الحكومة  السودانية   ضاق  صدرها  بإعلان  باريس  الموقع  بين حزب  الأمة  القومى  السودانى  والجبهة  الثورية  السودانية المكونة  من عدة  فصائل  مسلحة  فى  الثامن  من اغسطس  الجارى ،  رغم  أن  الاعلان  جاء  تحت  مسمى   وقف  الحرب  و تحقيق  التحول  الديمقراطى  فى  السودان . بالطبع  ما  من  احد  يمكن  ان   يتوقع  ان  يقبل  النظام   الذى  نام  على  عسل  السلطة  لربع  قرن  من  الزمن  دون  ان  يتعرض الى  تهديد  حقيقى  خلال هذه  الفترة  الطويلة  اذا  استثنينا  ثلاث  محاولات  خطيرة  جرت  ضد  النظام    كادت  تودى  به.  ونعنى  بها  محاولة  انقلاب  23  رمضان  من عام 1990. وعملية  (الزراع  الطويلة)  التى  دخلت  فيها  قوات  المرحوم  دكتور  خليل  ابراهيم ، رئيس  حركة  العدل  والمساواة ،  الى  قلب  العاصمة  السودانية   فى  رائعة  نهار العاشر  من مايو 2009 . ثم  انتفاضة   سبتمبر 2013  التى  انفجرت  فى  العديد  من  المدن  السودانية   يوم   رفعت  الحكومة  الدعم  عن  سلعة  الوقود  الأمر  الذى  أدى  الى  ارتفاع  اسعار السلع  بنسب  كبيرة   تفوق  قدرة  الطبقات الشعبية  ذات  المداخيل  المحدودة .  اعلان  باريس  الموقع   بين  حزب  الأمة  و الجبهة  الثورية  مرشح  لأن  يحدث  جلبة  سياسية  كبيرة . وأن  يحرك البركة السياسية  السودانية  الساكنة  الى  درجة  الغليان  اذا  ووجه  بردود  فعل  تعسفية متسرعة و غير  مدروسة. فطرف  الاتفاق  المدنى  ، و نعنى  به  طائفة  الانصار  وحزب  الأمة ،  هو طرف  سياسى  ضخم ،   ومتماسك ، و مجرب   فى  الشارع  السودانى   وفى  الفعل  السياسى . وهو الطرف  الذى  يقول تاريخه  البعيد  والقريب  انه  الطرف  الاكثر و الاسرع  استعدادا  للصدام  والمواجهة . بينما  الطرف  العسكرى  فى  الاتفاق  الذى  تمثله  الجبهة  الثورية  هو طرف  مجرب  عسكريا .و ما زال  يقاتل  بشراسة  بعد عشر سنوات  من  المواجهات  الحربية  الدامية .  ردود  فعل الحكومة على  الاعلان ، وحججها  ضده   جاءت غير  متماسكة.  وقابلة  للتفنيد  السهل . مثل  قولها  ان  الاعلان  حمل  قضايا  البلاد  الداخلية  الى  الخارج  . و نسيت   الحكومة  بقولها  هذا  ان  السودان  على  عهدها   الذى  طال  وتطاول   صار حديقة  على  الشيوع   الاقليمى  والدولى  منذ  قبل  بمخرجات  (الايقاد ) و(نيفاشا )  المؤلمة  التى انتهت  بالسودان   الى  التقسيم  واعادة  انتاج  الحروب  من  جديد  فى  اقاليم  دارفور  وجنوب  كردفان  وجنوب  النيل  الازرق . الدكتور جبريل  ابراهيم  رئيس  حركة  العدل   والمساواة ، نائب  رئيس  الجبهة  الثورية ، فنّد  بعض  الملاحظات   المتشككة  التى  سربتها  جهات  موالية  للحكومة  تتهم  الجبهة  الثورية  بالغفلة  بتوقيعها  هذا  الاتفاق  مع  الامام  المهدى  ، باعتباره  لا يلتزم  بالاتفاقات  و  المواثيق  الى يوقعها . وهى  تسريبات  هدفت  الى  التقليل  من شأن  اتفاق  باريس  لأن  الامام  المهدى  سيتخلى  عنه  عند  اول  منعطف  . قال  الدكتور جبريل  ابراهيم  رئيس حركة  العدل  والمساواة،  ونائب  رئيس  الجبهة  الثورية ، فى  مداخلته  أن  فى  الجبهة  الثورية     ان  فى  الجبهة  شيوخا  عاصروا  الامام  المهدى  منذ  ولوجه  الساحة  السياسية  لأول  مرة. وعملوا  معه  فى  الجبهة  الوطنية . وفى  التجمع  الوطنى . والسيد  المهدى  بالنسبة  لهم  كتاب مفتوح . وهو  وحزبه  رقمان  لا يمكن  تجاوزهما  . والتعامل  معهما  ليس  ترفا  سياسيا  بقدر ما  هو عمل  عقلانى  وبراغماتى  .  واضح  من  هذا  الرد  ان  محاولات  الحكومة  لضرب  اعلان  باريس   سياسيا  لم  تنجح .   وواضح  اكثر أن  اطراف  الاتفاق  قد  انضجت  مخبوزها  قبل  تقديمه  الى  محفل  المنتظرين . لقد  تداعت  معظم  الاحزاب  المعارضة  و  الشخصيات  السياسية  ذات  الوزن  الى  تاييد  اعلان  باريس ،  لعل  ابرزها  حزبا  حركة  السلام  العادل  برئاسة  الاستاذ   الطيب  مصطفى ، احد  اشرس  معارضى  الجبهة  الثورية  فى  الساحة  السياسية  السودانية . وحزب  حركة  الاصلاح  الآن  برئاسة   الدكتور غازى  صلاح  الدين المنشق  من حزب  المؤتمر  الوطنى  الحاكم . الى  جانب الاحزاب  المعارضة  الكبرى  مثل  الحزب  الشيوعى  السودانى و حزب  المؤتمر  السودانى . وايدت  اتفاق  باريس  كل  الفصائل  الاتحادية  الرافضة  لخط  السيد محمد  عثمان  الميرغنى ، رئيس  الحزب  الاتحادى  الاصل   المتحالف  مع  حكومة  السيد  البشير .
وبعد ، هل  ولد  حلف  باريس  ليبقى . الايام   و الاسابيع  والشهور القليلة  القادمة  سوف  تجيب  على  هذا  السؤال .  ولكن  الشئ  الاكيد  الآن هو أن  الامور لن تمضى  على سابق عهدها . لقد  فرطت  الحكومة  فى  ركيزة  سياسية  مهمة  كانت  مؤمنة  ايمان  العجائز بالحوار السلمى  لحلحلة  ازمات البلد . وكل  تفريط  له  ثمن  مستحق.


عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.