ربما لا يتوفر للكثيرين من أهل دارفور دقائق المعلومات التي يمكن أن تمكّنهم من الإلمام الكامل بتشعّب قضية التنمية بإعتبارها أحد أبرز الأسباب لاندلاع الأزمة السودانية في دارفور، ويتعاظم هذا الإفتراض حجماً ونوعاً بعد توقيع اتفاقية أبوجا والتي تم توقيعها من طرف واحد من بين ثلاثه أطراف كانت تتبنى وجهة نظر دارفور المحكومة والمظلومة والمطالبة بتنمية متوازية مع المعايير التي تضعها أي حكومة راشدة وتبني عليها خطط واستراتيجيات التنمية، وفرضية التعاظم تقوم على أن الأطراف التي كانت تقف في الجانب الرافض للإتفاقية سواء من الحركات أو من القوى الحزبية أو حتى من القطاعات الجماهيرية المحبوسة في معسكرات النزوح واللجوء، تتزايد بشكل متسارع. جميعنا يدرك بأن مشاهد ما بعد أي حرب تترك من الآثار ما يتوافق مع حجم ونوع تلك الحرب ودور أطرافها، ولما كانت الحركات قد انتفضت مسلّحة مستندة على خلفية الظلم الذي أصاب دارفور، فقد كان طبيعياً أن يتجاوب المواطن معها ويدعمها، ومن ثم فمن الحكمة والفطنة أن يذهب تفكير أي فرد في أن الحكومة هي صاحبة المصلحة الكاملة في حرق وتدمير تلك القرى وتشريد قاطنيها وإجبارهم على الخيار الوحيد وهو التوجه نحو معسكرات اللجوء والنزوح، ويأتي فهم الحكومة في ذلك من منطلق قطع الطريق أمام قدرة أؤلئك المواطنين من دعم الحركات بإفقارهم وتحويلهم إلى محتاجين في أنفسهم، وبالتالي فالمسئولية الكاملة لإعادة بناء هذه القرى، من الطبيعي أن تتحملها الحكومة، وهي فوق كونها مسئولية إلزامية، تتبعها بلا شك المسئولية الأخلاقية والإنسانية أيضاً.

لقد جاء في اتفاقية أبوجا ضرورة إقامة مؤتمر دولي للمانحين كان من المفترض أن ينعقد في نوفمبر 2006، تحت رعاية هولندا، و قد تم الإتفاق أن يسبق المؤتمر إعداد الإحتياجات التي تتطلبها دارفور لمرحلة ما بعد الحرب في مساقي الإغاثة والإنعاش ثم التنمية من خلال بعثة مشتركة للتقييم سُمّيت آنذاك بالبعثة المشتركة لتقييم احتياجات دارفور والمعروفة اختصاراً ب (JAM) Joint Assessment Mission وقد سبق أن استرسلت عن ذلك في سلسلة مقالات كتبتها تحت عنوان " ويسألونك عن الإعمار والتنمية في دارفور" نشرت في صحيفة ( أجراس الحرية) وفي المواقع الإلكترونية، وبالتالي فلن أسهب فيها وإنما فقط تجيء هذه الإشارة ليتمكن القاريء من ربط المواضيع مع بعضها.

مؤتمر المانحين الدولي تم تأجيله تحت ذريعة أن السلام في دارفور ليس كاملاً وبالتالي فهو وحتى الآن رهين عملية السلام الجارية. انعقد في العام 2007 في الخرطوم مؤتمر المانحين العرب من اجل إغاثة دارفور ذلك المؤتمر الذي نبعت فكرته من مبادرة حركة تحرير السودان آنذاك وتغوّلت حكومة المؤتمر الوطني على مفاصلها بالإعداد للمؤتمر باستبعاد آليات الإتفاقية الممثلة في صندوق دارفور للإعمار والتنمية ومفوضيات السلطة الإنتقالية الاخرى ذات الصلة. والحقيقة أن الحكومة كانت تريد أن (تشحد) بقرعة دارفور لكنها تريد استغلال تلك الاموال لأغراض أخرى غير إغاثة وإعمار وتنمية دارفور. وحتى اليوم لا أحد يدري حصيلة ذلك المؤتمر الذي قيل حينها أنها بلغت 250 مليوناً من الدولارات، ولعل ما صرّح به الاستاذ/ مني أركو كبير مساعدي رئيس الجمهورية قبل أيام حيث قال " أن الأموال التي تدفع من قِبل المانحين لصالح الإقليم تذهب للدعاية الإنتخابية للمؤتمر الوطني" أبلغ دليل على ذلك.

لقد سبق أن ذكرت في مقالات سابقة بأن زيارات وفد السلطة الإنتقالية إلى كل من ليبيا وقطر والمملكة العربية السعودية في العام 2007 من أجل إنعاش روح التعهدات السابقة لتلك الدول بدعم إعمار وتنمية دارفور قد تبعتها زيارات مباشرة عقب عودة الوفد لمسئولين كبار من الحكومة بغرض محو آثار تلك الزيارات حتى لا يكون للسلطة الإنتقالية أي يد طولى في أي شيء لصالح مواطن دارفور عبر تمددها خارج الحدود واستقطاب الدعم الدولي من القنوات الثنائية مباشرة إلى آليات السلطة الإنتقالية، بعد أن سدّت أمامها المصادر الداخلية بعدم دفع التزاماتها الداخلية والواردة في الإتفاقية، وقد سعت الحكومة إلى تقييد السلطة ووضعها محبوسة في زاوية قاصية لا تُظهر من صورتها للمواطن سوى الملامح الشائهة. وهكذا نجحت الحكومة في مخططها وساعدها في ذلك الذين يدرون والذين لا يدرون من منتسبي السلطة الإنتقالية الكبار ممن كانوا يشكّلون (الكورس) لأغنياتها.

وضمن محاولاتها ايضاً سعت السلطة الإنتقالية آنذاك بالإتفاق مع منظمة المؤتمر الإسلامي لعقد مؤتمر مانحين للدول الإسلامية لصالح إعمار وتنمية دارفور، وبدأ الصندوق بالإعداد لذلك المؤتمر مع مفوضيات السلطة ذات الصلة وانعقدت مجموعة اجتماعات مع وفود للمؤتمر الإسلامي والبنك الإسلامي للتنمية في هذا الشأن وتم تحديد موعد انعقاد المؤتمر في يناير 2008 بحيث يكون في ماليزيا باعتبارها ترأس المنظمة آنذاك ثم تم تعديل مقر المؤتمر ليكون في المملكة العربية السعودية وتأجل الموعد ثلاث مرات، وها نحن نسمع الآن بأن المؤتمر سينعقد في مارس 2010 في شرم الشيخ في جمهورية مصر. كعادتها حكومة المؤتمر الوطني وبإدراكها بأن صندوق دارفور كان جاهزاً بمشروعاته منذ وقت مبكّر فقد عمدت إلى عدم الإلتزام بالأموال المخصصة في الإتفاقية، وسعت إلى تعطيل إي مساعي لاستقطاب دعم خارجي لإنفاذ تلك المشروعات، والسطو على القليل الذي أتى من الخارج، كما آثرت إلى إفشال كل ذلك بالعمل على تأجيل المؤتمر في كل مرة ولأكثر من عامين، وهي بالطبع تدرك أهمية المراهنة على عامل الزمن في استراتيجيتها لتفريغ محتوى رؤى الحركة الموقعة ورؤى تلك التي لم توقع، ولعل دلالات التوقيت الحالي لانعقاد المؤتمر في مارس ومع إدراكنا بأن ريعه لن يذهب لإعمار وتنمية دارفور كسابقيه، إلا أنه بالطبع ليس بعيداً مما قاله كبير مساعدي الرئيس (مناوي) ومن ثم فإنه سيذهب بلا مرية  لدعم حملة المؤتمر الوطني في الإنتخابات رغم الضباب الذي سيتركه هذا التقاطع في ذهن المراقب الحصيف من أن الإنتخابات اصلاً محسومة.

لقد سعت حكومة المؤتمر الوطني وما زالت تسعى إلى إيهام الشعب في دارفور باستخدام المساحة الإعلامية التي تتربع فيها بكاملها في كل وسائط الإعلام المفترض فيها القومية وأولها شاشة القناة السودانية تستغلها بعرض صور شائهة للدعاية الرخيصة للإنتخابات المحسومة أمرها طوعاً أو كرهاً بعرض بعض برامج مصحوبة بالكثير من التعليق للمساهمات المتواضعة لبعض المنظمات الخيرية من الداخل أوالخارج والتي تبني نصف مدرسة أو تحفر بئراً في قرية نائية أو توزع ماكينات للحياكة بعدد أصابع اليد الواحدة أو تقدم إجلاساً لفصلين في مدرسة ما أو تقدم قافلة من اربعة شاحنات من المواد الغذائية أو حتى تبني مركزاً للرعاية الصحية، تصورها على أن التنمية تجري في دارفور على قدم وساق، وهي لا تدري بفعلها ذلك أنها تضحك على نفسها عندما تسمّي ذلك تنمية، بل وتعمل على تحويلها إلى دعاية بخسة لتقدم نفسها لاكتساب الشرعية الإنتخابية. التنمية التي ينبغي أن تعبّر عن استراتيجيات وخطط وبرامج ومشروعات، تختزلها في هذا الفهم المتواضع، وما تفعلها الحكومة لا يعكس إنعدامها للفهم ولكن يعكس سوء نواياها تجاه دارفور. بيد أننا نثمّن مجهودات تلك المنظمات الخيرية مهما كان حجم ما تقدمه، لكونها تعلوا بنواياها الحسنة ودعمها المعنوي الذي لا يقاسان بأي مقياس ولا يزنهما اي ميزان. وحيث أن الحال كذلك، كيف تنسى حكومة المؤتمر الوطني بأن آخر نسخة مطبوعة في ذاكرة الشعب لرصيدها بعد عشرين عاماً يشتمل على أبرز المشاهد المتمثلة في ثلاثة ملايين نازح ولاجيء ومشرد داخل المعسكرات، ومئات الآلاف من المقابر الجماعية في دارفور، وثلث مساحة الوطن سينفصل بسكانه بعد عام، وفقر أصاب أكثر من 95% منهم، وعدد من قادتها وفي طليعتهم رئيس جمهوريتها مطلوبين للعدالة الدولية في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة في رعاياهم، والمجاعة التي بدأت نذرها تهيمن على دارفور، ودولة جاء ترتيبها الثالث بعد الأخير من بين 197 دولة في سلّم  ترتيب الدول لقياس الفاشل. كيف بالله عليكم أن تتجرأ لتقدم نفسها لذلك الشعب بأن يمنحها شرعية إنتخابية لاربعة سنوات أخرى بعد أن اضاعت عليه عشرين عاماً، وبماذا يمكن أن نسمّي مثل هذه الجراءة؟ بل ما الذي يجب أن يفعله شعب لمثل هذه الحكومة غير أن يُجازيها بقدر ما فعلت، ولا احسب أن الشعب نفسه يريد أن تُجازيه الإنسانية فيما إذا تناسى هو وتجرأ وأعطى شرعيتة الإنتخابية لمثل هذه الحكومة لا سيما بعد أن رضيت الأحزاب بأن تشارك في (الاوركسترا) غير عابئة بأن تسقط في الفخّ المنصوب لها وهي تراه.

عبد الجبار محمود دوسه

6/2/2010

Abdul Jabbar Dosa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]