عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

في منبر سياسات جامعة الخرطوم والذي انهى فعالياته قبل ايام قال د. نافع علي نافع مساعد رئيس الجمهوريه ضمن ما قال "ان مقترح الحكومة القومية غير مقبول، واشار الى انه يعني فك قبضة المؤتمر الوطني للسلطة، واضاف لن نقبل بتسليم السلطة للآخرين" من جانبه دعا د. مندور المهدي امين العلاقات السياسية بالمؤتمر الوطنى الى تشكيل جبهة وطنية عريضة تقود البلاد للتنمية، وان يتنازل فيها البعض من اجل المصلحة العامة. وقال القيادي بالمؤتمر الوطني ابراهيم غندور ان معظم الاحزاب السياسية لا ترغب في الانتخابات، ووصف الحكومة القومية بأنها بدعة، ودعا الاحزاب الى التوجه للإنتخابات ليختار الشعب من يمثله. لا يحتاج القاريء إلى جهد كبير ليقرأ مضامين أحاديث القياديين الثلاثة للمؤتمر الوطني، ولسنا بصدد الحديث عن الالفاظ المفرّغة المضمون مثل تشكيل جبهه عريضه من أجل المصلحة العامه، الحكومه القوميه بدعه، التوجه إلى الشعب ليختار من يمثله، أن يتنازل البعض من أجل المصلحه العامه، تخرج هذه الكلمات من ألسن قيادات الإنقاذ وتتطاير تماماً كما تخرج فقاعة الصابون وتتلاشىَ دون أن يُسمع لها صدىَ، هكذا عودتنا هذه القيادات، وإلا إذا كان هنالك من يجب أن يقدم تنازلات من أجل المصلحة العامه فهو المؤتمر الوطني.

 

المصداقيه الوحيده التي تحسب في أقوال تلك القيادات هي ما قاله الدكتور نافع بصريح العباره وبدون مواربه، وهو أنهم لا يقبلون حكومه قوميه لأنها تعني عندهم فك قبضة المؤتمر الوطني للسلطة، وانهم لن يسلموا السلطة للآخرين. مثل هذا الحديث لا يأخذ طريقه إلى السطح وبهذه الصراحة والوضوح إلا إذا استشعر المؤتمر الوطني أن المصيدة التي ينصبها للشعب وللقوىَ السياسية باسم الإنتخابات التي ستُجرىَ تحت إشراف الحكومة التي يهيمنون عليها باتت مصيده مكشوفة على العراء، وأن الجميع قد عبر حولها وتجاوزها إلى فضاء البحث في وسائل تحقيق الحكومة القومية الإنتقالية المحايده، الشيء الذي القىَ بظلال شِباك الحرية والنزاهة التي أرعبت الحزب الحاكم، فما بال الحال إذا أصبحت الحرية والنزاهة واقعاً من خلال حكومه قوميه انتقاليه محايده، إنها تعني الموت للحزب الحاكم بلا شك.

 

 لقد ظلّ قادة الحزب الحاكم يخططون بصمت أملاً في تمرير خُدعتهم، لم تسعفهم السيماءات والملامح والتعابير الناطقة في أول اختبار لأكذوبة الإنتخابات الحره النزيهة، لم يتمكنوا من الصمود بعدما تبين لهم أن ظِلال الخدعة كانت تحدث خشخشة عند مرورها خلال الاعشاب، لذلك سارع د. نافع بالقول الفصل، لا يسلمون السلطة إلى غيرهم، وليته أكمل وقال إلا إذا نُزعت بأمر المُعطي، أو لعل نشوة الزهو قد نقلته في لحظتها إلى سمو معنوي فوق قامة البشر. هذا الحديث ليس بجديد على المسامع، فقد أعلنه المشير/ عمر حسن احمد البشير يومذاك حين كان عميداً يتدثر بلباسه العسكري ليرهب الشعب بجيش الشعب المسلّح بسلاح الشعب من مال الشعب،  واستنسخه لفيف من قياداته عبر عشرين سنه. لم يكد النظام يُحس بأنه وُضع أمام أول اختبار حينما طالبه المنطق بأنه لطالما يثق في حجم جماهيريته ويثق في قدرته التنظيمية التي نمّاها عبر عشرين سنه، فالينزل عند رغبة ذلك المنطق ويقبل حكومة قومية انتقالية عمرها ليس عشرين عاماً ولا حتى عشرين شهراً وإنما عام واحد، تُشرِف على إدارة انتخابات حره نزيهه. اليوم وقبل ما يقارب العام من الموعد الذي ضربوه لانتخابات المصيده بات وكأن النظام قد استشعر خطورة ذلك المنطق واستوكد عجزه عن مواجهته، لذا استعمرته سكرات الموت فبدأ يهذأ، ولا يخرج حديث التغليظ في التشبث بالسلطه كالذي صدق فيه د. نافع من براثن هذا الهذيان.

 

عندما نقرأ معاً تقاطعات القضايا على الساحة السياسية السودانية حيث نجد أن هناك حكومه تُسمىَ حكومة وحده وطنيه تتشكل من أحزاب متواليه على مكاسب مناصب دستوريه وتصطف مع المؤتمر الوطني وفق مساومة دفع استحقاق المكاسب وهي معادله استجابت لرغبة الطرفين، حيث استسلمت تلك الاحزاب لقناعتها بانها غير قادره على تلبية استحقاقات المواصلة في معارضة النظام ويمكن لكل مراقب أن يقرأ تفاصيل ذلك وفق مرئياته لبؤر العجز سواء في الرؤىَ السياسية والبرامج أو القدرة التنظيمية أو الإمكانات المادية، او ربما تصوّر بعضها بأنها يمكن أن تعمل على تفكيك النظام من داخله. من ناحية أخرىَ فالمؤتمر الوطني يرغب في وضع هذه الإحزاب تحت إبطها ورصّها في مظاهراتها الإنتخابية والإستفتائية والدائية، وبالتالي ترجّح الوقائع أن المؤتمر الوطني هو الرابح حتى الآن. في الجانب الآخر حيث تصطف حركات الإتفاقيات وفي مقدمتها الحركة الشعبية فحركة تحرير السودان مناوي والتجمع الوطني الديموقراطي وجبهة الشرق، والتي كان من المأمول أن يكون لتواجدها تاثيراً إيجابياً نحو التحول الترويضي للسلطة بحيث تصبح أكثر قبولاً للتعايش مع مفهوم أوسع لتقاسم السلطة تدرجاً نحو التبادل السلمي للسلطة ثم الديموقراطية، بيد أن المؤتمر الوطني أدار موجات التطبيق لتلك الإتفاقيات بما يبث من النغمات ما كان له فعل التنويم المغنطيسي للكثيرين فدانت له الساحة وأحال إلى حد كبير تلك الحركات إلى حركات توالي ليصطفوا إلى جانب أحزاب التوالي، ولعل الملاحظ لخطاب تلك الحركات يشهد حجم التغيير، قد يعود سبب توالي الحركات إلى افتقادها لقوتها العسكرية التي كانت تميزها عن أحزاب التوالي وبالتالي أُجبِرتْ على الإصطفاف إلى نفس الطابور، لكن لا نجد تفسيراً لتمسكها باتفاقيات ما بقي منها سوى اسمها يستخدمها النظام للتباهي في المنابر والمنتديات والإعلام بأنه نظام مفتون هواه مع السلام، قائلاً هاكم احصوا عدد الإتفاقيات التي انجزتها، حيث يمكن لتلك الحركات أن تُلغي اتفاقياتها وتعلن عن نفسها قوىَ معارضه مدنيه تماما كما هو حال بعض الاحزاب المعارضة في الداخل حتى ترفع الحرج عن نفسها مع جماهيرها، حيث في كل الاحوال جملة المناصب التي يتولاها بعض قادتها مرهونة بقيام الإنتخابات، ولو لا تأجيل الإنتخابات لكان مولدها سينفض خلال شهر أغسطس القادم كحد اقصىَ، لذلك التذكير بأن التأريخ لن يرحمها هو تذكير في مصلحتها.

 

الحركة الشعبية وهي الحركة الأفضل بين حركات الإتفاقيات، فقد استطاعت أن تؤمّن وتحقق الكثير من أهدافها في الجنوب، ولكن بالمقابل حققت القليل في باقي السودان نظراً لمماحكات الشريك القابض على السلطه، فنجد أن القوانين المتعلقة بالحريات ووسائل وآليات التبادل السلمي للسلطة والتحول الديموقراطي تمضي بخطىَ فصّلها المؤتمر الوطني وضبط سرعتها، والغاية فيها هي أن تبلغ الحركة الشعبية قناعة تامة بالإنفصال ومن ثم تقعد عن دورها القومي، وإلا لكانت المعطيات التي أتاحتها اتفاقية السلام الشامل للحركة الشعبية كبطاقات ضغط مسنوده بالمجتمع الإقليمي والدولي كفيلة إذا تم استغلالها وإدارتها بشكل إيجابي أن تُحيل المؤتمر الوطني إلى كائن كامل الترويض وقابل لممارسة التداول السلمي للسلطة. بيد أن الواقع يشير إلى أن الحركة الشعبية ربما استحسنت العمل لخيار الإنفصال تحت مقولة الباب البجيب الريح سده واستريح.

 

نحن نعتقد بأنه يمكن للحكومة القومية الإنتقالية المحايده أن تُمثّل دور الأعصار الذي يعصف بجملة اشكاليات دفعة واحدة في معالجة الازمة السودانية في دارفور، حيث يمكنها أن تُعجّل لتفاوض أسهل وأكثر قبولاً بينها وبين حركات دارفور لمعالجة الازمة من منظور ومدخل مغاير للفهم السائد الآن لدى جميع الاطراف، مفهوم يضع اعتبارات أعمق بعداً في تناول تقاسم السلطة والثروة ضمن حزمة مباديء يتم البدء في وضعها في اتفاق إطاري يستوعب مضمون كل الإتفاقيات السابقة وتُلحَق بمسودة الدستور الدائم الذي تضعه الحكومة القومية الإنتقالية والمأمول إجازته بواسطة البرلمان الناتج عن الإنتخابات الحرة النزيهة. لا احسب بأن الحكومة القومية الإنتقالية المحايدة التي ستشارك الحركة الشعبية في اختيارها ستكون اسوأ التزاماً في تطبيق اتفاقية السلام الشامل عما هي عليه الحكومة الحالية وبالتالي دعونا نسمع راي الحركة الشعبية في الحكومة القومية الإنتقالية المحايده.

 

السناريو المعبّر عن استمرار الوضع الراهن يشير إلى أن المجتمع الدولي الذي تشغله الآن الأزمة المالية ووباء العام 2009 المُسمّىَ بانفلونزا الخنازير أو H1N1 ليس مستعداً للإنشغال كثيراً بقضية دارفور كما مضىَ، وقد ظللنا دائماً نشير إلى أن الحل بيد أبناء دارفور، فهو يستحسن ويبارك ضمنياً أن يتمكن حركات دارفور من تصفية تعددهم سواء بالتوافق أو بالتحارب، وهو استحسان يعكسه الفتور البائن في الصمت عن الاخبار المتواردة عن القتال الدائر بين بعض الحركات الآن، وقد يكون هذا المنحىَ هو نفسه ما يعتمر قلوب الوساطة المشتركة والوساطات القُطرِية وإن لم يفصحوا، الفتور نفسه غشيَ مواطني دارفور في الداخل والخارج، ولعل النظام الحاكم في السودان هو الأكثر ابتهاجاً بذلك، من هنا نستطيع أن نقرأ بأن السجال التسويفي للحل الناجع للقضية سيتمدد في بُعده الزمني حتى موعد الإنتخابات المزمعة التي إن لم يعلو صوت الرشد ويهيمن، ستأخذ طريقها للتنفيذ ويبقىَ المؤتمر الوطني حاكماً بظلال الديموقراطية وشبح التفويض الشعبي المُنتَزع، وستتدافع القوىَ السياسية الأخرى المشاركة والتي وجدت طريقها إلى المصيدة بوهم القدره على انتزاع السلطة من المؤتمر الوطني رغم علمها بما قاله المشير الرئيس وكرره د. نافع واستنسخته قيادات الإنقاذ مراراً صوتاً وصورة، ستجد بأنها تتنازع على مقاعد موالاه أشد حرارة وأحد شوكاً وأغلى مساومة، بينما تذوب مناصب الإتفاقيات كما يذوب الملح في المياه المستغلية. أما الحركة الشعبية فلا تجد سوىَ إثارة ذوبعة عارمه باسم الإنتخابات المزورة سرعان ما تجد طريقها إلى الخمود كما تخمد كتّاحة الخرطوم، حيث يكون المجتمع الدولي حينئذ أكثر انشغالاً بالأزمة الإقتصادية والمالية وربما خارجاً لتوه من رُعب انفلونزا الخنازير. وإزاء ذلك لا تجد الحركة الشعبية فتيلا غير التبكير بإعلان الإنفصال من طرف واحد، وفي احسن الاحوال التفرغ التام للتعبئة للإستفتاء ، ولا اخالني أقرأ اعتراضاً للمؤتمر الوطني وإنما مباركه، حيث أن مساعي الوساطة التي تتبناها قوىَ خارجيه لها علاقاتها المؤثّرة مع الاطراف من أجل وئام المؤتَمَرين (الوطني والشعبي) حينئذ تكون قد أتت أُكلها، وربما استحسنت بعض حركات دارفور دفيء الوئام فاستراحت في حضنه، وابتلع النسيان أخريات بعد أن تكون قد ذهبت مع الريح. أين دارفور يومئذٍ، سؤال يظل مطروحا في شفاه من يسمونهم بالأغلبية الصامتة، وينعكس حسرة في نظرات الثكالى والمشردين واللاجئين والنازحين الذين سيتم إعدادهم لجولة اضل وأنكىَ من المعاناة والله أعلم.        

               

لقد كانت جامعة الخرطوم دائماً منطلق شرارة التغيير، وإذ نعود بالذاكرة إلى اكتوبر 1964 وشعبان 1973 وابريل 1986 وغيرها من غضبات الشعب وتعبيره، نُذكّر بعضاً من قيادات الإنقاذ ممن شاركوا آنذاك كيف أنهم قد تملّصوا الآن من تلك الشعارات كما تتملص الحية من جلدها. التاريخ يكتب فصوله بتجدد، فالجيل الذي وُلد في 1898 هو الجيل الذي حمل وأعلن ثورة اللواء الابيض في 1924 وهو في عنفوان شبابه، والجيل الذي وُلد مع حركة اللواء الأبيض هو الجيل الذي دعم الإستقلال وصانه في العام 1953 بشبابه، والجيل الذي وُلد مع تباشير قيام مؤتمر الخريجين في العام 1938 هو الجيل الذي الهب ثورة اكتوبر 1964 وهو في عنفوان شبابه، والجيل الذي وُلد مع إعلان الإستقلال هو الجيل الذي قاد ثورة شعبان 1973 ، والجيل الذي وُلد في عنفوان ثورة اكتوبر هو الجيل الذي فجّر انتفاضة أبريل 1986، والجيل الذي وُلد في انتفاضة الفاشر 1981 هو الجيل الذي أشعل ثورة دارفور الحالية في العام 2002، والجيل الذي وُلد في انتفاضة أبريل 1986 هو الجيل الذي يتمتع الآن بعنفوانه الشبابي في الجامعات والمعاهد العليا وفي الشارع وهو ليس استثناءاً، كما أن تسجيل النجاحات ليس قصراً على جيل، ورفض الذل والإستحقار فِطرة خلقيه وليس طبع مكتسب يمكن أن يُدجّن أو يتفتت. علماً بأن الجيل الذي وُلد في معسكرات اللجوء والنزوح في العام 2002 هو الجيل الذي ستتشكل على يديه وحدة السودان في العام 2020 لانه حينها يكون في عنفوان شبابه وأيضاً في عنفوان جهله. من هنا تتصاعد النداءات الراشده رغبة في انتشال البلاد من هيجان الإستعماء الذي يمارسه النظام، وهي إمارات لحدث ينسج القدر خيوطه ويهييء ظروفه.

 

لقد ظل قادة الإنقاذ يرددون الرفض تجاه كل دعوات التعقل المنادية بضرورة التبادل السلمي للسلطة عبر حكومه قوميه انتقاليه تدير انتخابات حره ونزيهه من خلال تعدديه وعبر حرية راي في مناخ ديموقراطي، يعتقدون جازمين بأن السلطة قد دانت طائعة لهم وبشكل أبدي، ليس للقول السائد بأن كل دور إذا ما تم ينقلب في مخيلتهم من مساحة، وهو طور لا يمكن تشبيهه إلا بالبطر، إنهم يصفون كل من ينادون بالتبادل السلمي للسلطة بالحالمين ونحن نقول لهم أيضاً فاليظلّوا على ما هم عليه من الحلم ولا يدركون أن لكل حلم نهاية مع بزوغ الفجر، وفجر الحالم هو الإستيقاظ أو الإيقاظ.

 

عبد الجبار محمود دوسه

 2/5/2009 م