستند إلى أن السلطة العليا لم يشهد لها أن مارست قمعاً وقتلاً للشعب بشكل متعمد، بل لم تدّخر جهداً في العمل على تحسين حالته المعيشية والتنموية وبالتالي فإن الأحزاب وهي مُمثِلة الشعب، قانعة بممارسة دورها الديموقراطي عبر تَبادُلها للسلطة التنفيذية الموجودة في المستوى الثاني. هناك أيضاً مجموعه من الحكومات الدكتاتوريه الشمولية التي قفز إلى السلطة فيها عسكريون طامحون أو ايدلوجيون طامعون على ظهور العسكر، أذاقوا فيها شعوبهم كل صنوف الإذلال، ونظراً إلى ضرورات العصر وضغوطات التوجه العولمي نحو الديموقراطية، وجدت نفسها عاجزة عن المقاومة والإبقاء على الاحادية الدكتاتورية فبدأت في التفكير إلى شرعنة نفسها كسلطة عليا من خلال اعتماد نظام ديموقراطية ما اسميناه بالمستوى الثاني، حيث تحتفظ فيها بالسلطة العليا نفس الحكومات التي استولت على السلطة وعبر ما يمكن أن نطلق عليه فرض التذكية السلطويه وإتاحة الفرصة للأحزاب أن تتنافس على المستوى التنفيذي الثاني واسمت ذلك ديموقراطيه.

 

الإنقاذ الآن قد تجاوزت محطة الإنشغال بمهددات المعارضة سواء مسلّحه أو مدنيه بعد أن بلغت من القناعة بأن نهجها مع الإتفاقيات قد أتىَ أُكله إلى حد كبير، ساعدها في ذلك جملة السلبيات التي نشأت في أوساط المعارضة، حركات كانوا أو احزاب. كما أنها تمكنت من امتصاص الإنتقاد الدائم بعجزها من مواجهة المهددات الخارجية وحماية الوطن بتتخين جِلدها، لا سيما وذاكرة المواطن مليئه بالأمثله بدون ترتيب ومنها الصمت على مثلث اليمي الذي طوته كينيا، وحلايب التي امتصّتها مصر، واثيوبيا التي تجثم على رقعه مقدّره، والناقلات التي تُقصف في ضواحي بورتسودان، ويوغندا التي دخلت حتى الميل اربعين وكانت قاب قوسين من جوبا، ومصنع الشفاء الذي تم قصفه، وتشاد التي سرحت ومرحت براً وجواً، ندرك تماماً أن الجيش السوداني قد تم إعادة تفصيله وتوجّيهه معنوياً بحيث أصبحت عقيدته القتالية هي تسجيل البطولات على المواطن، ليس هذا دعوة منا للحرب على الدول ولا تشخيصاً للحالات المشار إليها ولكن للإشارة على سوء الحال وبئس المآل. كل هذا كوم وما تنوي الإقدام عليه الإنقاذ الآن هو الكوم الأخطر مآلاً والأكثر صفعاً والأعنف نسفاً لكل ما يجول بخاطر آمال التبادل السلمي للسلطة والتحول الديموقراطي. الإنقاذ الآن وتحت رغبة المجتمع الدولي في ضرورة التبادل السلمي للسلطة والحفاظ على الاستقرار الحكومي حتى موعد إستفتاء الجنوب، وضغوط المشاعر الهياجة في نفوس الشعب رغم قدرتها على ترويضها أو إخماد شعلتها، وقراءتها لتواثب الاحزاب التقليدية نحو السلطة ولو عبر المساومات بعد يأسها من اسقاط النظام وطول الإنتظار، وضمن إصرارها على الحفاظ على أحادية السلطة، وجدت أن استيعاب كل ذلك يمكن أن يتم في تنفيذ مشروع الديموقراطية بمستويين والتحول إلى سلطه عليا ذات قدسية بفرض التذكية السلطوية وذلك بطرح وتسويق رمزية قياده تصبغ عليها مضمون وتقفز بها فوق المعايير التنافسية عبر استغلال الفترة الإنتقالية الحالية من خلال سيطرتها الكاملة على تعديل القوانين المقيدة للحريات وضبط إيقاع سرعة ذلك، والتحكم في الإحصاء السكاني وفق مرجعية انفرادها بالإشراف على تنفيذه وإعلان نتائجه، وتفصيل الدوائر الإنتخابية وعمليات التصويت وحفظ صناديق الإقتراع لأكثر من اسبوعين هي فترة إقتراع كما هو وارد في مقترح مفوضية الإنتخابات في عصر تُجرىَ فيه العملية الإنتخابية وتُحصىَ الاصوات وتُعلن النتائج في يوم واحد، وبشكل أشمل نستطيع أن نقول بإدارة العملية الإنتخابية كيفما تشاء، بينما تترك للاحزاب التنافس في المستوى الثاني بشكل فعلي وإن توهمت بأنها إنما تتنافس معها في مستوى واحد، ولا ننسىَ أن يد الإنقاذ قد طالت المؤسسات الامنية المناط بها حراسة ورعاية العملية الإنتخابية ونحن نعلم كم نادت الإتفاقيات بضرورة إصلاح هذه المؤسسات بما يتفق واستعادة حياديتها وقوميتها، الشيء الذي لم يتم حتى حينه. يمكننا أن نُعطي عشرات الأمثلة للتأكيد على ما يدعم ما أشرنا إليه ولكن دعونا نتناول مثالاً واحداُ وهو أن مفوضية الإنتخابات التي عيّنها رئيس الجمهورية وبعد أن تفرغ من تقسيم الدوائر، تبعث بها إلى حكومات الولايات لإبداء الرأي فيها وتبعث بملاحظاتها مرة أخرى للمفوضية، وتقوم الاخيرة بتعديل تقسيم الدوائر وفقاً لتلك الملاحظات، تعلمون لمن هو ولاء حكومات الولايات، لا سيما الولايات الخمسة عشره في الشمال بمسمى اتفاقية نيفاشا، يمكن لكم بسهوله أن تتصوروا إلى أي نهايه ستقود العملية الإنتخابية بهذا التصميم، علماً بأننا لا ننادي بمعالجات جزئية لترقيع شكل الحكومة الحالية للإشراف على الإنتخابات، لأن الترقيع يتم للقشرة ولا يطال الجوهر، لذلك ندعو إلى ضرورة الحكومة القومية الإنتقالية المحايدة وهي التي يجب أن تشرف على تنفيذ أي انتخابات يمكن أن تحمل إسم النزاهة والحرية. ومع تبيان هذه الحقائق، إذاً ما هو دور الأحزاب والحركات التي تحولت إلى أحزاب والتي تُريد المشاركة في انتخابات بهذا الشكل أو في المستوى الثاني للعملية الديموقراطية وهي مدركة لهذه الحقيقه، هل هو القناعة بالتنافس على المقعد الثاني أم هو المساومة للمشاركة بدفن الرؤس في الرمال خروجاً من طول الإنتظار، أو هو الإستسلام بعجز القدرة على الإستمرار في معارضة فاعلة من أجل التحول الديموقراطي الحقيقي؟ هي مجموعة أسئله تتطلب الإيعاء المثابر من التشويش، وقدراً أعظم بحجم التهويش وبما يعقد القدرة على استرواض جموح الحُجة المجّة التي تُنفَث الآن تحت مُسمىَ الإنتخابات وإفجّاجها وشجّها وذرّها، وذلك لا يتأتىَ إلا بالتمسك بالحكومة القومية الإنتقالية الحيادية للإشراف على الإنتخابات والذي يعتبر المخرج الواضح والناجع والتغيير الحقيقي نحو تحقيق هدف التبادل السلمي للسلطة من خلال تعدديه في مناخ ديموقراطي شفاف ونزيه، وبغير ذلك فلا تلوم الاحزاب والحركات نفسها إن هي ساهمت في تحويل الإنقاذ إلى سلطة عليا مقدّسة مُشرعنة عبر انتخابات ديموقراطية من المستوى الثاني، ونسفت نضال ما يقارب من ربع قرن ووضعت نفسها في المستوى الأدنىَ.

  

عبد الجبار محمود دوسه

 19/5/2009 م