مقطع  روائي



***   يعوى  مكبر  الصوت  فى  الطائر  الفخيم  يحمل  صوت  المضيفة  الرخيم    ينوب  عن  الكابتن  فى  تبليغ  التهنئة  للمسافرين  معه  بسلامة  الوصول  الى  المدينة  الاكبر فى عالم  المدن  قاطبة ، مصحوبا بتمنياته  أن  يراهم  مسافرين  معه  فى  مرات  قادمة . تحية  و تمنيات  روتينية  لا  يحس  فيها  المتلقى   بحميمية  صادقة . كم  عدد  المرات  التى  كررت  فيها  المضيفات  الجميلات  باصواتهن الرخيمة  مثل  هذه  الامنيات  الزائفة  على  اسماع  المسافرين   منذ   صنع  الاذكياء  من  البشر  وسيلة  الطيران  فى الفضاء . وصنعوا  لها  بالتزامن  هذه  التزويقات  اللغوية  الناعمة  من  باب  التظرف  المصنوع .  لابد أنها  الوف كثيرة   من  المرات  .  أو  قل  عشرات  الملايين  منها . يهمه  من  الأمر  انه  وصل  المدينة  التى  تبهر  العالم  بضخامتها  وعنفوانها  المتجدد  وألقها  غير  المتناهى  . يكفيها  أنها  قدمت  للعالم  المنفلتين  فى  كل  ضروب  الابداع  الانسانى ،  وجملتهم  ،  بما  فى  ذلك  اساطير  حى   هارلم  التى  لا  تخضع  لنواميس  العد  و الحساب .  دشّ  فى  المدينة  التى   لا  تعرف  النوم ،  و هو  سكران  لط  من  النعاس . فتح  عينيه  المتعبتين  برهق  شديد . اخذه  الاندهاش   و هو  يحدق  فى  قسماتها  المدهشة . واصل  النظر بانبهار . تكاد  الجلبة  تشرط  صميم  اسماعه . هذا عالم  غير . هؤلاء  اناس غير . صباحهم  و مساؤهم  غير . عالم  لا  يشبه  عوالمه  فى   البوادى  عموم  . تحديدا  لا  يشبه  عوالم  دار  محارب  عموم .  ولا تشبه  ارضه  الارض  التى  اطلق  فيها  صرخة  ميلاده  الاولى  فى  ذلك  اليوم  الخريفى  الراعف.  بدأ  إذن  فصل  المحنة  الأول . محنة  فراق  الربوع  البسيط  اهلها  ،  الذين  لا  يعرفون  الصخب .  و لا التقعر  فى  الحديث  ،  أو  فى الامانى  الممطوطة.  رحلة   الحياة  القصيرة  يقطعونها  بالعشرة  النبيلة ،  والتبسم  المفرط  فى  وجه   الاكدار  الطارئة . ما عندهم  من  خير  هو ملك  متاح  للجميع  اذا  الجأتهم  الحاجة  اليه  . يعطونه  عن  طيب  خاطر . لا يكتبون  تعاملاتهم   او يشهدون  عليها  صغيرة  كانت   ام  صغيرة . تكفى  عندهم  ايماءة  الرضا  العام  .  لا يحتاجون  كاتبا  يكتب  لهم  ما  يقررون .  لا يعرفون  طريق  البنوك   وهم  الاثرياء  الذين  يشرط  اسماع  الامكنة  خوار  ثرواتهم   الحيوانية ، و يخنق  غبارها  الفضاء  اذ  تغدو  و تروح .  هذا عالم  غير . ملبسه  غير . مشربه  غير .   وسمته  غير . حتى  صلوات  اهله  غير. ديوكه  المعلوفة  لا تؤذن  عند  الفجر  الصادق  كما  تفعل  ديوك  البوادى  عموم  غير  المعلوفة . ترك  ذلك  العالم   وراءه  وجاء  الى  عالم  غير  و فى  قلبه  حنين  و رجاء .  حنين  الى  ذلك  الجلال .  والرجاء  فى  أن  يعود  اليه  ،  يقتسم  مع   المرهقين   الحزانى  ما  يحملون  فوق  كواهلهم   من  الضنى  العام .  عالمان  نقيضان  لا  يلتقيان  فى  شئ . فى  صباح   اليوم  المقدس  ،  صباح  الجمعة  بالتحديد ،  شدته  المفارقة .  الناس  فى  البوادى  عموم  يتسابقون   نحو  مساجد  الديرة . كل   يروم  مكانا  فى  الصف  الأول ، تحسبا  ليوم  تشخص  فيه  الابصار .  و الناس هنا  يتسابقون  نحو  اماكن  اللهو  البرئ ، وغير البرئ. كل  يروم  متعة   قصيرة  الأجل . يومان  فقط  فى  الاسبوع .  يقضون  فيها  ساعات  قليلة  للاستراحة  من  وعثاء  وجودهم  الشاق . ابناء  لحظتهم   الراهنة  هم . لا  يهمهم  من غدهم  الا  ما   يوفرون  من  المال  القليل  الذى  يطعمهم   فى  محال  الوجبات  السريعة  ،   يقضمونها  على  عجل  ثلاث  مرا ت  فى  اليوم . و اجرة  السكن  غير  المريح  ،  كستبانة  ضيقة  على  أى  حال  . شدته  المفارقة  اكثر : ناس  مسرعون  فى  خطوهم  كأنهم  يلاحقون  غزلان  البرية  الشاردة  فى  ديار اهله  فى   البوادى  عموم . و اناس  منهمكون   ومنكبون  فى  اشيائهم  الخاصة .  الواحد  منهم  لا  يرفع  ناظريه  عما  يحدق  فيه  من  اشياء . لا  يحدث  بعضهم  بعضا . سواء  أكانوا  مكدسين  فى  الأماكن  والمرافق  العامة . او  فى غيرها . هذا  يدس  عينيه  فى  كتب  ومقروءات  يحملها  فى  حقيبته  الصغيرة  التى  لا تتدلى  من  كتفيه  فى  كل  الاوقات . وذاك  منهمك فى  تلفونه  الجوال  ،  يصطحبه  معه  فى  حله  وترحاله  اكثر  مما  يصطحب  اطفاله . خرج  من  هذا  المنلوج  الداخلى  الذى  تسور  وجدانه  منذ  خرج  من  جوف  الطائر  الفخيم  واندس  فى  هذا  الطوفان  البشرى  المتلاطم . عاد  يحدث  نفسه :  صارت  بعيدة  عنه  البوادى  عموم .  وصاروا  بعيدين عنه  الناس  الذين  يألفهم  القلب  قبل  العين.  وصارت  بعيدة  عنه  عائشة ،  الأخت  الأم ،  التى  جلست  تربى  الصغار  وقد  رحلت  الأم  قبل   الأوان . لم   يكن  متاحا  لها  أن  تكون  فى  جحفل  المودعين  فى  المطار الشائخ  فى  ذلك  اليوم  . اكتفت  بالدموع  و الدعوات  الحانية  أن  لا يكون  ذلك  الفراق  هو الفراق  الابدى  الذى  تتحسب  منه  كل  نفس  بشرية ،  و تعرف  أنه  قادم . استمر فى  منلوجه  المكتوم  : لماذا  فعلت  بهم  الذى  فعلت .  يعرف  أنهم  لا يطلبون  منه  اعتذارا  أو  اجابة  . يريحه  هذا. و يعزيه . ويطمئن  اليه .  يكفى  أنهم  لا يطلبون  منه  اعتذارا.  يعرفون  أن  سجيته  البدوية  التى  نشأ  عليها  لم  تمكنه  من  ممارسة  الصبر  على  المذلة  والهوان . أو أن  يمتهن  الانحناء  طمعا   فى  ذهب  المعز ، أو  خوفا  من  سيفه .  لملم  أشياءه ، وأوراقه  ،  وضم  اليه  أهله  وسار بهم  فى  فضاء  الله  الواسع  بلا  تدبر غير  التدبر الذى  يكفله  الخالق   للنفس  البشرية  التى  هو خالقها  ومطعمها  وساقيها ، وآخذ  بناصيتها .  ضرب  بهم  نحو هذا الصقع  النائى  حيث  لا  قريب  و لا أنيس .  ولا معين . كان  متيقنا بإن  الذى  خلقهم   لن  يضيعهم  فى البرية. سيأكلون  يوما  و يجوعون  يوما . قطعا أنهم   لن يجوعوا  فى كل  الاوقات . ترك  لهم  الجمل  بما  حمل . واقبل  نحو هذا  العام  المجنون   الصاخب  المسرع   يحمل  معه  كرامته  وعزة  نفسه . ما  جدوى  ان  تكون سفيرا   ويتجهمك  طفل  دبلوماسى  يتصور انه  امتلك   الدنيا  فى  معية  القادرين   وتمكن منها . أن  يترك  الانسان وراءه  عالما  زاخرا  بالحياة   وخميلا  زاهيا   ليبدأ  حياة  صفرية  هو العقاب  الاكبر  الذى  لا يحتمله  جميع  البشر .   وهو  القسوة  المفرطة  التى  يقدر  عليها  بعض  بنى  البشر  فى  بعض  الاحيان ،  و لكن  ليسوا  كلهم   جميعا .  و ليس  فى  كل  الاوقات . النفوس  البشرية  لا  تتساوى   فى  الرضا  العام .  قطعا هى  لا  تتساوى  فى  الرضا  بالاستصغار . قال  لا  فى  البوادى  عموم .   وقال  لا  فى  البلد  الذى  جاءه  بخليط  من الاحلام  و الاوهام  . حلم  الكرامة  وحلم  العيش  الكريم  .  قبض  هذه  وفقد  الاخرى . قبض  كرامته وراحة  البال .  وفقد  راحة   الجسد . رفض  عروضا  جذابة  يسيل  لها  اللعاب.   كانت  عروضا  محفّوفة  بمخاطر الانزلاق  الكبير . فضل  سهر  الليالى  فى  مكاتب  الطرق  السريعة ،  يؤدى  فيها  عملا  شاقا  باجر قليل .  ومخاطر  كثيرة .  والعمل  فى  مكاتب التمويل  المركزى ،  و  فى  مكاتب  المؤسسات  الثقافية  بإجور ضئيلة ،  لكنها  مأمونة  المظهر  والجوهر. و لا ئقة  فى  الاطار  العام . و  ذات  رونق أخاذ . اليها .  أبى  أن  يتزلف  منظمات  الاحتيال  العالمية  التى  تسمى   نفسها   منظمات  العون  والغوث  العالمية .  الذين  عاشوا  فى  اصقاع  الدياسبورا  علموا  وعرفوا  حجم  الافتراء  والكذب   الذى  تحمله  هذه  الالقاب.  وليس الصق  بها  من   وصف  الشاعر العربى القديم   :
القاب  مملكة  فى  غير  موضعها    كالهر  يحاكى  انتفاخا  صولة  الاسد


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.