تمر الأزمة السودانية في دارفور بأكثر مراحلها تعقيداً، فبعد أكثر من سبع سنوات منذ استنشاط الأزمة عبر الثورة المسلًحة التي استجابت لدعوة النظام حينما قال بأنه لا يتحاور إلا مع من يحمل السلاح، تدخل الأزمة الموغرة في القِدم والتي تعود إلى الأيام الأولى من الإستقلال، تدخل نفقاً حالكاً من الظلام، لا سيما في ظل إصرار النظام بعدم تغيير مفهومه لمقتضيات المعالجة التي لا تستوي ولا تستقيم ولا تنجح إلا بتوفر ثلاثه عوامل اساسية لأي إتفاقية. هذه العوامل هي العدالة والشمول والديمومة، أي ينبغي لأي معالجة أن تتضمن اتفاقاً عادلاً وشاملاً ومن ثم دائماً. فأي اتفاق لا يستجيب لمقتضيات هذه المضامين، يبقى اتفاقاً ولكنه خطوه وليس ( شبحه) والشبحة هنا لمن لم يعهدوا المفردة في مخاطباتهم وفي خصوصية أدبهم اللغوي الشعبي، نعني بها مضمون الإتفاق الذي يتأسس على الركائز الثلاثة آنفة الذكر.

لا بد أن نؤكد بأن المواطن في دارفور قد بلغت به المآسي الحلقوم، ولم يعد قادراً على تحمّل المزيد، وحالة كهذه تقود صاحبها إلى التخلي عن ثوابته والتمسّك بكل قشة تنتشله وتعيده إلى اليابسة أولاً، تماماً كحال الغريق الذي لا يفرّق في الذي يمسك به لإنقاذه ما إذا كان يداً قوية أو جذع شجرة أو قشة، سيما وهو يدرك بأن المركب التي كانت تنقله قد كثرت فيها الثقوب وهي ماضية إلى غرق، وتعلمون أن المركب هي الحركات التي رفعت شعارات استرداد الحقوق في ظل دولة اسقطت عن كاهلها مسئولياتها المُعبَّر عنها في كل المواثيق الضميرية والعرفية والإجتماعية والدستورية والقانونية، وباتت رهينة في يد لوبي يحكمها وفق الأمزجة ويديرها على هوىَ النفس، مما جعل الوطن كله على شفا جرف هار يمضي بتسارع ويتدحرج نحو الإنهيار.

المجتمع الدولي كما أسمتهم نيفاشا وأبوجا وأعني بهم مجموعة الشركاء المتمثلين في الدول المؤثّرة، وهي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والسويد والنرويج وهولندا وكندا ومعها المنظمات الدولية والإقليمية المتمثلة في الامم المتحدة والإتحاد الأروبي والجامعة العربية، والرعاة وهم المكلّفون بإدارة المفاوضات كإيقاد في حالة نيفاشا والإتحاد الأفريقي في حالة أبوجا والمشترك بين الأمم المتحدة والإتحاد الأفريقي في حالة سِرت والدوحه ودول الضيافة كتشاد ونيجيريا وليبيا وقطر، ودول الجوار وهي مصر وتشاد وليبيا وإريتيريا. هذا الزخم الدولي والإقليمي كان فيما مضى يتقمّص دور الحكم الذي كان محقّاً في قراراته تجاه أطراف اللعبة، في حين ظلّ النظام يجأر ويشتكي قائلاً بأنها قرارات منحازة للحركات، مع حقيقة علم النظام بحجم (الفاولات) التي كان وما زال يرتكبها. لا بد أن يتّفق معي الجميع في أن أصل دور المجتمع الدولي لا ينبغي أن يتجاوز ذلك باعتبار الأطراف هي المعنية أولاً وأخيراً بمعالجة الأزمة ولكن في ظل إصرار من يملك القوة بفرض رؤيته  يجد تدخّل المجتمع الدولي مبرره، بيد أننا لا يمكن أن نُسقط تداخلات المسئوليات التي تفرضها المواثيق الدولية التي تفرض هي الأخرى متى يكون للمجتمع الدولي دوراً في أزمة ما وبأي حجم. في الآونة الأخيرة نجد أنه وتحت تداعيات قدرة الحركات على التماسك وتحصين كياناتها وضعف هيكلية خططها الإستراتيجية، وضبابية رؤيتها السياسية، تحوّل المجتمع الدولي إلى لاعب مساند للنظام، ومستجيباً أيضاً لنداء ذاته في تأمين مصالحه، وذلك يقتضي منه العمل على وجود نظام ممسك بالأمور في عجز الحركات من أن تؤسس كياناً قادراً على فعل التغيير، وزهود الحركة الشعبية والجنوب واختيار الخيار الأفضل والأسهل وهو الإنفصال.

ربما كان لرهان النظام على الزمن ثماراً يعناء تواصل قطفها، بيد أن قدّها المستطعم بهذه الثمار ما زالت قامة هيفاء، فالنظام قد استغل كل امكانيات الدولة وسخّرها في تفتيت قدرة الحركات وإحالتها إلى رُكم تنتظر الإزبال. ولم يكن لذلك أن يتأتى بالطبع فيما إذا توفر لدى الحركات قدر من الإنفكاك من حبائل النفس والذات والترتيب الصحيح للأولويات في ظل متغيرات متسارعة للعوامل المحلية والإقليمية والدولية وقدرة على التعامل في إدارة الأزمة. والحال كذلك، ليس غريباً أن ينحاز المجتمع الدولي تحت رغبته في إنجاح استفتاء الجنوب بالنتائج المتوقعة له وانصياعه لمصالحه في الدولتين القديمة والجديدة إلى تثبيت النظام الذي يعلم أنه مجرم  يتقمص دور الضحية لطالما رضيت الضحية أن تلبس رداءاً رمادياً لا يعبّر عن شيء. 

السلام هدف ليس عليه خلاف، والعمل من أجله ليس محل مزايده، ولكن تتباين الوسائل والآليات، وتختلف الإستراتيجيات المتّخذة حيال ذلك، وبين هذه وتلك تتفاقع فرعيات كثيره ليس أقلها الخطابات السياسية للأطراف. والسلام وهو يتأتى بعد نزاع بين أطراف، إما أن يتحقق عبر انتصار طرف في الحرب العسكرية واستسلام الطرف الآخر وبالتالي التوقيع على شروط مطلقه، أو عبر قناعة الأطراف في استحالة انتصار طرف بالوسائل العسكرية فيسود فهم الإنتقال إلى الحرب الكلامية عبر التفاوض، وهو ميدان آخر للحرب يقتضي توفر خطط واستراتيجيات وتكتيكات تُستخدم من كل طرف لبلوغ أفضل النتائج. ومع إدراكنا بأننا لسنا راغبين الآن في أن نغوص مع القراء في دهاليز هذه المفاهيم بكل تشعباتها العلمية والمنهجية والتجارباتية، فإننا نورد بعض الإشارات لجعل القاريء أقرب تفاعلاً مع ما نريد الذهاب إليه في قراءة الإتفاق الذي تم التوقيع عليه في انجمينا بين رئيس حركة العدل والمساواة الدكتور خليل إبراهيم ومسئول الحكومة السودانية عن ملف دارفور الدكتور غازي صلاح الدين، ثم أعيد إخراجه في الدوحة ولكن بتدرّج بروتكولي أقل (وليس تقليلاً من شأن الموقعين) بتوقيع الأستاذ/ أحمد تقد والدكتور أمين حسن عمر، رؤساء وفدي التفاوض رغم حضور اربعة رؤساء دول، وهو إيحاء أصبغ على ما تم في قطر صفة الإتفاق النهائي رغم تسميته بالإطاري.

إن ما ذهب إليه الناطق الرسمي لحركة العدل والمساواة الأستاذ أحمد حسين آدم حينما سئل في برنامج قناة الجزيرة عن أسباب التأخير لمراسم الحدث والتي تجاوزت اربعه ساعات تقود أيضاً إلى تلعثم يشوب الحقائق، حيث كانت إجابته بكل ما حملت من علامات الإستفهام والتعجّب بأنهم إنما كانوا يدققون في المصطلحات والتعابير والمعاني، وهو أمر كما نعلم لا يتم في الدوحة على أوراق تم التوقيع عليها بالأحرف الأولى من قِبل رئيس الحركة قبل أربعة أيام في انجمينا. بيد أنه يصبح أكثر استخفافاً بالعقول حينما يقال أن حضوراً دولياً ينتظر في قاعة المراسم الحية على الهواء لمدة أربعه ساعات، وأربعة رؤساء دول هم أيضاً ينتظرون في صالة مجاورة حتى تدقق الحركة في إثني عشرة بنداً هي كل المحتوى المنشور على الأقل حتى الآن من نصوص الإتفاقية. رب قائل يريد أن يذهب بعيداً فيُصدق الناس بما قاله الناطق الرسمي بأنهم خلال الأربعة ساعات كانوا فعلاً يدققون في العبارات والمصطلحات ويقارنون النسخ، وهذا يتطلب أن يلغي المراقبون العقل وينحازوا لماماً إلى جانب المبرر القائل بأن ما تم توقيعه في انجمينا هو الإتفاق الإطاري، وأن ما تم توقيعه في الدوحة هو الإتفاق النهائي رغم المنقلب البروتكولي لذلك، ولا ضير إن قيل فاليتجاوز الجميع غفراناً خيانة التعبير للناطق في وصفه للحال ووصمه لخاتم المآل وأستصغاره لنهج بروتكولي يتواجد فيه رؤساء دول في مثل هذه الأحوال.    

التصريحات التي تلت توقيع الإتفاقية من مختلف الذين لهم صاع في القضية كلها تذكّرني باجواء ما قبل وبعد توقيع أبوجا، لا سيما تلك الصادرة من الحكومة بإصرارها بأن السلام قد اصبح الآن حمامة تحبسها في قفصها وتطلقها ترفرف وهي مقيدة بخيط تتحكم في مداه. كيف لا وهي تُلقي بعصاها التي تحوّلت إلى تنين ولقفت أقوى حركة عسكرية تماماً كما كانت حركة تحرير السودان بقيادة الأستاذ مني أركو مناوي يوم توقيع أبوجا وقيل يومها أن الحرب انتهت في دارفور، بيد أنني أقولها بحزن وهي الحقيقة المرئية والمعايشة بأن حركة تحرير السودان بقيادة الأستاذ مناوي تقبع الآن داخل قفص النظام بمثابة حمامة مقصوصة الجناحين دون خيط يقيدها لأنها لا تقوىَ حتى على التحليق.

لكن الأكثر إستثارة للريبة تجدونه في اللغة التي استخدمها أكثر من مسئول في الحكومة من قيادات الإنقاذ ومن مقدمي برامج ومذيعي التلفزيون القومي، حيث يصفون التوقيع الذي تم هذه المرة بأنه توقيع (حقيقي) ليس غريباً أن يفضح لسان حالهم وينبش دواخلهم بأن التوقيعات التي تمّت سابقاً إنما كانت زيفاً لأنها لم تكن متبوعة بالنوايا، وهي نوايا لا تعرف للقادم الجديد أي حقوق سوى الإنصياع. تُرى هل تقودنا الأحداث إلى الربط بين علاقات العناصر، لا سيما الرابط الأيدلوجي والتنظيمي السابق الذي يجمع بين قادة حركة العدل والمساواة وقادة النظام الحاكم، أم تُرىَ بزوغ شمس تأثير القناعة الثنائية بين الحكومة التشادية والحكومة السودانية في فشلهما على رهان التآمر المتبادل من خلال الدعم المتناظر للمعارضة وبالتالي نزولهما عند خيار التطبيع الكامل الذي يقتضي إلجام المعارضين بشكل نهائي واستخدام الفيتو الذي يملكونه تجاههم، وهو أمر خطت فيه الحكومة التشادية خطوة متقدمة بإقناع حركة العدل والمساواة على قبول التوقيع على اتفاقية في إنجمينا في زمن قياسي دون أي ضمانات سواها، وهو أمر يقف على النقيض مما ظلّت تتبناه الحركة من ضرورة أن يتوفر لأي اتفاق تدخل فيه الضمانات الدولية اللازمة، والذاتية المتمثلة في بقاء جيشها في الخرطوم طوال فترة التطبيق، والأخيرة سبق أن أشرنا بها إلى رفاقنا السابقين في حركة تحرير السودان كشرط لنجاح ابوجا لكنهم آثروا غيره وما استبانوا النصح إلا ضحى الغد، ولما كانت الحكومة لا تزال متمسكة بمفاهيمها ونظرتها نحو الآخرين، فإن نجاح أي اتفاقية لا يستقيم بدون بند بهذا النص والمضمون والتطبيق. وهو ما لم يرد في نصوص الإتفاق الإطاري الموقّع في انجمينا والدوحة، وهو ما يقود أي محلل بأن يذهب في تقدير توجّه حركة العدل والمساواة في أنها إما سائرة مُرغمة على درب النهاية التي أصابت حركة تحرير السودان بقيادة الأستاذ مناوي، أو راقت لها حِكمة عدنا والعود أحمد في ظل تضعضع الخيارات. وفي كلا الحالتين يدعونا ذلك إلى إضافة حسرة جديدة على سابقة على نضال تمضي نتائجه بما لا تشتهي سفن دارفور.

نحن ندرك بأن عوامل ضعف أي إتفاقية تتمثل في افتقارها لستة عناصر اساسية، وبالطبع هناك عشرات من العوامل الفرعية لكنها في غياب الاساسية لا تمثل أهمية، لكننا في ظل طموحاتنا في أن يتحقق ذلك السلام العادل والشامل والدائم، نعيد ذكر تلك العناصر الستة التي جعلت من أبوجا قاعاً صفصفا ونسياً منسيا رغم اشتمال إعلان المباديء الذي سبقها بعام على كثير من تلك العناصر. دعونا نقرأ في متون اتفاقية انجمينا الدوحة ولنرى إن كانت تحمل من ذلك شيئاً. العناصر الأساسية والضرورية في تقديرنا لنجاح أي إتفاقية هي:

       موافقة كل الحركات على التوقيع عليها.

       مخاطبة كل الحقوق الرئيسية.

       الصياغة المحكمة في المفردات والمضمون والتأويل.

       صدق نوايا الأطراف وأولها الطرف الحكومي باعتباره الذي يرد الحقوق.

       الجداول والآليات الواضحة والمفصّلة.

       الضمانات القويه للتنفيذ.

وحيث أن ما نُشر حتى الآن ما زال لا يعدو عن كونه إعلاناً للمباديء كسابقيه نصوصاً ومضامين، إلا أنه بتطبيق العناصر بعاليه عليه، نجد أنه يفتقر إلى ثلاثه عناصر وهي العنصر الأول والثالث والسادس، بينما يصعب الحكم على العناصر الثلاثة الأخرى لأنها تتعلق بالإتفاق النهائي الذي نفهم أنه لم يتم التفاوض فيه بعد. لعله من نافلة القول أن النجاح دائماً يتأتى بدراسة اسباب الفشل السابق إن كان موجوداً والإستفادة من دروسه، وطوال السنوات التي قاربت الأربعة والتي تلت اتفاقية أبوجا، ظللنا نشير إلى الحركات بأنه بالضرورة بمكان وهي التي ترفع شعارات سعيها لتحقيق أهداف الإنسان في دارفور، أن تعقد ورش عمل مشتركة مع موقّعي أبوجا للإستفادة من الدروس، إلا أن تلك الدعوة لم تجد أذناً صاغية وكأن بنا أمام حقيقه واحدة هي أننا كشعب سوداني لا نختلف في مفاهيمنا لأدب الخلاف إن كنا من دارفور أو الشمالية أو الشرق أو الوسط سواء كنا في الحكومة أو في المعارضة، فكما يقولون ( رأسنا ناشف) وتلحظون أنني لم أذكر من الجنوب لأنني أعتبر عودة د. رياك مشار ود. لام أكول بعد كبوتي اتفاقية فشودا والخرطوم فهماً متقدماً من الجنوب في العودة إلى الصواب عندما عادوا ومضوا في النضال مع الراحل د. جون قرنق حتى تحقق ما أرادوا، بيد أن د. لام أكول عاد وأختار أن يُلدغ من الجحر مرات ومرات، وها نحن نعايش أنه بعد ان استخدمته الإنقاذ ثم لفظته حسيراً مكلوما لا يطال بلح الشام ولا عرديب الرنك بعد واقعة المجلس الوطني والإجازات المتبادلة للقوانين.

رغم الترحيب الذي يصبح الإنطباع الأول لكل اتفاقية توقّع من أي شخص يعيش ماساة دارفور إلا أن العبرة ليست في عدد الإتفاقيات التي أنجزناها منذ (أبّشي) وحتى الدوحة، وما زلنا ننتظر اتفاقاً إطارياً آخر مع المجموعة التي اندمجت في الدوحة تحت مسمّى ( حركة التحرير والعدالة) وهناك مجموعة رفضت هذا وذاك تتحسب طريقاً مغايراً ربما يفضي إلى مولود جديد بمسمى جديد ويبحث عن اتفاق إطاري آخر. ويبقى الأستاذ عبد الواحد محمد نور مشروعاً اخيراً لمسلسل الإطاريات والإتفاقيات. وإنما العبرة في ماذا أحدثت هذه الإتفاقيات من تعزيز إيجابي لوضع الإنسان في دارفور وفي بلاد اللجوء، والذي ما زال يرزح في معسكراته معايشاً ذلاً وهواناً ستبقى آثارهما سنين عددا، وهو لا يملك سوى أن يتمسك بحبل السراب الذي نسجته الحكومة وتناولته الحركات على امل تقييد أبقار ما زالت في رحم الغيب. لقد جُبلنا على تمجيد الاشخاص لا الأفعال، وهكذا تفرّق الإتفاقيات بين الناس في دارفور، حيث تجد لكل موقّع إتفاق (أنصاراً) يتحسبون مواقعهم، بينما تبقى الأغلبية من أهل دارفور (شيوعية) ليس لها من تستنصره. ومع احترامي للجميع لا أقصد بالطبع للكلمتين بين الأقواس سوى المعنى اللفظي اللغوي البحت وليس المعنى والمضمون الأيدلوجي. 

لقد تقازمت طموحات إنسان دارفور كثيراً بفعل دبائب اليأس التي سرت في دواخله، وبدا وكأنه يبتعد كثيراً عن حقوقه الكبيرة وهو يرى أبوجا وقد انتهت إلى انشراح في نفوس البعض والإكتفاء بالجزئية التي تحققت منها في شكل مناصب ووظائف هي اصلاً جزء من حق، وها نحن اليوم نرى أن الدوحة تمضي في طريق التقازم حيث يقتصرها البعض في زغرودة أطلاق سراح أسرى كانت الحكومة قد حبستهم وحكمت عليهم بالإعدام زوراً وبهتاناً بينما من الأصل أن تتم المطالبة برد شرفهم وفق الأعراف الإجتماعية والقانونية، وأن إطلاق سراحهم رغم أنه يزيل قدراً من القلق الذي ظلّ عاتماً في نفوس أهليهم ويعيد إليهم البسمة إلا أنه لن يُعيد بالطبع أرواح من مضوا منهم مستشهدين في سبيل القضية. لا يختلف إثنان في أن رائحة الطعام مهما كانت متواضعة إلا أنها تستهوي شهية الجائع، وهو أمر يختلف كثيراً عند الشخص الذي شبع، والحركات اليوم هي أمام رائحة اتفاقيات بالنسبة لهم هي أكثر من طعام شهي، بينما كانت ستكون غير ذلك إن هم استفادوا من دروس أبوجا وتملّكوا ناصية القضية وأجادوا إدارة الأزمة من زاوية أن المصالح الذاتية تتأتى بقدر أكبر عندما تتحقق المصلحة العامة.

قطر التي سعت بكل ما تملك من أجل أن تسجّل نصراً جديداً لها في ردم الهوّة بين الفرقاء، وحتى تذيب جبال الجليد التي كانت تسدّ الآفاق بين السودان وتشاد وبين الحركات وبعضها، لا يستقيم عقلاً أن نحلل دورها دون أن نذهب في مسالك القائلين بأنها بسطت يدها لهم واستوفت مناهمهم، لا سيما ونحن ندرك بانها تملك من الدواء ما يحلل عقدة كثيراً من الألسن ويشدد وثاقهم إلى جذع دوحتها، ولا ضير إذا أدركت الحركات كيف تتمسّك بأهدافها وتدير أزمتها. ولعل في هذا الإتجاه نثمّن ما اعلنه سمو أميرها بخصوص إعمار دارفور الذي جاء تحت مسمّى إنشاء (بنك لإعمار دارفور) وهو وإن لم يكن منحة مباشرة، لكنه في كل الأحوال كالقرض الذي يملك خصوصية التوصيف والتمييز عن باقي البنوك باعتباره موجّهاً لإعمار دارفور. ونأمل أن يكون الحال افضل عما لحق بوعد المشروعات المليارية التي سبق أن تعهدت الهيئة القطرية للأعمال الخيرية بتبنيها إنابة عن قطر الرسمية والتي سلمّناها للسلطات القطرية وطلبنا منها طرحها في عطاءآت لشركات قطرية داخل قطر لتقوم بتنفيذها في دارفور واستلام حقوقهم في قطر دون الحاجة إلى تحويل أي مبالغ لصندوق إعمار دارفور لكنها لم ترى النور رغم مضي ثلاثه سنوات عليها. ولعلي في ذلك أُلقي باللوم على الحكومة التي سارعت إلى السلطات القطرية وأحبطت المشروع وظلّت حريصة ووفية لعهدها في أن يخفق القادمون الجدد في إنجاز أي شيء للمواطن، ولكن لا بأس أن تعينهم إن ارادوا أن يتخموا أنفسهم بما اشتهوا، وألوم أنفسنا حيث لنا من عدم المثابرة على المحاولة لعل قطر تتيح مساحة من الإستعداد للشرح بشكل افضل ولعلها تنتقل خطوة في اتجاه فهمها الصحيح للقضية من زواياها الأخرى. 

مع كل ما نأمله ونتمناه من أن تضيف الإتفاقيات خطوة في طريق السلام المنشود أياً كانت، ونحن ندرك أنه ليس كل ما يتمناه المرء يدركه إلا أن ذلك لا يمنع من أن نأتي في مقال آخر لنعقد المقارنات من حيث النصوص والعبارات والمضامين لإتفاق انجمينا الدوحة الإطاري الذي يتضمن وقفاً لإطلاق النار مع ما قبله من إعلانات المباديء والإتفاقيات الإطارية وغيرها من الإتفاقيات التي حملت مسميات أخرى لقضية ما زالت تتقاذفها الأهواء من إطار إلى كار، مدركين أن النظام سيمضي في غيّه غير آبه لطالما تنسّم عبيق الإنعتاق من ضغوط مرحلة كان فيها أقرب من النزول عند رغبة الشعب من حبل الوريد. إن قراءتنا لمآلات الأمور تقول أن حزمة الإرادات التي توحدت بين المجتمع الدولي والمحيط الإقليمي تعطي مؤشّراً واحداً هو أنه لن تكون هناك جولة مفاوضات للوصول إلى اتفاق شامل، وإنما يُكتفى باتفاقيات الإطارات إلى ما بعد استفتاء الجنوب، ونأمل أن نكون مخطئين في هذه القراءة. وإذا كانت سرور النظام قد انحصرت في أمانيه الدائمة بإخضاع الأمور لرغباته وليس لحقائقها فإن ما أعلنه رئيس النظام من أن الحرب قد انتهت في دارفور ربما جاءت بعباراته لكنها في ظل اعتماد النظام على اتفاقيات الإطارات المثقوبة التي بلغت ثمانية بما تم حتى الآن في الدوحة، ليس من معنىً آخر لذلك الحديث سوى تأجيل الحرب للأجيال القادمة.

عبد الجبار محمود دوسه

27/2/2010     

 

 

 

Abdul Jabbar Dosa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]

\\\\\\\\\\\\\\\\