السودان بمساحته التي تبلغ مليون ميل مربع وسكانه القريبين من اربعين مليون نسمه وحدوده المتاخمة لتسعة دول وبحر، واستقلاله الذي تم قبل أكثر من خمسين سنه ودستوره الذي ظل مؤقتاً منذ استقلاله والحكومة الإنقلابية التي ظلت تكذب عليه لمدة تزيد على سبعة آلاف يوم بدأت بالكذبة الشهيرة حينما أعلن قائد الإنقلاب العميد آنذاك والمشير الآن عمر حسن أحمد البشير بأن أحد أهداف إنقلابهم هو وقف تدهور الجنيه السوداني أمام الدولار والذي قال أنه لو لم تأت الإنقاذ لبلغ سعر الدولار عشرون جنيهاً بينما قفز الدولار ليصل إلى أكثر من ألفين جنيه قبل أن يواروا السوءة بتعديل شكل سعر الصرف ويبقى المضمون وتبقى القيمة الشرائية الحقيقية، ونسبة فقر شعبه التي قفزت من 47% إلى 95% وبقية العقد الفريد من التدهور والارقام القياسية حتى في الحروب الأهلية داخل الوطن الواحد في وقت واحد. لا يمكن أن تتحمل أي جهة وزر هذا الذي حدث وما زال يتواصل في السودان سوى حكومة الإنقاذ، هذا من منظور الفهم التلقائي العام لكن من منظور المنطق فالشعب السوداني بكامله ضالع في الذي حدث لأنه اتاح الفرصة لحكومة غير راشده عشرين سنة من أغلى سنوات عمره في أن تُعربد بمقدرات الوطن وتُلقي بها في اعصار من التجارب الفاشلة، مسئولية الشعب تتعاظم بتزايد بقاء الوضع على ما هو عليه. الراشدون من كل حدب وصوب داخل القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والقوات النظامية مطالبون اليوم أكثر من أي وقت مضى بالتحرك برشدهم. هنالك حقائق تتشكل الآن وسط الشعب السوداني لا تخطئوها العين ولا تستعميها البصيرة سيكون لها تأثير عظيم في مستقبل البلاد خلال العقد القادم. الحقيقة الأولى هي أنه نتاجاً للتجويع المتراكم والمبرمج للشعب السوداني نشأ ما يمكن أن نسميهم موالون في مقابل الإشباع وهؤلاء يمكن تقدير حجمهم إذا استندنا لإحصائية الحكومة ذاتها والتي أشارات إلى أن نسبة الفقر بلغت 95%. بيد أن بعض هؤلاء يتطور طموحهم من الإشباع إلى الغِنَى فيصبحوا موالين من أجل التمكين، حيث أن من يدخل هذا المستنقع الجليدي لا توقفه أي كوابح فيظلّوا كذلك لا يوقفهم إلا مصد أو ذوبان الجليد، ولا يذوب الجليد إلا بارتفاع درجة الحرارة، ولا ترتفع درجة الحرارة بالسكون. هؤلاء قوم استسلموا قهراً ولا ينبغي أن يكون مصيرهم كذلك، نجاتهم مما هم فيه مسئوليه جماعيه يتحملون هم القسط الاكبر منها، حيث لا يستقيم أن يستسلموا ولا يتم إهمالهم.الحقيقة الثانية هي أن جميع اتفاقيات السلام التي تم توقيعها مع حكومة الإنقاذ، هذه الإتفاقيات وضعت أسس وقواعد واضحة للتحول الديموقراطي والتبادل السلمي للسلطة بأطرها الزمانية في أبعادها القومية، إلا أن حكومة الإنقاذ ونظراً لسيطرة الفئات النافرة بداخلها على مقاليد الأمور ظلت تراوغ في دفع استحقاقات تلك الإتفاقيات لأنها تدرك بأنه إذا استجابت بشكل كامل لتلك الإتفاقيات سينتهي بها الأمر إلى العودة إلى ما كانت عليه حالها في العام 1989 تاريخ انقلابها على الشرعية، وبالتالي استخدمت تلك الإتفاقيات لإطالة أمدها في التمسك بزمام السلطة ومفاصلها، مستغلة في ذلك ما تتمتع به الحركة الشعبية من خيار آخر يتمثل في تقرير المصير موازنة في القبول والرفض وهي تدرك أن الحركة الشعبية قد نصبت الساعة التنازلية ولم يتبق من عمر الإستفتاء إلا عام ونصف. فبرغم تعالي اصوات الحركة الشعبية أحياناً في الرفض والإستنكار إلا أن ذلك لم يغير من إصرار المؤتمر الوطني في المضي باحاديته في كل القرارات لإدراكه بأن الحركة الشعبية عينها الاساسي في ساعتها التنازلية لموعد تقرير المصير وأن ما تفعله هو من قبيل ذر الرماد على العيون حفاظاً على أكبر قدر يمكن تحقيقه في ظل الشراكة حتى يحين الموعد. علماً بأن كل القرارات المصيرية محكومة بالإتفاقيات ويجب أن يخضع اتخاذها لتوافق هو ضمن معادلة التحول الديموقراطي التدريجي. إلا أنه وحسب مفهوم المؤتمر الوطني، فهو أن يتبنى كل المشاركين داخل الحكومة بموجب الإتفاقيات وجهة نظر المؤتمر الوطني، وتصبح قراراته هي قرارات الدولة وبالتالي فهم مطالبون بالدفاع عنها، أي ببساطة تذويب نضال اؤلئك المشاركين داخل المؤتمر الوطني ودمجهم فيه او احتوائهم وهو ما حدث للجميع، ولا يستثنى سوى الاصوات النادرة من هنا وهناك من بعض قيادات الحركة الشعبية التي ترقى فقط إلى الإفصاح عن امتعاضها او استيائها ولكن القرار الذي يتخذه المؤتمر الوطني هو النافذ وهو راي الدولة وبالتالي لا تحول ديموقراطي تدريجي ولا يحزنون وإنما تذويب تدريجي للآخرين وهكذا وجدت الحركة الشعبية نفسها أمام خيار واحد هو أن تنتظر الساعة التنازلية لموعد استفتاء تقرير المصير. أما الآخرين وهم التجمع الوطني الديموقراطي القادم باتفاقية القاهرة وحركة/ جيش تحرير السودان القادمة باتفاقية أبوجا وجبهة الشرق القادمة باتفاقية أسمرا فقد رضوا بمحض إرادتهم أن يستخدم المؤتمر الوطني اتفاقياتهم ليس فقط في مسح تاريخهم النضالي بل وفي تشويهه ايضاً عندما ارتضوا الإستسلام له. هذه الحقيقة تفرض على الجميع أن يمدوا أيديهم لإنتشالهم إذا ما شاءوا هم أن يمدوا أيديهم طلباً للإنتشال .الحقيقة الثالثة: هي أن ثُلة من أبناء الإقليم الشمالي من الذين كانت لهم مواقف واضحة ضد السلطة الأحادية الشمولية والدكتاتورية ويقفون صفاً واحداً مع صفوف المناضلين من أجل استعادة الديموقراطية والحفاظ على وحدة السودان، نجدهم قد خطب الإنقاذ ودّهم وبادلوها الود والدعم تأثراً بالخطاب الاستقطابي الذي تمارسه الإنقاذ من منطلق تحقيقها لبعض المشروعات في الإقليم بما اشعرهم بضرورة الحفاظ على هذه الحكومة باعتبارها خير حكومة لاهل الشمال برغم ما فعلت في السودان من افاعيل عطفاً على شعورهم بامكانية بقاء هذا التميز المؤطر بالمثلث المسمى (بمثلث حمدي التنموي) وهم لا يدركون بأن الإنقاذ إنما تبني جداراً معنوياً بينهم وبين إخوتهم في أقاليم السودان وتستخدمهم في هذا البناء في مقام (الطوب)، وحيث أن جّل ابناء الإقليم الشمالي من الشرفاء ما زالوا عازفين عن الإستجابة لهذه الرشوة الرخيصه، فإنهم يعملون مع إخوتهم في النضال الوطني لهدم مثل ذلك الجدار قبل أن يتصلّب، وسوف يتساقط الطوب من الجدار كما يتساقط الصفق الجاف من الاشجار، ويتهاوى اؤلئك الذين استخدمتهم الإنقاذ كما تتهاوى أعجاز النخل الخاوية. لهؤلاء نقول أنه اشرف لهم إن لم يتمكنوا من الإنعتاق عن نزوات الساعة أن ينزووا حتى انفضاض الساحة، فلا يتبين على جباههم سوء ما استعطفوه  عوضاً عن سيماء ما استدبروه. وسيزال من التنمية التي تمّت في بعض مناطق الشمال المسحة المعنوية التي أرادت أن تجعلها عازلاً بين أبناء الوطن الواحد. وعلى الجميع العمل بيد واحدة على استفاقة النيام.     الحقيقة الرابعة: لقد اتخذت الإنقاذ استراتيجية عقد الإتفاقيات وسيلة لتمديد بقائها بعد أن تأكد لها نجاح هذه الإستراتيجية حيث اصبحت هذه الإتفاقيات كاملها وناقصها المغذّي الرئيسي الذي تستمد الإنقاذ منه قوة استمراريتها، علماً بأن الإتفاقيات قد بلغت 23 اتفاقاً بدءاً باتفاقية الخرطوم للسلام وانتهاءاً باتفاقية الدوحه. لقد فرّغ المؤتمر الوطني هذه الإتفاقيات من محتواها لأن الأطراف المناظرة للمؤتمر الوطني في هذه الإتفاقيات استجابت راغبة أو مرعوبة أو مخدوعة أو تائهة لمخطط المؤتمر الوطني في تجريدها من وسائل قوتها باستثناء الحركة الشعبية المستندة على الساعة التنازلية لموعد الإستفتاء والتي تنمّي سفينتها ربما ليوم يتزايد فيه  اهتياج الاعصار وتتلاطم فيه أمواج البحر. الإنقاذ أدركت أنها برعت في لعبة الإتفاقيات وكان آخرها ما فعلته في اتفاق حسن النوايا في الدوحة حين تحصّلت على مسمّىَ اتفاق كانت تعتقد بانه سيساعدها قبل صدور قرار المحكمة الجنائية، بيد أنها لم تنفذ من بنوده السته اي بند، بل لم تكتفي بالإمتناع عن التنفيذ فقط وإنما ذهبت أبعد من ذلك حينما طردت منظمات الإغاثة العاملة في دارفور مخالفة الفقرة (ب) من البند (3) الذي يدعو إلى انسياب الإغاثة إلى المحتاجين، والواقع انسياب الإغاثة هو بند اساسي وارد في كل الإتفاقيات الستة السابقة مع حركات دارفور الموقعة في انجمينا واديس أبابا وابوجا ولم تلتزم بها الحكومة، فما الذي يجعلها تلتزم بها في اتفاق حسن النوايا، علماً ان مصطلح حسن النوايا اصلاً لا يحتاج إلى اتفاق لأن قبول الاطراف للجلوس للتفاوض هو اصلاً ممارسة عملية لمضمون حسن النوايا. إن ما نذهب إليه هو أن الإنقاذ التي يطول عمرها بنقض العهود تبحث الآن عن اتفاقيات أخرى مع فصائل دارفور الكثيره المصطفّة، فقد اعلن الدكتور امين حسن عمر قبل ايام بأن الحكومة جاهزة للتفاوض مع اي فصيل يرغب في التفاوض ولا يهم لطالما أن الإتفاقيات سيتم التوصل إليها لتصطف إلى طابور الإتفاقيات السابقة. بالامس القريب أوقفت الحكومة صدور صحيفة أجراس الحرية لمجرد أنها اصرت على نشر آراء مخالفة لرؤية الحكومه، لما لا فقد القت بأكوام الآراء والمقالات والتصريحات من الرأي الآخر في مكبّ الآراء الأخرى. حكومة هذا حال تعاملها مع اتفاقيات سابقة، ما الذي يجعلها تتعامل بشكل مغاير مع اتفاقيات جديدة؟ ولماذا لا تكون شهيتها مفتوحة لاكبر عدد من الإتفاقيات لطالما أنها ستزداد مناعة ويطول بقاءها، فهي بأي حال من الأحوال لن تكون اتفاقيات أدق صياغة ولا اثقل مضموناً ولا أقوى ضماناً من اتفاقية نيفاشا التي تتلاعب بها. نحن قلنا من قبل ان الغاية من الإتفاقيات هي سد فجوات القصور في المشاركة في السلطة والثروة، ولكن تلك الغاية لا يمكن بلوغها باستنساخ الإتفاقيات في ظل إصرار الحكومة على نهجها الأحادي في تنفيذ الإتفاقيات. وحيث أن التجارب اثبتت بأن الحكومة غير راغبة في تغيير نهجها بإرادتها فليس أمام الشعب إلا........       الحقيقه الخامسة: المعلوم أن المجتمع الدولي تفاعل مع قضية دارفور انطلاقاً من (رواندا فوبيا) بشكل اساسي، ونصف قناعة بعدالة مطالب اهل دارفور بشكل ثانوي، وقد عمل على تقليل تدهور الحالة الإنسانية في شقّها الغذائي والعلاجي من خلال المساهمات الكبيرة التي يدفعها عبر منظمات الإغاثة العاملة في دارفور. غير أنه في الشق المتعلق بوقف القتل والتشريد لم يفعل الكثير لانه بعد أن مهدت له اتفاقية أبوجا ارضية لدخول القوات الدولية، إلا أن تلك القوات جاءت بتفويض قاصر ناهيك عن حاجتها هي نفسها في كثير من الاحيان إلى حمايه من هجمات المتفلتين رغم انها بلغت في أعدادها 17 ألف فرد. أما التعويل على قرار المحكمة الجنائية الدولية باتهام الرئيس عمر حسن أحمد البشير بحسبانه عاملاً من جملة العوامل المؤثرة في معالجة الأمور إنما يندرج ضمن استيعاب حقيقة أن ذلك الإتهام ما لم تُلغه المحكمة بنفسها فلن يسقط بالتقادم وبالتالي يبقى تنفيذه محكوماً بعامل الزمن شأنه في ذلك شأن السوابق الشبيهة. أثر إعلان الإتهام رغم أنه ليس بالحكم لكن يذكّرنا بواقعه على ذمة الرواة، وهي أن أحد القضاة المرموقين في مدينة الابيض في بدايات عهد الرئيس الاسبق جعفر النميري او قبله بقليل كان يحاكم التجّار الكبار المخالفين بالغرامة فيدفعونها ويواصلون مخالفاتهم، فبدأ القاضي فيما بعد يحكم بالجلد، ولكن التجار يستأنفون الحُكم مباشرة قبل التنفيذ، فتأتي قرارات المحكمة الموستأنف إليها بنقض الأحكام السابقة او بتعديلها إلى أحكام رمزيه لا تشكل رادعاً عن تكرار المخالفات. وعلى ذمة الراوي فإن النقض ليس لأن الاحكام التي كان يصدرها القاضي ناقصة في استيفاء استحقاقات الحكم ولأن محكمة الإستئناف كانت تتحامل أو غير كفوءه، ولكن لأن عوامل أخرى لها تأثيرها كانت تتدخل وتؤثر فيتم نقض الحكم، بعضها ينطلق من مبدأ عدم إذلال من يعتقدون أنهم عُزاز في القوم حتى وإن كان الجميع في نظر العدالة متساوون، اغضب ذلك القاضي المرموق، وبينما هو كذلك أتته إحدى القضايا المتهم فيها تاجر كبير، فحكم عليه بالجلد والتنفيذ المباشر أمامه، وفعلاً تم جلد التاجر أمامه، فقال القاضي للتاجر بعد جلده (أمشي استأنف خلي يمسحوه ليك) واقعة اتهام الرئيس عمر حسن أحمد البشير مع الإختلاف إلا انه بالنسبة لاهل دارفور هو من موقف القاضي لما حدث بعد الإتهام، فقد تمت تسمية الإدانة المعنوية وحتى وإن قادت الأمور بالمحكمة الجنائية في اي من هيئاتها إلى إلغاء القرار، لأن الوقع المعنوي كبير بحجم منصب رئيس للجمهورية وبحجم الفضاء الإعلامي الذي بلغته السمعة بعد الإتهام على مستوى العالم، وبالتالي حيث يمضي البعض سواء الحكومة أو الدول التي تلتقي في مؤتمرات من هنا وهناك مذهب التجميد أو الإلغاء، إلا ان كل ذلك لا يمسح ما تم.... لقد كانت الفرصة مواتية للحكومة منذ وقت طويل ان تستدرك الامور حتى لا تبلغ ما بلغت إليه، وليس من العدالة ولا من الشهامة ولا من الفلاحة ولا من الاصالة أن تحرم الحكومة أهل دارفور من حقوقهم ثم تقتلهم وتشردهم دون أن يُحرّكوا ساكنين، فالحكومة في فعلتها لا تستند إلى شرع ولا عرف ولا قانون، ولا يُعيدنّ احداً اسطوانة أن الحركات هي التي بدأت، فقد بدأت الإنقاذ باستخدام السلاح والقوة منذ 1989 ولم تكن هي حكومه بعد، كما أن يومها ليست هناك حركات، وليس للتصحر والطبيعة وشح الامطار والقبائل ذنب، فالشح هو شح عقول من يحكمون، من يصلّون صلاة الإستسقاء على ضفاف النيل. ثلت أن تعويل أهل دارفور على المجتمع الدولي في جلب حقوقهم كاملة هو تعويل مثقوب يتصاغر الثقب فيه بقدر اتساع قدرة ابناء دارفور على إدارة الأزمة وهو أمر لم يزل مرهوناً بضعف الجرعات الإستراتيجية التي يسقون بها آلية إدارة الأزمه. نُعطي مثالا نقرنه بأمثله مبسّطه، يُحكىَ أنه في عصر ليس ببعيد وفي إحدى الممالك أنه عندما يُراد ابتعاث إبن من أبناء زُعماء العشائر إلى (الخلاوى) لحفظ القرآن كان يتم مرافقة ذلك الإبن بأحد أبناء من كانوا يخدمون زعيم العشيرة معه، حتى إذا أخطأ ابن زعيم العشيرة في القراءة أو الحفظ، يضرب الشيخ أو ( الفكي) الإبن المرافق ولا يضرب ابن زعيم العشيرة هذه القصة التي تتضمن ظلماً بائناً بحجم ما يتناقله الرواة عن صحتها تعكس تماماً حال اهل دارفور مع قيادة الإنقاذ، فقد ذهب الرئيس البشير إلى زالنجي واعلن أنه سيحاكم كل من ارتكب تجاوزات في دارفور، وحيث أننا لسنا في حاجة إلى الخوض في مصداقية القول من عدمه لتجاربنا مع أقواله لكننا بصدد مطابقة الموقف مع القصة التي تسبقها. الرئيس البشير هو وقادته الكبار في حكومة الإنقاذ مسئولون من كل التجاوزات التي حدثت في دارفور لكنهم يريدون التضحية بمن غرروا بهم واستخدموهم بمحاكمتهم حيث بلغت القلوب الحناجر، وهم بهذه النية وهذا التصرف يساون بين أفراد المليشيات والقوات الحكومية التي غرروا بها مع الإبن المرافق لإبن زعيم العشيره عند معاقبة (الفكي) في قصة (الخلاوي). كيفما يريد الرئيس البشير أن يذهب بالامر فهو يريد أن يضحّي بأؤلئك البسطاء الذين نراهم بفهمنا الإستراتيجي وخاصة الذين منهم من دارفور أو انحاء السودان الأخرى بشكل مختلف ومعالجة مخالفاتهم أيضاً بشكل مختلف من خلال آليات عرفية أنجع. أما المستقدَمين من خارج الحدود فلا مناص من معالجة أمرهم بشكل مختلف. الحقيقة السادسه: عندما تقدمت باستقالتي من حركة/ جيش تحرير السودان وأشرت إلى عدم انضمامي إلى أي حركة قائمة لقناعتي بأنها باتت غير قادره على تحقيق الأهداف المرجوة بالنهج المستخدم والوسائل المستخدمة، رغم قناعتي بأن الحكومة لا تفهم سوى لغة القوه، مع كل هذا نظل نقدم نصحنا ويقدمه غيرنا مبسوطاً للإنقاذ لتأخذ به لمعالجة الأمور قبل أن تتطور قضية الجنائية إلى مراحل أكثر تعقيداً، هذا إن كان للنصح مساحة في ضمائر اصحاب النفوس اللوامة من قيادات الإنقاذ، أما أصحاب المغلّظات من القسم فهم بلا شك غشيهم ما غشي فرعون وأقوام سبقوهم في الغي، حيث لا يستبينون النصح إلا ضُحىَ الغد، بل إن البعض تعصف بهم السَكرةَ حتى يلفظه اليم. تحضرني قصة دوله مغموره وادعة في أمريكا اللاتينية استولت مجموعة من الدكتاتوريين على السلطة بالقوة وبدأوا حكماً بالحديد والنار وقمع المعارضين وتكميم الأفواه وقتل الشعب بالمئات في القرى والمدن لمجرد الشك أو سماع إشاعه او تحرك معارضه، وسخّروا كل امكانيات الدوله لرفاهيتهم الذاتية وتركوا الشعب المغلوب على أمره لا يملك سوى لسانه يُعبّر به عن مأساته، يتضور جوعاً ومرضاً وتعذيباً وقتلاً، تركوه مستسلماً لأنه لا يقوىَ حتى على التظاهر، فقام مجموعه من الشباب بانتهاج اسلوب يائس بتحديد قائمه فيها 37 من كبار قادة الحكومه، وبدأوا باغتيال أحدهم ووضعوا القائمه على جثته، وبعد فتره اغتالوا ثانياً ووضعوا القائمة على جثته لم يمهلهم الوقت ليغتالوا ثالثاً فقد انهارت الحكومة تلقائياً حيث هرب الباقون للنجاة بأنفسهم، وعادت الحياة الديموقراطية للدولة الوادعه وعاد التنفس للشعب. قبل العام 1974م لا يمكن لكائن من كان أن يتصور بأن الشعب اللبناني الوديع الذي كان معروفاً عنه حبه للحياة الرغدة والحفلات والرقص والرقّة آنذاك يمكن أن يتحول إلى شعب شرس ومقاتل يرتكب التفجيرات ويتأبط الاحزمة الناسفة ويفجر نفسه ويمارس الإغتيالات والتفجيرات الإنتحارية. ما يحدث عند العراقيين ونمور التاميل وباكستان وطالبان وغيرها كلها عِبر وعِظات، السعيد فقط من يعتبر بها في غيره رغم أننا لا نتمناه لأي شخص حتى على سبيل العبرة، ولكن الشقي من يعتبر بها في نفسه، ونحن نسأل الله أن لا تغشانا او تعكّر تراثنا الخالي من مثل هذه الأفعال. خطوات الكفّارة تستوجب أن تُستكمل العدالة العلاجية باستقالة الرئيس البشير وإقالة الوزير أحمد هارون وأن ينال اهل دارفور حقوقهم كاملة ثمناً للسلام وأن تقوم حكومه قوميه انتقالية تهييء للإنتقال السلمي للسلطة عبر انتخابات نزيهه، وما ابخسه من ثمن في نظر كل راشد وحكيم. الشعب السوداني ذاق أقسى أنواع القهر ومع ذلك فهو صابر واقصى ما يفعله دائماً ينتفض وتنحاز إليه قيادات الضمير المستيقظ من القوات المسلّحه وقد بقي الرئيس الراحل عبود ومجلس قيادته طلقاء يعيشون حياتهم بين اهليهم كما ما زال الرئيس الاسبق المشير النميري ونائبه الرائد ابوالقاسم محمد إبراهيم يعيشون بسماحة اهل السودان رغم من دفنوا احياءاً في الحزام الاخضر في أحداث ما سمّي آنذاك زوراً بغزو المرتزقه، مثل هذا لا يحدث عند الشعوب الأخرى، يا اهل الإنقاذ لا تجبروا  الشعب السوداني على خلع ذلك التاج، ويا عقلاء الأمه، لا ينبغي أن نراهن دائماً بأن الشعب السوداني سيبقىَ استثناءاً، لذلك ندعو من بقي في ضمائرهم بصيص مشاعر من قيادات الإنقاذ إلى تحكيم العقل مره حيث ليس في كل مره تسلم الجرّة.   عبدالجبار محمود دوسه

 

13/4/2009 م

 عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.