"إستكانوا"... كلمة واحدة لكنها تعبّر عن جملة مضامين ومعاني هي في الحقيقة غاية الوصف للإنهزامية والإستسلام، عنوان قابل لأي موضوع بشرط أن يكون متعلقاً بطرف لا يقوى على الصبر وليس له في الصمود نصيب وله قابلية على إسقاط شعاراته في الإمتحان الحقيقي وفي المواقف الحاسمة، أي بمعنى أكثر وضوحاً هو التخلي عن القدرة على تأكيد المقارعة بنفس الوسائل والآليات.  الكل يدرك بأن العزيمة كلمة عصية التشبث بها بالنسبة للأفراد الذين تلين قناتهم بمجرد مصادمتها لنوازع الذات المجرّدة، لا سيما في القضايا العامة التي تتطلب توفر تلك الصفة وخاصة في الظروف الحرجة التي إن لم يتم التعامل فيها بالحصافة والثبات على المباديء والمواقف، ينهار كل جدار معنوي تبنيه مجموعة منظّمة في كيان إجتماعي أو سياسي وتتبعثر أي قيمة مواقفية يفترض في كل ذي حق التمسك بها، وما يتبع مثل هذا الإنهيار لا يخرج عن كونه عنواناً للفعل الذي دائماً ما يخالف القول، ليس لكل ذلك علاقة بأي مفهوم للواقعية حتى لا يذهب البعض بعيداً في الإنحراف بتقييم المعنى والمضمون أو حتى باستيعابه.

هل كانت الأحزاب التاريخية تلبس النضال قناعاً طوال فترة مجابهة الواقع الذي فرضته الإنقاذ بانقلابها في 89 وقد جاء وقت إزاحته الآن باعتبار أن التبرّج السياسي يسود في ممارسة الإنقاذ ولا حرج في اقتفاء أثرها لأنها البطلة، لا بد أن يكون الجميع في حيرة من أمرهم في فهم البعد السياسي للتراجع الذي ظلّت تسجله الأحزاب التاريخية منذ مجيء الإنقاذ للسلطة، فقد بدأت معارضتها قبل عشرين عاماً بأقصى سقوف المواجهة وهو اقتلاع الإنقلاب، وهم في ذلك يملكون الحق لأن الإنقلاب جاء ليحيل الحق العام الذي ينبغي أن تتنافس فيه كل القوى وتتقدم فيه بعدد الأصوات التي تنالها إلى حصرية وخصوصية لحزب واحد بقوة السلاح الذي يستخدمه، ثم تسارع التراجع بعودة قيادات تلك الاحزاب بعد (جيبوتي) و(جده) وها هي الآن تمضي بالتراجع بعد (جوبا) بعد أن اوقدوا بريق أمل شحذنا همته لكنه لم يُعمّر. نحن أمام مملكة  حرف (الجيم) التي نراها وقد افتتنت بمضمون التراجع.

ما من حزب إلا وبلغ القناعة بأن مقومات ومقتضيات التحول الديموقراطي والتداول السلمي للسلطة مثلها مثل حِزمة الحِراب التي يستعصي كسرها، فالحزمة التي تتضمن خمسة حِراب أساسية ممثلة في مجموعة قوانين إطلاق الحريات ومعالجة الأزمة السودانية في دارفور واحترام الدستور نصّاً وعملاً وتطبيق الإتفاقيات الأربعة القائمة في كل بنودها وتشكيل حكومة قومية محايدة لإجراء الإنتخابات في ظلّها، نجد أن الإنقاذ ممثلة في المؤتمر الوطني قد فككتها واحالتها إلى حِراب شتات وبدأت بكسرها واحدة تلو الأخرى حيث بدأت بالإحصاء وانتهت بقانون الإستفتاء وكلها فروع لحِزم اساسيه، وقد فعلت ذلك على مرأىَ من الجميع. وبينما هي تفعل ذلك، إكتفت القوى السياسية بمذكرات الإستنكار وتصريحات الإستهجان، ومن المعلوم أنه قد عُرف عن مثل هذه اللغة بأنها تزيد من رفع معنويات المؤتمر الوطني وتجعله أكثر إصراراً على المضي في غيّه، ليس غريباً أن تضطرب معايير رفع المعنويات، لأن جنس العمل هو الذي يحدد نوعيتها.

فجأة أسقطت الأحزاب عَصىً قوية بدأت بمحاولة استخدامها، ألا وهي عصى المسيرات الجماهيرية والتي ارعبت الإنقاذ كما لم ترتعب طوال العشرين عاماً الماضية وبدأ أن الأحزاب ولأول مرة تمسك بزمام المبادرة بشكل قوي، لا أدري ما الذي حدث حتى ينتكس الجميع باستثناء حزب البعث العربي الإشتراكي الذي ما زال ممسكاً بعهده ورفض خوض الإنتخابات التي بدت للجميع وكأنها فيلماً (بايخاً) ومعاداً ومع ذلك يصرّ البعض على دخول الصالة لمشاهدته. ليس هناك أكثر نصحاً من الكتابات الكثيرة التي نشرها الناصحون، بل ليس هناك أبلغ من التجارب والعِبر الحيّة التي تجلّت في دول قريبة وبعيدة عنا، وما بنا نذهب بعيداً ونُسقط أقوال وتصريحات زعماء هذه الاحزاب، فهي في القول أكثر ما يعبّر عن الإتّعاظ  ولكن مع ذلك ذهبوا في الفعل إلى خوض الإنتخابات وتعاموا عن بوائقها وهم يدركون أن نهايتها ستكون (إنتحابات) حيث لا ينفع الندم. كثيرون كتبوا وشرحوا بوضوح، ولعل بيان الأستاذ علي محمود حسنين الأخير في شأن الإنتخابات كان من الوضوح بحيث لا تخطئه بصيرة الأعمى ناهيك عن بصر الناظرين. الاستاذ علي محمود حسنين يصطفّ بكل تاريخه السياسي إلى جانب المباديْ. شاء أن يذكّر الأجيال بمواقف (الراحل الشريف حسين الهندي) في معاني الصمود من أجل استعادة الديموقراطية، صمود من لا تلين عزيمتهم مهما طال الزمان، لا نقلل من نضال أي فرد أو فئة ولكن نذكّرهم ببعض الأقوال البليغة في شحذ الهمم وتشجيعها وهي تعتبر عناوين بارزة للراغبين في النجاح. ذلك القول لرئيس الوزراء البريطاني (تشيرشل) إبّان الحرب العالمية الثانية، ولكن قبل أن أورد ما قال يجب أن أنوه إلى أنه سيخرج علينا أحدهم غداً وهو يرتدي قميص وبنطال وكرفتة وبدلة وحذاء من صناعه أوروبيه أو امريكيه أو حتى صينيه ويصفنا بأننا نقتدي بالكفرة الفجرة في أقوالهم وما إلى ذلك من الأقوال التي ظلّت تشدنا إلى الوراء كلما انطلقنا نحو المعرفة للحاق أو منافسة الآخر، علماً بأن ما يجب أن نفهمه أنه ليس للمعرفة دين ولا جنس ولا وطن ولا لغة لأنها حق مشاع للجميع ومن الجميع. أعود إلى (تشيرشل) حيث قال “Continuous effort – not strength or intelligence – is the key to unlocking our potentials      

"الجهد المستمر وليس القوة أو الإستخبارات هي المفتاح لإطلاق طاقاتنا أو إمكاناتنا أو قدراتنا" هذه هي الترجمة لما قاله ( تشيرشل) رغم أنني قد لا أجزم بصحّة ترجمتي من وجهتها المهنية لكنني أدرك تماماً بلاغة المضمون وعمقه المعنوي. لعلنا نستطيع أن نقول بأن أحزابنا التي تطرب لوصفها بالكبيرة قد آثرت أن تقف عند هذا المفترق الذي يكاد يعصف بالسودان الواحد واستسلمت لقدر أنها وإن وصفت بالكبيرة إلا أنها عاجزة عن أن تتحمل أمانة المرحلة واختارت دون ذلك من الأعمال صغيرها إيجاباً وكبيرها سلباً حين قررت الإشتراك في الإنتخابات وهي سلفاً تدرك أن بنيانها قائم على اساس (إنقاذي) يمهد الشرعية للإنقلاب. لعل أحزابنا استعادت ذكريات انتخابات 86 وكيف أن الثلاثة وهم حزب الأمة والحزب الإتحادي الديموقراطي والجبهة القومية قد اكتسحوها وأطاحوا بحزب الإتحاد الإشتراكي (تحالف قوى الشعب العاملة ) حزب حكومة مايو الذي ظل ممسكاً ستة عشره عاماً ثم انهار كجرف هار. لعل نشوة تلك الإنتخابات قد استعمرت بصيرتهم وظنوا أنه ما الذي يمنعهم من أن يكرروا المشهد على المؤتمر الوطني فهو لا يختلف عن كونه حزب حكومه دكتاتوريه تماماً كالإتحاد الإشتراكي ولن تغنيه العشرون سنة التي قضاها وحيداً في السلطة. لكننا فقط نذكّر أحزابنا بأننا نتّفق معهم بأن المؤتمر الوطني ليس سوى نسخة مستنسخة من أحزاب الحكومات الديكتاتورية خاوية المضمون وإن انتفخت أوداجها ولكن الفرق هذه المرة في أنه يمسك ( بالجوكر) والجوكر هو السلطة التي تصمم وتشرف وتنفذ وتعلن نتائج الإنتخابات وليست حكومه قوميه محايده على راسها الدكتور ( الجزولي دفع الله)، أليس هناك فرق؟ أم هي الإستكانة.

عبد الجبار محمود دوسه

25/1/2010       

 Abdul Jabbar Dosa [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]