ظللنا عشرين عاماً نردد كلمة الشرعية التي استباحتها الإنقاذ بانقلابها في 1989 ، وكيف   أن تبعات ذلك الإنقلاب قد قادت البلاد إلى قمقم قميء ليس من مثيل لحلاك ليله. وظلّت الإنقاذ طوال هذه السنين تصرف الغالي والنفيس من أموال الشعب لإصباغ الشرعية على انقلابها فلم تفلح، واصبحت صفة أنها وليد غير شرعي، طوقاً يتدلى على صدرها ويزداد بريقه توهجاً ولهيبه حرارة على جسدها مع مرور كل نهار وانقضاء كل ليلة. ثم عمّقت الإنقاذ الأزمة في جنوب البلاد بحملات أطلقت عليها من الأسماء ما تراوحت بين سيوف العبور والميل اربعين وغيرها من الأسماء التي ما أن مضت السنوات الخمس الأولى حتى تلاشت شكلاً وانكمشت مضموناً، ذلك لأنها لم تكن سوى شعارات ليس لرافعيها في كوامنهم سوى استغلال الشعب والدولة وكل مقدّراتهما للإستمكان بهما والإستكمان لهما لوأدهما كأبشع صورة من صور إنكار الجميل، كيف لا وقد تنكّرت الإنقاذ لشعاراتها واستبدلت بريقها بآخر محلّه، ليس سوى (القرش) بريقه ترونه وتسمعون رنينه بينما هو محبوس في (مخالي) الإنقاذ.

جاءت الإتفاقيات كما لو كانت قاطرة من مجموعة عربات تجرّها نيفاشا، تحمل في ثناياها آمالاً عريضة لتوفيق أوضاع الدولة السودانية في المرحلة الإنتقالية. وتوفيق الأوضاع الذي نشير إليه لا يستقيم عوده إلا إذا كان مبرّأً من الأهواء الذاتية ومعبّراً عن رغبة مشذّبة من أدران النفس، كما ينبغي أن يعالج جملة إعوجاجات نوجزها دون تفصيل في تغيير قناعة الإنقاذ في استمرارها بالسلطة الاحادية التي استولت عليها بليل وتعافيها من داء الإستفراد وفوبيا التداول السلمي للسلطة عبر الديموقراطية والتعددية في مناخ تشوبه الحريات المبسوطة بكل مضامينها. ومن جانب آخر تمتص غبن دارفور والشرق من حيث اختلال ميزان التنمية والمشاركة الفاعلة في السلطة بإعتبارهما أسوأ السيئين من بين أقاليم البلاد، عِلماً بأننا ندرك بأنه رغم مضي أكثر من عشر سنوات على تصدير البترول، ما زالت البلاد ترزح تحت نير التخلّف المدني، وليس أدل على ذلك من أن موجة أمطار عادية تُغرق الخرطوم العاصمة وتضعها حبيسة واسيرة تحت رحمة مجاريها وفيوضها. لكن الإنقاذ غلب طبعها تطبعها وبقيت تراوغ في تنفيذ التزاماتها، مراهنة على قدرتها وإرثها في التطبيق الكامل لمبدأ ( الغاية تبرر الوسيلة)، وهي في ذلك بلغت أبشع صورها، بدءاً بإعطاء كل شيء لكبار المجتمع الدولي بما لم يكن يحلموا به مقابل أن يتركوها لتستمتع بترهاتها الصورية التي تنعكس في عبارات يُراد لها أن تصّب في بعث الإنتشاء لدى المغيّبين معارفياً والمُساقين عاطفياً من عامة الشعب. كما ظلّت تُراهن على الزمن وعلى العمل على تغيير طبيعة الشعب السوداني المعروف عنه أن طبعه في الثورة على الدكتاتوريات عبر الإنتفاضات سيغلب أي تطبّع، بيد أن الإنقاذ قد أفلحت في استثنائية ربما قلّما تتكرر من أن تجعل التطبّع يغلب على طبيعة الشعب السوداني، وبالتالي تجعله طائعاً وخانعاً لقهرها.

وهكذا بدأت الإنقاذ مرحلة جديدة من عمرها حيث جعلت من الفترة الإنتقالية ملهاة في عروض النقض والنفض، وعمدت بالتالي على تفريغ مضمون التحول السلمي عبر الديموقراطية من كل محتوياتها، ووأد الإتفاقيات بالتراب الذي يهيله صانعيها بدراية أو غواية. وفي خضمّ كل ذلك كانت الإنقاذ تعمل بتأني وشراهة في آن واحد لاستدراج القوى السياسية المعارضة لابتلاع فرية الإنتخابات، فدخلت الأخيرة عمياء وهي لا تدرك بأنها إنما تحقن شرايين الإنقاذ بمناعة معنوية هي في امسّ الحاجة إليها في ظل اكفهرار المناخ الدولي وشرهه ونضوب معين الإنقاذ من القرابين، في وقت ما زال كبار المجتمع الدولي يكشّرون عن أنيابهم طالبين المزيد. كان لتلك الدفعة المعنوية مفعولها في تليين علاقاتها مع الولايات المتحدة وأخريات وذلك لحرص شركاء الإيقاد على الإستفتاء وبالتالي الوصول إليه عبر الإنتخابات، ولا بأس أن يأتي المؤتمر الوطني للسلطة على حصان مخضّب بتباريكهم تحسباً لأسوأ الأحوال، والحال كذلك فأسوأ الأحوال ليس سوى استفتاءاً تعتريه بعض الملاسنة الخجولة.

 فصّلت وخاطت الإنقاذ جلابية الإنتخابات على مقاسها من ( البوبلين)، وخاطت أخريات كما لو كانت ملابس المهرّجين من ( خيش) كناف أبو نعامه وقدّمتها للقوى السياسية، حتى إذا ما كان يوم الزينة حيث تُعلن نتائج الإنتخابات لم يعد للقوى السياسية سوى (الإنتحابات) على شرعيتها المسكوبة والتي تنازلت عنها وحؤّلتها بنفسها للإنقاذ الذي سيُخرِج يومها عَفرتة مشرعنة لم يشهدها التاريخ. حسناً استفاقت بعض القوى السياسية من غفوتها وأعلنت انسحابها من مهزلة الإنتخابات، بعض الأحزاب ما زالت تستهوي التعلّق بملافظ مبهمة وترهن مواقفها بحرف (لو) وفوق ما للحرف من معنى هو إمتناعية للوجود، نجدهم أكثر أملاً لحرف يضيف إلى سراب مضمونه ارتباط تفسيره بأنه يتم بقاموس الإنقاذ فأنّى يمكن أن تستجيب لشروط هذه الأحزاب، لهؤلاء نقول، عليكم بالمثل القائل أن تستفيق متأخراً خير من أن لا تستفيق أبداً، ومن هنا فهم مطالبون بقطعية القناعة بأنه لا أمل في أن يستجيب قادة المؤتمر الوطني بتعريض السلطة الأحادية المطلقة التي شبّوا وشابوا عليها لأي هزة، ناهيك عن أن تقوم انتخابات حرة ونزيهة يدركون سلفاً ومنطقاً وتاريخاً وإحصائية خسارة نتيجتها. العجب أن تختار تلك الأحزاب أن تُستفاق بضربة على الرأس. لقد قلنا من قبل أن تتمسك القوى السياسية بوجوب تشكيل حكومه قوميه محايدة للإشراف على الإنتخابات، وعلى المؤتمر الوطني أن يُري حينئذ علو كعبه في سباق تتوافر فيه معايير عدالة الفرص، وهو أمر ندرك بأن قادة الإنقاذ لن يذعنوا له حتى وإن كان فيه إخراج البلاد من أزمتها، ذلك ببساطة لأنهم هم الذين اختاروا إدخال البلاد في هذه الأزمة لأن ذلك يحقق مصالحهم وأن إخراج البلاد من أزمتها يعني دخولهم هم في أزمة. الآن ما زال أمام القوى السياسية أن تتمسك بهذا المطلب، وهو بلا شك صوت كل عاقل يريد للسودان أن يخرج من عنق الزجاجة الذي أحشر فيه وكل أمر جُلل يكمل استحكام حلقاته ثم يُفرج.

(أسكوت غرايشن) دخل ساحة دارفور ببراءة إطلالته وأضطراب حصيلته حول الأزمة، ولكن بلا شك من ورائه كل ثَقل الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ثِقل لا يحتاج منا إلى تعريف، كما لا يقلل منه أي إنكار، الظاهر في تحركات غرايشن منذ البداية يلحظ أن الرجل جاء باستراتيجيه واضحة هي التقرّب من النظام من خلال مدخل الإبتسامات التي تُخفي خلفها وتحمل في ثناياها قلق أمريكا من تأثيرات الأزمة الإقتصادية وتصاعد النفوذ الصيني في السودان عبر بوابة الإنقاذ، وبالتالي تنفيذ سياسة الإحلال المتدرج، هذه الإستراتيجية بالضرورة أن تأخذ في الإعتبار المعطيات التي توفرت لديه من خلال تعامله مع قادة رافضي أبوجا ومن ثم الخلاصات التي توصل إليها بما وضع أمامه طموحات ومرامي هذه القيادات، فضلاً عن قدراتها التي تتكيء عليها في تنفيذ تلك الطموحات وبلوغ تلك المرامي سواء في قدراتها العسكرية أو السياسية، وارتباطها الجماهيري في دارفور ومصادر تمويلها، وهي عوامل اساسية في الإستمرارية بفاعلية في ملعب الأزمة، ولعل غرايشن قد تيقّن بأن هذه العوامل تمضي في تضعضع متسارع لا سيما في ظل الرغبة الجامحة لكبار المجتمع الدولي في أن تمضي الأمور بسلاسة حتى بلوغ انفصال الجنوب، ولا يهم كثيراً في هذه المرحلة أن يتحقق للإنقاذ بعض الشرعية، وهو الشيء الذي جعله يميل كل الميل إلى جانب النظام، وهو ميل أثّرت فيه المعطيات ولم تقوده النوايا. ما زلنا ندرك بأن هوى أمريكا في اتجاه معاكس للإنقاذ حتى وإن ساقتها شهوة في التوقّف في (سنْدات) تبادل فيها المجاملات الخجولة مع النقيض بما يتيح المجال لبعض المصالح أن تعبر وقبول بعض القرابين، وهنالك فرق كبير بين الهوى والشهوة. لذا وجب علينا أن نقول للمبعوث الأمريكي (أسكت غرايشن) وأمض بصمت فيما أنت مأمور به حتى يدرك أبناء دارفور فك شفرة ترتيب الأولويات وإدارة الأزمة بشكل صحيح، وتستوعب قوى المعارضة الأخرى ما ينبغي أن يكون مدخلاً جديداً قادراً على استيعاب تجربة الإنقاذ بعد أن تحوّرت وتحولت إلى حزب سيكتسب شرعية المواصلة في السلطة بغض النظر عن صحّتها وكيفية التعامل معها من أجل مستقبل وطن اسمه السودان، وآمل أن لا ننتظر ذلك حتى يلج الجمل في سم الخياط. 

رافضي أبوجا الذين تفرّقوا بمرادهم تارة وبأطماع بعض الأفراد تارة أخرى، بدأ وكأن البساط ينسحب من تحت أرجلهم وهم عاجزون عن إيقافه وما أمرَّ طعم ذلك وهو علقم تتجاوز مرارته الحركات إلى كل مواطن من دارفور، حيث يستريحون تحت الدوحة الوارفة في قطر وقد أعيتهم الحيلة من أمرهم،  وأصبح حالهم كحال المحارب الذي خسر جيشه الحرب في معركة فاصله وتاه في صحراء بلا غذاء ولا ماء، يكابد مسيرته نحو أفق لا منتهى له وهو يُلقي عتاده على طول مسيرته لتخفيف ثقله أملاً في النجاة. أصبحت الدوحة هي أملهم، والحكومة التي أدركت بأنها ملأت الفراغات التي تركوها بدءاً بالميدان ووسط ثلة من الذين أضناهم النزوح وأرّقهم اللجوء وطواهم النسيان وكبّلهم الفقر وأرقدهم المرض ولفّهم الجهل، ثم تطبيع علاقاتها مع دول الجوار نزولاً عند شروط تلك الدول، وخاتمة بخطب ود كبار المجتمع الدولي بدفع الثمن الباهظ. كل ذلك في سبيل أن لا ينتزع أهل دارفور حقوقهم، وأن يبقوا حيث أرادت لهم. تلك هي دائماً أولويات الإنقاذ تجاه دارفور. لقد نبّهت إلى أن هذا المصير آت إذا لم يت إدراك الموقف في مقال كتبته قبل ما يقارب من عام تحت عنوان ( شبح نمور التاميل يهدد ثورة دارفور) وها نحن نعيش إرهاصات قدوم ذلك الشبح، بيد أننا يجب أن نكرر دائماً بأن الطريق إلى المعالجة تبدأ بالإعتراف بالفشل في إدارة الأزمة، العجز في كبح جماح الشهوات النفسية المتمثلة في الإستفراد بالرأي في إدارة شئون الحركة وحب السلطة والمال والضعف أمام وعود السراب التي يطلقها قادة الإنقاذ مرصّعة بالمغريات الزائفة، وفوق كل ذلك إسقاط المنهج العلمي في إدارة المؤسسات داخل الحركات. وإذا كنا اليوم قد بلغنا من أمرنا عسراً فليس أبلغ من أن نسعى لننتهي بأمرنا رشداً ولكن بتأني وعقلانية ورويّة. ذلك يتطلب تقييم التجربة واستيعاب دروسها والثمن الباهظ الذي دفعه شعب دارفور ومن ورائه الشعب السوداني، فالأزمة ستبقى بمسماها ( الأزمة السودانية في دارفور) وبالطبع مع وجود خصوصية التناول لأبناء دارفور ينبغي أن يتمدد التناول ليشارك في ذلك كل الحادبين على بقاء سودان واحد يرون فيه مستقبل أجيالهم الباهر، ووطن قادر أن يكون عضواً فاعلاً في محيطه الإقليمي والأسرة الدولية.

3/4/2010

Abdul Jabbar Dosa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]