عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 لكي تكون العمليه الإنتخابية في السودان حرة ونزيهة من خلال تعددية في مناخ ديموقراطي، ينبغي أن تتوفر لها العوامل التي تحقق لهذه المعاني الأربعة سطوتها. وعندما يتحدث المراقبون والمحللون وغيرهم عن نماذج الإنتخابات التي حملت مثل هذه السمات من الإنتخابات التي جرت في السودان منذ الإستقلال، ينحصر الحديث في الإنتخابات الأولى التي جرت قبل الإستقلال في نهاية العام 1953م وانتخابات ما بعد انتفاضة اكتوبر 1964 والتي جرت في العام 1965 م وانتخابات ما بعد انتفاضة ابريل 1985 والتي تمت في العام 1986 م. كل هذه النماذج قد جرت في ظل حكومات قوميه انتقالية محايده، هيئأت مناخاً تنافسياً شريفاً وعادلاً بين الأحزاب بما اقنعها من دخول المنافسة. ليس هنالك ذكر للنماذج الشائهة الكثيرة التي جرت في ظل الحكومات الإنقلابية بمسميات عديده لا تحمل من مضمون الحرية والنزاهة والتعددية سوى الأحرف التي تتشكل منها هذه الكلمات، وإذا جاء ذكرها فإنما يأتي في سياق الإعتبار بها أو الترميز لمعاني التسلط والتزوير لإرادة الشعب وشرعنة الإستيلاء على السلطة بغير حق. بل إن الذين أعلنوا عنها وأشرفوا عليها يدركون في قرارة انفسهم بهذه الحقيقه لكنهم يكتمونها وتعجز ألسنتهم عن النطق بها استكباراً وظلما.الحرية هي أولى العوامل، وحتى تتوفر في السودان تمهيداً للإنتخابات، يقتضي ذلك إسقاطاً لكل القوانين المقيدة للحريات وبث الطمأنينة في نفوس المواطنين ليتمكنوا من التعبير بحرية عن آرائهم. لا يستقيم للمواطن أن يطور معارفه ويساهم بتنمية مداركه ويتبادل آرائه بين بعضه البعض في ظل تعامله مع وسائل اعلام تخضع للرقابة ولا يسمح للرأي الآخر فيها. مثل هذا المناخ ينمي ضمور القدرة الإستيعابية لدى المواطن ويحيله إلى مُتلقي لرأي واحد مقهور، ومن ثم فإن أي تعبيرعن خيارات يمارسها في أي انتخابات تفتقد عامل الحرية إنما هي خيارات قاصره تؤدي إلى نتائج قاصره. لا يخاف الحرية إلا الذين يكرهونها والذين لا يستطيعون مقارعة الحجّة بالحجّة يقارعونها بالحجبّة، وهكذا تجدهم يحملون مقص الرقابة أو يحجبون الصحف ويمنعون صدورها أو يصادرونها وغير ذلك من الممارسات وليس أدل على ذلك من قانون الصحافة المطروح الآن للإجازة بواسطة المجلس الوطني والذي جاءت معظم بنوده بمضامين لشرعنة الرقابة في مفهوم معكوس لمبدأ حرية الرأي.النزاهة هي مترادفة لكلمات مثل الشفافية والأمانة والمصداقية وغيرها من المفردات التي تقود إلى ذلك المضمون الذي بدونه لا يقيّض لأي انتخابات أن تُعبّر عن تلبيتها لمتطلبات الإنتقال السلمي للسلطة. لذلك فإن المناخ الذي يتم الحديث فيه الآن في السودان عن قيام انتخابات نزيهة هو مناخ لا يوفر الارضية لهذه المفردة المحبوسه ولا تستطيع أن تتمدد بكامل مساحتها، غياب الحريات العامة أو تقييدها يعني ببساطة انعدام النزاهة، لأنه في ظل تقييد الحريات تنعدم اجهزة الرقابة القانونية العادلة والرقابة الشعبية والرقابة الإعلامية وتعربد أجهزة الرقابه المواليه، ولا تجد الأحزاب المتنافسة ولا الأفراد المترشحين الفرصة العادلة في تنفيذ برنامجها الدعائي الإنتخابي بشكل متساوي. حيث أن وسائل الإعلام كالإذاعة والقنوات التلفزيونية الرسمية لا يتم فيها إتاحة الفرصة المتعادلة لكل الأحزاب وإنما يأخذ منها الحزب القابض على السلطة المُغتَصَبة بالقنطار ويُعطىَ الآخرون بالقيراط، وهي بلا شك قسمة ضيظىَ. حق التظاهر للتعبير مكفول فقط للموالين، كما أن إقامة الليالي السياسية والندوات بالنسبة للأحزاب الأخرى تحتاج لإذن مسبق وتَخضع للرقابة ويمكن فضّها في أي لحظة اثناء انعقادها، بل يمكن تعطيل إذن إقامتها في أي مرحلة من مراحل الإعداد، وقد يتبع إقامتها اعتقال بعض المتحدثين فيها أو من مستميعيها، وحيث أن الحريات منعدمة فالمناخ من أصله ملغّم بحيث يُحس المواطن بأنه من الأفضل أن لا يحضر الندوة لما يمكن أن يتعرض له من ممارسات. هذا الوضع لا يعكس اي فهم للنزاهة في الممارسة الإنتخابية. أما فيما يتعلق بالإمكانات فحدّث ولا حرج لأنه ليس هناك من يمكن أن يجزم بأن الحزب القابض على السلطة سيكون عفيفاً في استخدام الثروه. أجهزة الأمن بكاملها هي تحت إمرة قيادات الحزب القابض على السلطة، وبالتالي جملة هذه الثقوب في اي وضع بهذا الشكل تتيح الفرصة وتهييء المناخ الملائم لآلية التزوير وأيادي التزييف أن تنطلق لاستبدال الحقيقة بضدها وما أكثر وسائلها. لا يمكن لاي انتخابات تنعقد تحت رعاية حكومة شمولية ودكتاتوريه مستفردة بالسلطة أن تحمل أي سمة من سمات النزاهة.التعددية تعني أن يشارك في الإنتخابات أكثر من حزب ولا بد لهذه الأحزاب وحتى يكون تعددها نتاجاً لظروف طبيعيه وحقيقه يجعلها تُعبّر عن مضمون التعددية وليس استنساخاً، يشترط أن يتوفر لها مناخ النشوء والنمو بتكافوء. لقد خضعت الأحزاب في ظل الحكومات الشمولية للقهر والتقزيم القسري من خلال حظر انشطتها وتقليص دورها في إثراء الساحة السياسية، الأحزاب الآن تنفض عن نفسها غبار السنين العجاف والتي بلغت عقدين كاملين، وتسعى إلى تنشيط قواعدها وترتيب مؤسساتها التي ضمُرت، كما تبحث عن وسائل لضخ الإمكانات لقدراتها اللوجستية، تلك القدرات التي اصابها ما اصابها من معاول الهدم الشمولي. المشاهد لهذه الاحزاب وهي تسعىَ إلى الإصطفاف ضمن طابور التعددية يرى أنها كالجندي الناقص الملبس والمتاع مقارنة بالحزب الحاكم الذي يقف إلى جانبهم كجندي توفرت له كامل الملابس. العسكريون أو من كانت له علاقه بالعسكرية بأي شكل من الاشكال يعرف أن هناك شيء اسمه (فرش المتاع) للجنود، والجندي الذي يكون فرش متاعه ناقصاً أو لا يلبي ضرورات التفتيش يتعرض للعقاب حتى وإن كان نقص المتاع ليس بسببه. احزابنا ستفشل في فرش المتاع ولكن بسبب غياب الحرية والنزاهة لأن طابور فرش المتاع يتم تحت إشراف حكومه شمولية.المناخ الديموقراطي لا يتحقق بغياب العوامل الثلاثة المشار إليها بعاليه ناهيك عن مجموعة المؤثرات الأخرى المتممه، ومع المفهوم العام لمعنى الديموقراطية لدى الامم والتي تأتي بعضها في جملة قصيرة لتعريف الديموقراطية بأنها (حكومة الناس للناس من أجل الناس) أو كما جاءت في معاني أخرى  بمفهوم (حكم الأكثريّة و حماية حقوق الأقليّات و الأفراد) أو كما جاء المعنى في تفاسير أخرى أيضاً بأنها (شكل من اشكال الحكم يمارس فيه المواطنون السلطة بشكل غير مباشر من خلال ممارسه انتخابيه حره) (بالطبع كل هذه التفاسير ليست لي وإنما حقوق الملكية فيها محفوظة لاصحابها وإن لم اذكرهم). مجموعة هذه المعاني ليست هي مقصدنا ولكن اوردناها لنتحدث عن مناخها والسودان مقبل لانتخابات قد تجد طريقها إلى التنفيذ خلال الربع الاول من العام 2010 م. الحديث عن مناخ ديموقراطي في ظل سيطرة حكومه شموليه على السلطة يعتبر ضرب من ضروب الترف. قد تجد الأحزاب انها لا بد أن تتعامل مع الأمر الواقع مُستَعمين بما يتوهم أو يتهيأ لكل حزب من قدرته على اكتساح الإنتخابات. الحكومات الشمولية تسعى لاكتساب الشرعية من بوابة انتخابات صورية، وحيث أن التوجه العالمي منذ انهيار الإتحاد السوفيتي الذي كان بمثابة المثل الاعلى للنظم الشمولية، اصبح العالم لافظاً لمثل هذه الانظمة وبدأ ان رصيدها يتقهقر أمام إصرار الشعوب على ممارسة حقها في حرية اختيار من تفوضه ليمارس السلطة نيابة عنها وحقها في التعبير عن رأيها في استخدام التفويض، وقدرتها على محاسبته عبر المؤسسات التي اختارتها لذلك الغرض، لقد اصبحت الشعوب اكثر رفضاً ومقاومة للأنظمة الشمولية والدكتاتوريه، لم يقلل انحراف بعض الحكومات التي جاءت عبر الديموقراطية من الإنحياز الكاسح للجنس البشري للديموقراطية كوسيلة مثاليه نسبياً لممارسة وتداول السلطة، ولعلنا نستطيع أن نتحسس ذلك بدون عناء حين ندرك بأن القارة الأوربية كلها تتخذ الديموقراطية وسيلة لممارسة السلطة وكذلك الحال بالنسبة لأمريكا الشمالية وغالب أمريكا اللاتينية وأكثر من نصف دول آسيا وأكثر من ثلث أفريقيا. بات واضحاً بأن كل الانظمة الشمولية وتحت الضغوط الشعوبية والدولية قد بدأت في البحث عن وسائل لشرعنة حكمها، هذا بعد أن زاد تعرض علاقاتها الخارجية وعضويتها في المنظمات الإقليمية والدولية لضغوط بضرورة تلبية المعايير الإنسانية في الحقوق والحريات العامة، وتأثر تلك العلاقات بالمصالح المشتركة المباشرة، تماماً كما هو الحال بالنسبة للسلطة الإنقلابية في موريتانيا الآن، ليس هناك تقادم يمكن أن يُضفي شرعيه لسلطة انقلابيه وبالتالي ليس من نظام شمولي اغتصب السلطة يمكن أن يُجري انتخابات حرة ونزيهة بتعددية في مناخ ديموقراطي تحت إدارتها لكي يأتي بجهة أخرى للسلطة ويتنحى طواعية. ولا تؤخذ الإستثناءات حُكماً تحت كل الظروف.لقد نشأ الحزب الحاكم وترعرع في كنف السلطة المُستفرَدَة ومارستها أحادياً، لا يعرف قاموسه غير ذلك، يكون الجميع متفائلاً جداً إذا اعتقد بأنه قد خلع القناع نهائياً، ربما استبدله بقناع يحمل سمات أكثر قدرة على التأقلم مع ضغوطات الحاضر والمستقبل. وبالتالي من جملة رباعية العوامل التي مررنا عليها بإضاءات خافتة نخلص إلى أن اختبار مصداقية السلطة الشمولية في السودان والحزب الحاكم حول القناعة بمبدأ التداول السلمي للسلطة من خلال انتخابات حرة ونزيهة في مناخ ديموقراطي، محكومة بقبولها بتشكيل حكومة انتقالية قومية محايده والتي لا يتجاوز مداها سوى عام واحد هو موعد انتهاء الإنتخابات التي ستُجرىَ في فبراير من العام 2010م، لطالما قادة الحزب الحاكم واثقون من قواعدهم الجماهيرية. إن فعلوا ذلك نصمت ونؤمن بأنهم صادقين ونقول قد افترينا عليهم فأسكتونا. عام واحد لا يمكن فيه للأحزاب الأخرى أن تستقطب جماهير الحزب الحاكم إلا إذا كانت تلك الجماهير معلّقة قلوبها بسلطة وجيوب الحزب وليس بفكر الحزب. وإلى أن تقوم الحكومة بقبول تشكيل حكومه قوميه انتقاليه محايده، تظل قناعتنا بأن الأحزاب التي تنمو في تربة الشمولية في السودان لا تقوىَ على النمو في تربة الديموقراطية، فالحاكمون الآن يغشاهم في الليل والنهار طيف الإتحاد الإشتراكي وتراجع تحالف قوى الشعب العاملة عندما انهارت شمولية مايو وتَساوىَ الجميع في فرص التنافس في انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف حكومه قوميه انتقاليه. الديموقراطية شمس شعاؤها وهج يضيء وينير ولكنه لا يحرق، والشمولية شمس شعاؤها لهب حارق ووهجها يُبهر ويَعمي. إذا كان الحزب الحاكم بعد كل السنوات العشرين التي قضاها منفرداً بالسلطة، وبنى فيها نفسه وقزّم الأحزاب الأخرىَ يرفض مجرد القبول بحكومة قوميه انتقالية مدتها فقط سنه واحده لتنظيم انتخابات حره ونزيهه، هذا له معنى واحد وهو أنه يخشىَ شيئاً، وحتى يتجاوز الشيء الذي يخشاه  يتمسك بأن تُجرى الإنتخابات تحت إشراف الحكومه الحالية وهي المصيده المنصوبه الآن للاحزاب الأخرى بحيث توافق على إجراء الإنتخابات تحت إشراف الحكومة القائمة وتشارك فيها ليشرّعوا لهم فوزاً يقولون فيه ها هي انتخابات شارك الجميع فيها وفزنا بها. السؤال هو ماذا لو وافقت الأحزاب بالمشاركة رغم علمها بهذه الحقيقة، حقيقة أنه لا يمكن إجراء انتخابات حرة ونزيهة تحت إشراف حكومه شموليه.

عبد الجبار محمود دوسه

 20/4/2009 م