يمكننا أن نبدأ هذا المقال بإعطاء هذا التفسير المختصر لمفهوم "الثورة" مِن منظور سياسي فنقول أنها "انتفاضة سلمية أو مسلّحة لمجموعة من البشر إحساساً بالظلم من فرد أو نظام أساء استخدام سلطة مفوّضة أو مستولاة منهم". بالطبع عندما يرغب أي باحث أكاديمي في التعمّق في هذا التفسير، لا شك أنه سيتشعّب في البحث، وهذه ليست محل هذا المقال ولا هدفه، وإنما فضّلنا التأكيد على أننا لسنا بصدد المضي في المعنىَ بشكل أعمق مع إدراكنا لما في ثناياه، لكننا فقط أوردنا مختصر التفسير كدلالة تُمكّن القاريء من التفاعل مع المضمون الذي نرمي إليه من المقال.
لقد عايشنا جميعاً كيف تعاملت قناة "الجزيرة" التلفزيونية مع الأحداث التي أدّت إلى تغيير الأنظمة الحاكمة في كل من تونس ومصر، ونعايش أيضاً تعاملها مع الأحداث في ليبيا واليمن والبحرين وسوريا وغيرها من الدول العربية وغير العربية، ولست هنا ضد ما يحدث في أيٍ من هذه الدول، فكل ذلك شأن تلك الشعوب وهي قادرة على معالجة قضاياها وتحديد مصيرها، ونحن من مبدأنا أن نقف دائماً مع الحقوق وضرورة أن ينل كل مظلوم حقّه دون أي قهر. كما أنني لست ضد التغطية الإعلامية لتلك الأحداث ولا بصدد فرض وصاية على قناة الجزيرة أو أي وسيلة من وسائل الإعلام في كيفية تناولها للأحداث في أي بقعة من العالم، ذلك حقّ الجزيرة وإدارتها ومموليها، وهم الذين يختارون تحديد سياستها وتوجّهاتها، فأنا ومثلي بقية المشاهدين لا نملك ذلك وهذا أمر بديهي، وإشارتي إنما من باب التذكير. غير أن قناة الجزيرة وبحكم كونها إحدى وسائل الإعلام المتعاملة مع عامة المشاهدين، يكون من حق هؤلاء المشاهدين التعليق على ما تعرض وما تقول، لا سيما إذا كان لذلك تأثيره السلبي عليهم كأفراد أو جماعات مع احتفاظ الحقوق الأخرى لكل طرف وفق رؤيته واستخدامها أنّىَ شاء.
اندلعت الثورة في دارفور وكشفت بشاعة الحكومة في التنكيل بالمواطنين العزّل، حتى أحصىَ العالم الضحايا بمئات الآلاف والمشردين والنازحين واللاجئين بأكثر من ثلاثة ملايين. حرّكت الماساة كل ضمير حي في العالم، فسارعت المنظمات الإنسانية إلى التوافد لتقديم يد العون، وأصدر مجلس الأمن حزمة من القرارات رغم أنه لم يفعّلها بشكل عملي لإيقاف النظام الجائر عند حدّه وأن يكفّ عن قتل شعبه، واكتفى العالم بإحالة الملف إلى المحكمة الجنائية الدولية وأصدرت المحكمة اتهاماتها المبدئية لرأس النظام "عمر حسن أحمد البشير" بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة في دارفور، والأخيرة تُخوّل الحق بإطلاق لأي دولة عضو في الأمم المتحدة حق التدخل لحماية المدنيين دون استئذان وفق ميثاق الأمم المتحدة، ومع فظاعة كل هذه الجرائم، كافأ المجتمع الدولي رأس النظام بأن اعترف له بنتائج الإنتخابات المزوّرة وتركة على سّدة الحكم ليواصل إبادته لشعبه. أخذوا بمنطق الأولوية للمصالح لا للمباديء، وبالتالي نحن عندما نتحدث عن كل ذلك لا نريد التباكى على قصور المجتمع الدولي لكننا نعرّي الحقيقة ما أمكن لنمهّد الطريق أن نتباكى بحرقة على قصورنا، وأن نستلهم ونتزود من هذه الحرقة بما ينبغي أن نتسلّح به من عِبر، خاصة وأن مهمة كنس النظام الجائر والجاثم على صدورنا هي مهمتنا بالأساس وليس مهمة المجتمع الدولي، وإن دور المجتمع الدولي دور مساعد في أي حال رغم تحفّظنا على حجم وغياب تلك المساعدة في ظروف ووقت الحاجة إليها.
لقد تناولت قناة الجزيرة أحداث دارفور ولكن وفق رؤيتها وبالقدر الذي يخدم تلك الرؤية، ولكن بقدرما نجدها هذه الأيام تُطلق كلمة (ثورة) على ما جرى في تونس ومصر وليبيا، لكن المتابع لكل ذلك يدرك إلى أي مدى تفادت القناة وصف ما كان وما ظلّ يحدث في دارفور بأنها ثورة، بل وكثيراً ما كانت تُطلق على الثوار هناك اسم (المتمردين) وفي فترات خجولة تنادي الحركات بمسمياتها أو تجملهم تحت اسم (حركات مسلّحة). ليس هذا فحسب بل كانت داعمة للتوجه الذي يسعى إلى التصدّي لكل الأصوات المنادية بضرورة محاكمة رئيس النظام "عمر حسن أحمد البشير" على جرائمه، بل وسخّرت برامج عديدة لذلك وحاول بعض مقدّمي برامجها أن يقودوا ضيوفهم من خلال الحديث إلى نهايات تؤدّي إلى تأكيد أنه لم تحدث جرائم ولا إبادة في دارفور وأن النظام الحاكم بريء وإنما كل ذلك ترهات مِن صنيعة "المجتمع الدولي الغربي" الذي يستهدف الدول العربية والإسلامية ورؤسائها، والمفارقة تأتي اليوم في أن تُهلل وتفسح قناة الجزيرة لذات المجتمع الدولي الذي عابته سابقاً غالب وقتها وبرامجها لأخبار حملة هجومه العسكري على ليبيا.
تناقض الجزيرة في تسمية ما يحدث في دارفور (تمرّد) وما يحدث في ليبيا بأنها (ثورة) يذكّرني بما جاء في كتاب الصحفي السوداني الراحل عبد الرحمن مختار (خريف الفرح) والذي كان يرد في بعض فصوله على ما جاء في كتاب الصحفي محمد حسنين هيكل (خريف الغضب) مِن إساءآت طالت الأصالة السودانية، ذكر أنهم بينما كانوا في طائرة متوجهة إلى ليبيا لحضور الإحتفال الأول بعد إستيلاء القذافي على السلطة في ليبيا، وكان النميري قد استولى قبله بأشهر قليلة أيضاً على السلطة في السودان. كانت الطائرة تقل الرئيسان الراحلان جمال عبد الناصر وجعفر النميري وكانا يجلسان إلى جوار بعضهما البعض والصحفيان عبد الرحمن مختار ومحمد حسنين هيكل، وأيضاً كانا يجلسان إلى جوار بعضهما البعض، دار نقاش حول النظام الجديد في ليبيا فقال هيكل أن ما جرى في ليبيا "ثورة" ولكن ما جرى في السودان "إنقلاب" فما كان من النميري إلا ولطم هيكل بضربة قوية في وجهه، ولا أدري ما إذا تطرّق هيكل في شهادته على العصر التي تنقلها الجزيرة إلى هذه الحادثة أم لا، ولكن بغض النظر عن تصرّف الرئيس النميري، وبغض النظر عن المعنى الذي يمكن أن يستشفّه بعض القراء مِن أنه ربما كا قَصَد هيكل بأن ما جرى في ليبيا حَدَثَ ضد نظام ملكي وهو يراه في منظوره ثورة، على غرار ما جرى في مصر عندما استولى الضباط الأحرار بقيادة اللواء محمد نجيب على السلطة من الملك فاروق، بينما ما جرى في السودان إنقلاب على حكومة ديموقراطية منتخبة، إلا أن ما يعنينا هو أن التاريخ يعيد نفسه فتقول "الجزيرة" على ما يحدث في دارفور "تمرد" وما يحدث في ليبيا "ثورة" وبالتالي هذا يدحض جمائل النوايا التي يمكن أن يطلقها البعض بالإنحياز إلى المعنى الذي ربما يُفسّر قصد "هيكل" هناك. إستنكرت قناة الجزيرة بشدة إحالة ملف "البشير" إلى المحكمة الجنائية الدولية واسترخصت بذلك دماء شعب دارفور، بينما نجدها اليوم في طليعة المرحبين بإحالة ملف القذافي إلى نفس المحكمة ويظهر ذلك في تقاريرها وانتقائها للمحللين الذين يذهبون نفس المذهب ويعطون الأمر البعد الذي ترغب.
أما الشيخ يوسف القرضاوي وشأنه كبشر ليس معصوماً من الخطأ لكن من المفترض أن تمنحه حصيلته من علوم القرآن والفقه بعض الحصانة الزائدة عن العامة مِن أن يكون عُرضة للإنزلاقات الإفتائية والكبوات الأخلاقية لا سيما في الشئون السياسية، وبالتالي يجنح إلى وزن الأمور بمكيال العدالة والحق ولا يخشى في ذلك لومة لائم، إلا أننا فيما يتعلق بتعامله مع الأحداث ومقارناتها ودون أن يأخذ القاريء ما نورده هنا من أمثلة على أنه تعبير عن مواقفنا من تلك الأحداث، حيث أن مواقفنا واضحة في حق الشعوب في تقرير مصيرها، ينبغي أن تؤخذ هذه الأمثلة في سياق الإستدلال بالتناقضات المتعلقة بمواقف الشيخ فقط، حيث نجد أن مواقفه تجاه قضية دارفور غالباً ما تنمّ عن دعم للباطل المتمثل في النظام الحاكم ورئيسه "عمر البشير" بعد كل الجرائم المشهودة التي ارتكبها بحق العزّل هناك. أحداث ليبيا راح ضحيتها حتى الآن ووفق ما تتناقله وسائل الإعلام بين عدة مئات وستة آلاف شهيد، نحن نؤكّد أن فقد روح واحدة بلا وجه حق أمر غير مبرر بل وجريمة، لكن في دارفور قُتل أكثر من ثلاثمائة ألف، كيف لنا أن نفسّر تأييد الشيخ القرضاوي للتدخل الغربي لفرض حظر وضرب أهداف في ليبيا لحماية المدنيين بينما رفض ذلك في حالة دارفور. عندما وصف القذافي هجوم الغرب على ليبيا بالحملة الصليبية، رد عليه الشيخ القرضاوي قائلاً " القذافي يقتل شعبه ولا يحق له الحديث بإسم الإسلام" لكن عندما يقتل عمر البشير شعبه وبمئات الآلاف يدعمه الشيخ القرضاوي ويصف نظامه بالإسلامي الذي يقف ضد الكفرة الغربيين ومخططاتهم!!، بأي ميزان فقهي يمكن أن نزن هذا التناقض، وهو تناقض لا يبرره الإسلام الذي نعرف. القرضاوي وصف ما حدث في دارفور بأنه تمرّد وخروج على ولي الأمر، بينما يصف ما يجري في ليبيا بأنها ثورة شعب، في أي سياق يمكن أن نبرر الكيل بمكيالين لدى القرضاوي، والإسلام يأمر أن نزن بالقسط. القرضاوي ذهب بعيداً في نواياه السيئة حيث قال أن هناك مرتزقة يقتلون الشعب الليبي، وقال أن منهم من دارفور بل وذهب بعيداً وذكر "الزغاوه" دون أن يعي أنه بقوله ذلك يعرّض حياة مئات الآلاف من ذوي البِشرة السمراء بما في ذلك الليبيين وهم كُثر. كأن به ينطق بأمنيات الحكومة السودانية التي عبّر عنها وزير الخارجية "علي كرتي" دون خجل حينما صمتت حكومته دهراً عن الأحداث هناك ثم خرج ونطق كفراً.
إن القراءة الدقيقة لمعرفة العامل الذي يشكّل مواقف قناة الجزيرة والشيخ القرضاوي تجاه الأحداث في دارفور وتونس ومصر وليبيا ليس هو حقوق الإنسان الذي كرّمه الله بإطلاق باعتباره القاسم المشترك في هذه الأحداث، ولا الإسلام الذي يعتنقه كل شعب دارفور وكل الشعب الليبي وغالب الشعب في مصر، ولا العروبة كإثنية ينتمي إليها غالب الشعب الليبي وغالب الشعب المصري وقطاع مقدّر من شعب دارفور، وبالأخذ بحقيقة أن هذه العوامل ينبغي أن تكون عوامل تصاهر وتجانس وتعارف ووحدة بين الشعوب إلا أنه لعل ما يُشكّل مواقفهم هي "مُضغة النعرة الجاهلية" التي نهانا عنها الإسلام والتي ما فتئت تتحوصل في دواخلهم فتلجم الألسن من قول الحق إلّا ما ندر عندما يأتي ذكر الأحداث في دارفور، ولكن تطلقه ببيان عندما تدلهمّ الأمور في أي جزء من الدول العربية وهو لأمر يجب أن يُحزِن كل ذي بصيرة، ويوقظ الكثير من الأفئدة التي هي لبَشر ولكنها متسائمة.

22/3/2011
       
Abdul Jabbar Dosa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]