العام 2011 أطلّ علينا بالكثير من المفاجاءآت، منها ما هو سار وغيرها سَعَرٌ قاتل، وأكثر هذه المفاجاءآت نشهدها عبر الشاشات البلّورية للقنوات التلفزيونية الحكومية وتلك المتحوكمة التي تلبس نظارة. أحداث ليبيا التي يتصارع فيها الشعب الليبي مع السلطة القائمة هناك والتي تتصدر الأخبار في هذه الأيام ووفقاً لما ينداح من أخبار أنها دامية، حيث تنقلها لنا بعض القنوات من خلال ما انساقت فيه من إنزلاق أوغل بها في مستنقع الإنحياز إلى طرف فنصبت نصالها كما لو كانت طرفاً أصيلاً في المعركة وهي التي ما فتئت تتمشدق بطنطنة الحياد ومهنية الخيال قبل ما تخطّه الأحبار رغم انصراف صفة حيادها عن أذهان الكثيرين قبل أحداث ليبيا بسنوات، لا سيما من تُحصّن البصيرة أبصارهم وهم يشاهدونها، وتنقّي الحكمة آذانهم فتنأى بها عن سماع تُرهاتها. أن تنحاز قناة الجزيرة إلى أي طرف في ليبيا أو غيرها ذلك شأنها، لكن أن تعمل على تشويه صورة الأفارقة فذلك أمر للآخرين فيه كلام.
وبما أن ما يجري هناك شأن الشعب الليبي فإنه القادر على تقرير مصيره ورسم مستقبله والذي نأمل أن ينتهي إلى ما يرضيهم ويحقق لهم طموحاتهم فيما يتمنون بأقل الخسائر التي مهما صغرت نتأسف عليها كثيراً فكيف إن تعاظمت، لكن ما دعاني إلى الكتابة في هذا الشأن وربما سبقني إليه آخرون وقد يسلك مسلكي لاحقون، هو النهج العنصري البغيض الذي ظلّت قناة تلفزيون "الجزيرة" تشنّف به آذان المستمعين وتكحّل بسمومه أنظارهم. لقد عمدت قناة "الجزيرة" إلى إستراتيجية عنصرية ممنهجة لشن حملة تشويه للأفارقة على نحو لا يقبل أي تفسير سوى أنها دعوة صريحة إلى إبادة الموجودين منهم على أراضي ليبيا، وهو أمر يكشف مدى الحقد الذي تكنّه القناة على الأفارقة.
لقد تصدّرت قناة الجزيرة حملة الدفاع عن رئيس النظام السوداني الذي استخدم مرتزقة استجلبهم عياناً بياناً وارتكب بهم جرائم إبادة بائنة القرائن والأدلّة الموثّقة في دارفور شهدها العالم كله على الأرض، بل اعترف مرتكبها بنفسه علناً بها، ومع ذلك افردت قناة الجزيرة شاشتها للدفاع عنه يوم طلبته المحكمة الجنائية الدولية للمحاكمة بتهم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، تعامت قناة الجزيرة عنها وسارعت بلا أدنى خجل إلى تصوير مرتكب تلك الجرائم وكأنه بطل مستهدف من الدول الغربية. ليس للجريمة جنس والحقيقة لا تتلون ومعيار الحق واحد، ووفق هذا المعيار إذا استجلب الزعيم الليبي مرتزقة لقتل شعبه قطعاً سيكون قد وضع نفسه موضع المسئولية، وكل مخطيء يتحمل تبعات أخطائه مهما تجاسمت صِغراً أو نقيضه.
إنه من المعلومات المشاعة أن يتحدث الزعيم الليبي عما ظلّ يسمّيه تجييشاً أممياً يساند فكر نظامه، ظللنا عقوداً نسمع ذلك لكننا لم نشهده كما لا ينفي عدم رؤيتنا لذلك وجوده، وإذا تمددنا وفق هذا المضمون إلى أقصى ما يمكن أن يستوعبه من تفسير، لقلنا أنه يعني أن يمتلك جيشاً قوامه أفراد قادمون من جنسيات وأمم متنوعة، لا يقبل المسمّى أي تفسير مختزل في الأفارقة، فإن جاز أن نفترض أن ثمة من يؤمنون بفكر القذافي منهم وربما انخرطوا كجنود في نظامه، فهم قطعاً لن يكونوا أكثر عدداً من العرب الذين يشاركون القذافي لغته وإثنيته ودينه ولونه وطموحه وربما انخرطوا في كتائبه الثورية، ومع ذلك كان القادة الأفارقة هم من كسر طوق الحصار الجوي المفروض على ليبيا لعشرات السنين والذي عانىَ منه الشعب الليبي أيما معاناة، لم يفعل الأفارقة ذلك من أجل القذافي ولكنهم فعلوه لأجل ليبيا الشعب الذي تجمعهم جميعاً معهم الإنسانية قبل أن تجمعهم في الخصوصية الجغرافية قارة واحدة هي أفريقيا. وإذا كان الزعيم الليبي قد قسّم ودّه بين قلب العرب وفؤاد أفريقيا بغض النظر عن مراميه أو طموحاته هنا وهناك ونحتفظ برأينا في ذلك، إلا أنه لا ينبغي أن يكون مدعاة للنيل من الأفارقة.  
إن أوجب واجبات المهنية تحتّم على قناة "الجزيرة" نقل المعلومة بكل احتمالاتها لا سيما وقد ذكر بعض الرواة عبر وسائل إعلام أخرى أن من بين تلك القوات عرباً وأوروبيين وأفارقة، لكن الجزيرة أرادت أن تخصخص شناعة الفعل وربط مسمّى المرتزقة بالأفارقة لتحطّ من قدرهم أولاً ولتؤلّب ضدهم ثانياً وكأنها تصفّي حساباً معهم، بل كأني بها تريد ربط الهمجية والبلطجية وشنيع الفعل بالأفريقي، ثم تخطّ على ركن من شاشتها عبارة "خاص بالجزيرة" إنها بمثل هذا الفعل تصمم لنفسها ميدالية استهجان المشاهد وتتوشّح بها، لأن الفظاعة ليس لها جنس. أنا هنا لست ناطقاً باسم الأفارقة، ولست مدافعاً عن أي ممن يُمكن أن يكون قد تورّط بأي صفة من الصفات في الشأن الليبي أو أي شأن مماثل أفريقياً كان أم عربياً أم غيرهم، بل أستنكر تورّط أي جهة والتدخّل في شأنٍ أصحابه أدرى وأولى به، كما وأنا الذي أنحدر من دارفور الجريحة لا شك أكثر إدراكاً لحجم معنى المعاناة وحجم التأذي من المرتزقة الذين جلبهم نظام البشير وارتكب بهم تلك الجرائم في دارفور، لكنني قطعاً كإنسان ينبغي أن أنوّه إلى ضرورة استهجان مثل هذا النهج العنصري الذي تنتهجه قناة "الجزيرة" وهي التي تنطق بلسان عربي مبين ولا أعتقد أن يزيغ عن فهمها مضمون قول الله تعالى: "يا أيها الناس إنا خلقناكم مِن ذكر وأنثىَ وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم، بل وقوله جلّ شأنه: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين" اللهم إلا إذا كان القائمين على القناة يعتقدون بأنهم قد خُلقوا من غير ما أشارت به الآية الكريمة الأولى، وأنهم أيضاً ليسوا من المؤمنين، بحسبان أن الآية الكريمة الثانية تخاطب المؤمنين.
لكن دعونا نستشرف بعضاً من الأمثلة الحيّة ونترك للقاريء الكريم أن يتصوّر ويخمّن أيٍ من المكيالين يمكن أن تصبغه قناة الجزيرة على كل حالة، لعل القاريء يستطيع من خلالها أن يتيقّن المقاصد والمرامي التي تذهب إليها قناة الجزيرة في الكثير من الأمور ولو لماماً. لقد إرتكب رئيس النظام السوداني في دارفور إبادة وجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فقتل مئات الآلاف وشرّد الملايين وهؤلاء مواطنيه، أما في غزّة فقد إرتكبت إسرائيل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية فقتلت ما يزيد على الألف وشرّدت الآلاف وهم ليسوا مواطنيها ومع ذلك لا ينبغي أن تفعل، تُرى كيف تابعتم تغطية قناة الجزير على الحدثين ومكانة "البشير" "وأولمرت" عندها بمكيالها؟.... لقد استجلب النظام السوداني مرتزقة لإرتكاب الجرائم في دارفور، وتقول وسائل الإعلام الآن أن هناك مرتزقة يستخدمهم النظام في ليبيا ضد شعبه نفس الملامح والشبه للحالتين، كيف كان مكيال قناة الجزيرة في تغطية الحدثين؟... لقد ثار الشعب في دارفور مطالباً بحقوقه الدستورية وسكان دارفور ثمانية ملايين، لكن قيل أن تلك مؤامرة إسرائلية صحيونية أمريكية غربية إمبريالية على غرار جماهيرية عربية ليبية شعبية إشتراكية، الماعون واحد، أُلغي عقل إنسان دارفور تماماً. إنتفض الشعب في ليبيا، تُرى كيف كان مكيال تغطية الجزيرة في الحالتين؟.....الحكومة القطرية تجنّد في جيشها أفراداً من جنسيات عربية وسودانية وباكستانية وربما غيرها، قام الجيش القطري عام 1986 بإنزال قواته في جزيرة "فشت الدبل" المتنازع عليها مع دولة البحرين واحتجزت عمالاً يعملون لصالح البحرين، تُرى ماذا تُسمي قناة الجزيرة الأجانب الموجودين في الجيش القطري، هل هم مرتزقة أيضاً، وبالطبع ليس المرتزقة فقط من يستخدمهم الحاكم ضد شعبه، إستخدامهم ضد بلد آخر يقع في نفس السياق...... الفصائل الفلسطينية والقوات السورية اشتركت متحابة تارة ومتباينة تارة أخرى في الحروب الأهلية اللبنانية، تُرى مَن كانوا مرتزقة في قاموس قناة الجزيرة، علماً بأن الفعل بحسبانه جرماً لا يسقط بالتقادم..... أن تدخل القوات الدولية الهجين من عدة جنسيات إلى السودان بحجة حماية المدنيين من بطش النظام رغم فشلهم في المهمة التي أتوا من أجلها، تلك مؤامرة يُقصد منها تطويق العالم العربي واحتلال عمقه ودعم إسرائيل، لكن أن تتواجد في قطر قاعدة أمريكية صرفة بجنود أمريكيين أقحاح فالصمت قناة الجزيرة أبلغ..... أن يتطوع أفراد من جنسيات متنوعة للقتال إلى جانب الفلسطينيين في الحرب ضد إسرائيل، على سبيل المثال "كارلوس" أو صينون مع الفيتناميين ضد أمريكا إلخ.. تُرى بعيداً عما يطلقه كل طرف وفق ما يشتهي، ما المعنى اللفظي الذي يمكن أن تجتمع عليه الأمم لكلمة مرتزق.... عندما انقلب الجيش في (جزر القمر) على الحكومة، استعانت رئيسها بجيش من السودان لاستعادة سلطتها، تُرى ما كان وصف الجيش السوداني هناك في عين (القمريين)؟.   
ليس من قصدي هنا بإيراد هذه الأمثلة إحراجاً أو تجريماً لدولة أو شعب، لكل دولة الحق في أن تصمم سياستها وفق مصالحها، فإن هي حافظت على الثوابت الأخلاقية،فذلك خير لها، وإن هي حافظت على القواسم المتفق عليها أممياً في العلاقات الدولية فذلك شرف لها، وإن هي صانت كرامة شعبها ولم تبطش به وهو فرض عين عليها تكون قد وطّدت العروة الوثقى بينها وبين الوطنية وحقوق الإنسان، إذاً هذه الأمثلة جئت بها تعضيداً لمقتضيات الحقيقة التي تجاوزت عنها قناة الجزيرة فيما لا يمكن وصفه إلا بأنها تستبطن قصدا غير شريف تجاه الأفارقة إلى أن تثبت غير ذلك، وحينها نكون معها وليس عليها.
عبد الجبار محمود دوسه
25/2/2011



           
Abdul Jabbar Dosa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]