للوهلة الاولى زعم المسئولون السودانيون المختصون أن سد  النهضة الاثيوبى سوف يرفد السودان بمزايا ومنافع كبيرة اقلها  الكهرباء الرخيصة . كان على رأس اصحاب هذا الرأى رئيس الجمهورية الجنرال البشير شخصيا . موقف الجنرال ذاك كان نقيضا للموقف المصرى الرسمى الذى ظل محوره الاساسى هو ان السد  يشكل خطرا ماحقا على البلدين اذا  نهار السد فى المستقبل . وان السودان سيتعرض للخطر النهائى غير القابل للتلافى .  حكومة  السودان تجاهلت هذه  الملاحظات المصرية الخطيرة  . واعتبرت التنازع المصرى االاثيوبى أنه شأن خاص بالبلدين ولا ناقة لها ولا جمل فيه . واعلنت  التزام الحياد بين الطرفين أو التوسط بينهما . الموقف السودانى اغضب الشعب والاعلام المصرى على حد سواء . ولكن الاعلام المصرى تعدى كل حدود و كال انتقادات حادة  للسودان خرجت عن الاسلوبالدبلوماسى المألوف فى تعبير الدول والحكومات عن آرائها  وخلافاتها. وانتهج  الاعلام المصرى اسلوب الشتائم العنصرية  والرسوم الكاريكاتيرية المهينة التى طالت حتى رئيس الحمهورية.

و لوحظ أن وزارتى  الخارجية والاعلام  السودانيتين انتهجتا اسلوبا مهادنا بصورة خاصة فى تصديهما لشطط الاعلام المصرى حين قالتا ان  السد  الاثيوبى  لا يشكل  اى   ضرر للسودان.  وان  السودان حريص كذلك على  ان  لا تتضرر  شقيقته  الكبرى  مصر  من  قيام  السد  الاثيوبى . لكن الموقف السودانى الرزين ذاك لم يشف غليل الاعلام  المصرى  المنفلت الذى استمر فى هجومه وتجريحه لمشاعر السودانيين واسهابه  فى  التهكم  عليهم .  و زعم  ان  السودان يريد  ان  يلوى  يد مصر فى  موضوع السد  الاثيوبى  حتى   تتخلى مصر له  عن  مثلث  حلايب وشلاتين وابورماد . وزير  الاعلام  السودانىطلب  من  مصر ان  تكبح  جماح اعلامها حتى لا  يتمادى اكثر فى استفزاز مشاعر  السودانيين . تصريح  وزير الاعلام  السودانى كان أول اشارة على نفاد صبر السودان آزاء حملة الاعلام المصرى ضده .

فى حين رأى الكثير من السودانيين  ان  حكومتهم وقفت الموقف الصحيح من  قضية  السد  الاثيوبى  ، إلا أنهم استهجنوا سكوتها على استفزازات الاعلام المصرى  لادراكهم أنه اعلام موجه ولا ينطق إلا عن الهوى الحكومى  الرسمى وان لم  يقلها صراحة .

الأن  حدث تطور سودانى لافت آزاء مشروع السد الاثيوبى تقوده شخصية علمية ذات اعتبارتمثلت فى شخص وزير الرى السودانى السابق المهندس كمال على الذى نشر معلومات سرية عن اعتراضات قويةضد موافقة حكومة السودان ابتداءا على قيام سد النهضة بطاقة تخزينية تبلغ 74 مليار متر فى حين ان دراسة امريكية  اكثر كفاءة اوصت ان لا تزيد الطاقة التخزينية للسد عن 11مليار متر مكعب . وقال الوزير المهندس أنه كان قد قدم اعتراضاته  تلك فى شكل مذكرات مكتوبة لرئيس الجمهورية ونوابه فى حينه . واعتبر موافقة السودان على قيام السد بالشكل المقترح كارثة قومية سيتضرر منها البلدان فى توافق ملفت مع تحذيرات الخبراء المصريين الذين توقعوا ان يختفى السودان من على ظهر البسيطة اذا انهار السد فى يوم من الايام. افادات وزير الرى السودانى السابق يبدو انها لمست اوتارا سودانية حساسة وحركت اهتمام جهات علمية ذات جدارة ودعتها لكى تنحاز الى موقف الوزير المهندس مما قد يشى بأن  موافقة السودان على قيام السد بشكله المقترح الحالى كان عملا متسرعا وأن هذه الموافقة قد تتعرض الى مشاكل تشريعية فى البرلمان السودانى. موقف وزيرالرى السابق المصادم للموقف السودانى الرسمىسيبهج الجانب المصرى لا شك . ويغضب الجانب الاثيوبى . صحيح ان أى حراك ضد السد الاثيوبى الآن ينطبق عليه القول الشهير : الجس بعد الذبح. لقد  تأخرالاعلان عن هذه المخاوف الجدية كيرا. مع ذلك ستولد هذه المخاوف الجدية مطبا سياسيا  كبيرا للحكومة السودانية . وستفتج كوة جديدة للحكومة المصرية  التى ظلت تعمل ضد قيام السد بشكله المقترح من تحت الطاولة وبقوة شديدة . يتمثل المطبالسودانى فى حقيقة ان اثيوبيا قد قطعت شوطا بعيدا فى التنفيذ يصعب معه التراجع . بينما يصبح استمرار الموقف السودانى المؤيد لقيام السد بعد هذه الاعتراضات امرا مكلفا سياسيا و مثيرا للقلق وللتجاذبات السياسية الحادة فى المستقبل القريب لاسيما أن البحث جار الآن على قدم وساق عن مخرج انتقالى للازمة السودانية  قد  يحدث الكثير من المراجعات الجذرية اذا نجح المحتحاورون فى تاسيس الانتقال المطلوب .فى الوقت الحاضر هناك اسئلة مهمة تنتظر الاجابة : كيف تمضى العلاقات المصرية السودانية اذا تجاهل السودان الرسمى  تحذيرات بعض المختصين السودانيين تجاه مخاطر السد على مصر والسودان . كيف تمضى العلاقات  السودانية الاثيوبية اذا تراجع السودان عن تاييد المشروع الاثيوبى فى الساعة الخامسة والعشرين . الموقف المصرى تجاه السودان سيدخل مرحلة العداء المكشوف. اذ انه من المعروف ان الماء بالنسبة لمصر هو  ليس فقط خط احمر ، انما هو خط شديد الاحمرار. نفس الموقف المصرى المتشدد سيحدث مع اثيوبيا وبصورة اقوى .كيف يتعامل السودان مع الموقفين المصرى والاثيوبى . وماهى قدراته لمواجهة كل  الاحتمالات.

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.