نبدأ الحديث بتقدير الجهات الرسمية وغيرها التى  تواثقت على ترشيح  اربعة من  منظمات المجتمع المدنى التونسية لنيل جائزة نوبل للسلام لهذا العام وعلى رأسهم الرئيس التونسى قائد السبسى والشيخ راشد الغنوشى  فى مأثرة و سابقة نادرة .  وهو ترشيح  صادف أهله . وفوز مستحق . ونقول ان تقادم الزمن الكسول وهو يمضى رتيبا لم يستطع ولن يستطيع فى المستقبل أن  يطفئ من ذاكرة الشعب التونسى الجمعية  حكاية  الفتى محمد البوعزيزى الحزينة  الذى قرر فى لحظة يأس مؤلمة  مغادرة الحياة وفقرها وظلمها وعنتها مرة واحدة والى الأبد ، عندما غلبه أن يصبر على ذلك الظلم والفقر الممتد بلا نهاية فى شكل انظمة ادارية بلهاء . وعقول سلطوية صماء  جامدة واعين فاقدة للبصر والبصيرة ،ووجدان يحس اذا كان الجماد يحس . كانت صورة الاحتجاج الذى اقدم عليه محمد البوعزيزى كانت صورة  مرعبة وقاسية ، باقدامه على حرق نفسه بالناراحتجاجا على جمود  سلطة ادارية ساهية عن دنيا ( الناس اللى تحت ).

وكان بديهيا أن ينتفض الشعب التونسى ضد نظام زين العابدين بن على ،  ويزلزل الارض تحت اقدام الدكتاتورالذى لم يجد ما يقوله للشعب الغاضب فى لحظة انكساره الكبير أنه قد  ( فهمهم الآن ) لقد وضح جليا للذين كانوا يراقبون الاحداث المتفجرة أن ( فهم)  الدكتاتور لما كان يجرى امام عينيه  كان متاخرا جدا . وكان ناقصا جدا . وكان محدودا جدا. ولم  يكن كافيا لانقاذ النظام القمعى الذى اداره بعقلية امنية قاصرة وجامدة . بقية القصة معروفة ومدونة فى وجدان الشعب التونسى  وفى الاسافيرالمحلية والعالمية. كانت لحظة  هروبب الدكتاتورعلى عجل وترك مقعده خاليا ، كانت لحظة  درامية فارقة عكست القوة الكاذبة الخادعة  والغير حقيقية  التى كان  يتخفى  خلفها النظام الباطش . لقد ترجم  مواطن تونسى بسيط بجملة بسيطة كذلك، ليتناقلها الاعلام العالمى  بالصوت والصورة ويجعلها باقية فى قلب الاسافير المقروءة والمسموعة والمرئية :  لقد هرمنا  ونحن ننتظر هذه اللحظة.  نعم تتابعت الاحداث بتلقائية . وعدم تخطيط مسبق كما يحدث فى كل الثورات الفجائية التى يستولدها الغضب الفورى الجامح . و  مؤلما أن يسقط شهداء وضحايا ومظاليم فى لحظة انتصار الثورة وانكسار الدكتاتور وهروبه. وكادت الثورة أن تضل طريقها الى الفوضى العارمة  لولا قادة تونسيون افذاذ فوتوا على قوى الجمود والتخلف فرصة اهتبال  الفراغ الدستورى الناشئ عن هروب الدكتاتور وتهاوى نظامه بسرعة اذهلت اكثر المتوجسين من قدرته على الصمود الآثم . ولكن لم تفلح لا الاغتيالات السياسية ولا التخريب الأمنى المخطط فى أن  يهدد بقاء وصمود ونجاح  الثورة الوليدة  أو أن  يعيد الأمل المعطوب الى قوى الظلام من جديد . فقد  كبر الشعب التونسى الثائر على جراحه وضمدها بالصبر والعزائم المجيدة .و اخرج  من براثن العدم ممارسات ديمقراطية مجيدة صارت  محل تقدير المحيط المحلى والاقليمى والدولى وهو الشعب  الذى عاش كل عمره السياسى تحت  نظامين احاديين منغلقيين  بتجربة ديمقراطية  صفرية . لقد اثبت القادة التونسيون الجدد ، من سياسيين وتشريعيين  وتنفيذيين ، لقد اثبتوا  أنهم  كانوا فى مستوى الأمانة التى اوكلها اليهم الصندوق الانتخابى. واثبتوا للعالم أنهم جديرون  بتلك الامانة . وجديرون بالاحترام الذى نالوه . جائزة نوبل للسلام جاءتهم فى مكانهم ، تمشى الهوينا ! وجاءهم  التقدير المحلى والاقليمى والدولى.  وكذلك جاءهم الرضا العام . القومة و التهنئة والتقدير لمجتمع تونس المدنى  ولقادته الافذاذ الذين ما فتئوا يعطوننا الأمل من وسط ركام الربيع العربى ، ذلك الحمل الكاذب .     

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
////////!