منذ صدور قرار المحكمة الجنائية بتوقيف الرئيس البشير في الرابع من مارس الحالي ظل الجميع يتناول هذا الموضوع من زوايا عديده، وبقدر تعدد زوايا النظر تعددت الآراء، ولكن الغالب فيها تأثر بالحملة العاطفية التي انتظمت الساحة السودانية من حشود ومظاهرات رتّبت لها الحكومة منذ ما قبل صدور القرار، حيث أن الجميع كان على قناعه بأن قراراً سيصدر بغير ما تشتهي سفن الحكومه، بيد أن المفارقة بين ما نراه في الدول المحكومة بقانون الطريق اتجاه واحد، والتي تخرج مظاهراتها باتجاه واحد أيضاً حيث انه ليس مسموحاً بغير ذلك، خلافاً لما نشاهده في الدول التي تتوافر فيها طرق بكل الإتجاهات فتخرج فيها التظاهرات بكل الأصوات.
كثيرون يحاولون تعصيب بصر الناس حتى لا ينظروا للحقيقة بكامل بصرهم وبصيرتهم لشيء في نفوسهم، ولا يتأتى بأي حال من الأحوال تغييب الحقيقة عن البصيرة حتى لو تم تعصيب البصر. لأن الثانية تستمد قوتها من المنطق بينما تعكس الأولى صورة عاطفية تحّركها دوافع لا تخرج عن ثلاث، فالذين يوصفون ما قام به المدّعي الجنائي الدولي السيد (أوكامبو) بأنه كذب وافتراء لا يخرجون عن ثلاثه تصنيفات.
 الصنف الأول ربما يعتبر الذين قُتِلوا في دارفور بأنهم اختاروا الإنتحار بمحض إرادتهم وأن الذين انتهوا إلى معسكرات النزوح واللجوء الخربة إنما ذهبوا إلى هناك في رحلات سياحية. والصنف الثاني من الذين يؤيدون ارتكاب مثل هذه الجرائم ولا يتورعون من ارتكابها إذا كانوا في مواقع مسئوليه. والصنف الثالث لسان حالهم يقول أن أهل دارفور يستحقون الإبادة التي ارتكبت بحقهم. كل هذا يتم في وضح النهار ودون مراعاة حتى لمشاعر الضحايا.
بعض الذين يكتبون ما زالوا عندما تُعجزهم الحجّة وتؤرق مضاجعهم الحقيقة يعزفون على انغام يعتقدون بأنها تزيل عنهم ما تفعله فيهم وعثاء الحقيقة إن جاز أن نسمها بهذا الإسم ليهربوا ولو لحين عنها. نورد هنا بعض ما جاء في كتابات هؤلاء: (بالنسبة لنا بصفتنا سودانيين ومسلمين وعرب، فإن المهمة الأولى هي تبرئة ساحة الإسلام والسودان من هذه التهم التي شوهت سمعة البلاد ) وجاء ضمن تلك الكتابات أيضاً ( ومع ذلك فإن حذف تهمة الإبادة الجماعية من قائمة التهم تشير إلى أن أحد أبرز دعاوى المدعي العام لم تجد حتى القبول المبدئي عند قضاة المحكمة. ولا شك أنه لو تم امتحان بقية التهم أمام محكمة حقيقية فإن عدداً آخر منها قد يتساقط، خاصة إذا تم استجواب الشهود واختبار أدلتهم ) هؤلاء لم يفسّروا لنا لماذا تمنع الحكومة تواجد المراسلين الإعلاميين للقنوات الفضائية ووكالات الأنباء والإذاعات في ساحة المعركة حتى ينقلوا الحقيقة للمشاهد تماماً بالصوت والصورة كما يحدث في غزة والعراق وغيرها بحيث يستطيع حتى المشاهد الوقوف بنفسه على ما إذا كانت الطائرات التي تقصف القرى والمدنيين هي طائرات تابعة للحكومة او طائرات تابعه للحركات وأن القوات التي تقتل وتغتصب تابعة للحكومة أو للحركات، ويشاهدوا سيارات الإسعاف وهي تنقل الضحايا ومن ثم يتمكن الجميع أيضاً من الوقوف على أعداد القتلى والجرحى ونسقط بذلك دعاوى الشهود المفترى عليهم. إذا لم يكن الخوف من الحقيقة فماذا نسمي ذلك. ومع علامات الاستفهام التي تتشكل من العبارات التي تحتها خطوط ودون الخوض فيها فإن شكليتها تشرح مضامينها ومقصودها بالسودان الذي يدعو البعض للحفاظ عليه.
الذين يتحدثون عن جرائم ارتكبت في العراق وفي غزه من قصف بالطائرات وغيرها ويطالبون بمحاكمة الرئيس الأمريكي السابق بوش ورئيس الوزراء الإسرائيلي اولمرت حيث يحمّلونهم المسئولية لا غبار على دعوتهم، فقط عليهم استصحاب الإتفاقيات التي وقّعتها تلك الدول مع آخرين تتيح لها محاكمة مواطنيها لديها ونحن نعلم بقدرتها كحكومات ديموقراطيه منتخبه على محاكمة الذين يتجاوزون من قياداتها حتى وإن كانوا مسئولين، وفي قدرة الشعب على معاقبتها من خلال صناديق الإقتراع، ونعلم كذلك الحرية الإعلامية المبسوطة هناك والتي تشكّل أقوى أداة للمراقبة ولعل ما حدث للرئيس الأسبق نكسون خير شاهد من الأمثله.
أما الذين يتحدثون عن الكيل بمكيالين فإن دعوتهم متقاصره وفيها هوى، فبينما يتحدثون هناك بتلك اللهجة الذين نجدهم يصفون ما جاء به اوكامبو بأنه كذب وادعاء وافتراء ولا يقبلون أن يتحمل رئيس الجمهورية مسئولية ذلك. القصف بالطائرات على المدنيين في غزة جريمه لكنه في دارفور غنيمه. هؤلاء يجب أن لا يتحدثوا عن الكيل بمكيالين. ونقول للذين يرفضون دخول المجتمع الدولي لتحقيق العدالة أن يحققوا العدالة الوطنية حتى يكونوا بمنأى عن التدخل وحينها جميعنا نقف في صف واحد ونرفض تدخّل المجتمع الدولي. أما أن يذهبوا في طريق من وقفوا ضد تدخّل أمريكا لإخراج صدام حسين من الكويت بالجعجعه، نقول لهم لو لم تتدخل أمريكا لبقيت الكويت المحافظة التاسعة عشر في العراق ولأصبح السودان اليوم المحافظة التاسعة والثلاثين في العراق، واللبيب قادر على فهم الدولة التي يمكن بالكاد أن تنجوا من بين دول الجامعة العربية. أو لعل بعض المجعجعين ما زالوا يحتفظون في جعبتهم بما تبقىَ من جعجعه للتصدي لحديثي هذا.
بكل المقاييس العرفية والمنطقية والشرعية والقانونية، علاوة على التجربة الإنسانية عبر العصور تأتي العدالة أولاً والسلام ثانياً، والعدالة شقّان وقائية وعلاجيه، فالعدالة الوقائية هي الحكم بالقسط بين الناس بحيث يشارك الجميع في ممارسة السلطة من خلال من يكلفونهم إنابة عنهم بالوسائل والآليات التي يرتضونها جميعاً وذلك لا يتأتى إلا في ظل نظام ديموقراطي وحريات مبسوطه، كما توزع الثروة بحيث لا تكون حصرية في (المثلث) كما يحدث، وإنما توزع الثروة على السودان كله، وخارطته بأي حال من الأحوال ليست مثلثاً ولا مربعاً ولا مستطيلاً ولا حتى دائره. أما العدالة العلاجية فهي تأتي بعد وقوع المحظور من جور السلطة وغياب العدالة في توزيع الثروة وهي الحالة الراهنة الآن في دارفور. تجاوز هذه الحالة يمكن من خلال الإعتراف ثم تقديم استحقاقات المصالحة التي تتعلق بشقها العام بتطبيق الإتفاقيات التي وقّعت بحذافيرها وفق فصولها المترتبة على فروض السلطة المخصصة والحزمة التنموية المصممة لخلق التوازن، والترتيبات الامنية المؤمّنة للإستقرار الملازم، وليس بالإلتفاف كما يحدث الآن حيث توقفت اتفاقية ابوجا عند محطة 8% مصحوبة بتصريحات كبار المسئولين من المؤتمر الوطني بأن أهل دارفور قد نالوا أكثر مما ينبغي، بما ينم عن إصرار ليس في المفاهيم الكامنة في الصدور وإنما ضعف الإرادة وضعف القدرة وغياب الحياء حتى على إلجام طفحها. بيد أن السلام العادل والشامل خطوه موازيه وفق المعايير التي سبق أن تم الإتفاق حولها. وأخيراً ضمن حزمة العدالة العلاجية تأتي المحاكمات الوطنية متسابقة مع جهود تسامح الضحايا وفق إرث الأعراف والشرائع. ثم بعد كل هذا يأتي السلام وهو في هذه الحالة يصبح سلاماً عادلاً وشاملاً ودائماً. إذاً العدالة كما بيّنا تسبق السلام، والحال في دارفور ليس استثناءاً.
إذاً ما يتم الآن من تهييج وحشد وتجييش ووضع الآخرين (قولاً) تحت ( الجِزم)، مع اعتذاري لإيراد مثل هذه اللغة في مقالي، في الواقع لا يحرك شعرة في رأس الذين يعرفهم الجميع بأنهم يطبّقون مثل ذلك القول فعلاً بل ويتجاوزنه بإخراج بعضهم من داخل (الحّفر). الذي يفيد في هذه المرحلة الحساسة من عُمر الوطن بعد كل ما حاق به خلال عشرين عاماً يتلخص في جملة اجراءات.
الإجراء الأول وقبل كل شيء هو:- أن يقال أو يقدّم الوزير أحمد هارون استقالته، ويتبعه الرئيس البشير باستقالته، ومعالجة ذلك وارد في اتفاقية نيفاشا، الإصرار على نهج الرؤساء الذين يأخذون الرئاسة بشكل حكري بحيث لا يفصل بينهم وبينها إلا الموت نهج يعبّر عن خواء الأمّة بأكملها من كل شيء.
جميعنا يعلم أن ثمة خلاف بين الحركات في الرؤى الايدلوجية ولكن الخلاف الشائن يقوم على أنصبة في السلطة، اعترفوا بذلك أو أنكروا، وقد ينبري البعض مستنكراً هذه الحقيقه ولكن الإنبراء يبقىَ كبضع كلمات تتبادلها الشفاه وبضع أحرف تخطّها الأقلام لا تقدم ولا تؤخر في بقاء الحقيقه. معالجة مثل هذا الأمر لا يتم إلا من خلال منبر حوار دائم بينهم يؤكدون من خلال إقامته أنهم مؤهلون للمشاركة في السلطة ضمن الآخرين، يتناولون فيه هذا الأمر من كل جوانبه ويعالجونه استعداداً لمشاركتهم في السلطة أياً كان شكل المشاركه، والحلول لذلك كثيره ولكن ليس هذا مجالها.
الإجراء الثاني:- يقودنا إلى تقديم الأهم الذي هو بكل المقاييس الأوجب، والأهم هو ليس إصرار الحكومة على التفاوض مع الحركات إذا لم تتوحد، أو حتى التفاوض مع أقواها وفق رؤيتها. الأهم في تقديرنا هو دفع استحقاقات السلام في دارفور فيما يتعلق بالحقوق المباشرة للمواطن (بقرار) والمضي في إنزالها موضع التنفيذ، ومن ثم تذهب مع الحركات إلى محادثات ثنائية أو جماعية لبند الترتيبات الأمنية لمعالجة أمر قواتها وشقائق ذلك من وقف لإطلاق النار وخلافه. إتخاذ مثل ذلك القرار يحتاج إلى إرادة قويه تنهي الواقع الذي حتى الآن يؤكد بأن المؤتمر الوطني يزاود على مصير الوطن بتمسكه بأحادية السلطة عشرين سنة أخرى.
الإجراء الثالث:- يتعلق بتشكيل حكومة وحده وطنيه حقيقيه بمهام محدده لإدارة المرحلة الإنتقالية التي تُخرج البلاد من المأزق الذي ترزح فيه. حكومة بهذا الشكل يجب أن تُراعي الإلتزام بتنفيذ الإتفاقيات القائمة بشكل كامل وتبسط الحريات، وتؤجل الموعد المضروب للإنتخابات وتُحضّر لإنتخابات حرة ونزيهة مع نهاية العام 2010 م تحقيقاً للتحول الديموقراطي المأمول. يجب أن يعلم الجميع بأن دعوة الحفاظ على السودان كأولويه ظل قراراً أحادياً فوضع السودان الآن على حافة الهاوية، دعوة الحفاظ على السودان يبدأ بالحفاظ على من سيحافظون عليه، وهم المواطنون في كل بقاع السودان. بغير ذلك سيمضي التمايز الجهوي الحاد والذي وضعت حجر اساسه نُخباً سابقه ومضت الإنقاذ بتسارع في تشييد هرمه ويتحاشد الكثيرون للحفاظ على ذلك الهرم  وحينها لا ينفع الندم.
عبد الجبار محمود دوسه
11/3/2009م     

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.