فى  هذا  الفصل  اقف  عند  ما  يحكيه  سعادة  السفير من  وقائع  يمكن  اعتبارها  قصورا  أو  أخطاءا   أو  هفوات  وقعت   فيها  الدبلوماسية  السودانية  ممثلة  فى  وزارة  الخارجية  حدثت  اما بسبب  قلة  الدراية  او لغياب  الرؤية  الفاحصة  ، او لانعدام  الخبرة  المعينة ،  او بسبب  سؤ  الطوية المبيتة  لدى  بعض  متخذى  القرار التنفيذى  فى  قمة  الوزارة   مما كان  له  نتائج  سلبية  و  ضارة  بسمعة  بلدها  وسمعة  دبلوماسييها .
يبدأ  السفير  بمحاولة  وزارة  الخارجية  السودانية  لترشيح  القاضى  والقانونى  المرموق  السيد  دفع  الله  الحاج  يوسف  لشغل  منصب  المفوض   السامى  لشئون  اللاجئين  لدى  الامم  المتحدة .  يصف  السيد  السفير  تلك  المحاولة بالمحاولة  غير الموفقة ،  فى  تعبيير دبلوماسى  رقيق ،  مما تعلمناه  منذ  فجر  صبانا  الدبلوماسى  فى هذا المنتدى  الرصين   من   لغة  تحتوى   على  كل  دلائل  التبيين  والاقناع ، ولكنها  تعف  عن  غليظ  القول  وجفافه.  ويقول  السفير ان  عدم  التوفيق  ليس  راجعا  الى  شخص  المرشح  ،  بقدر  ما هو  راجع  بالدرجة  الاولى  الى اسلوب  تحرك  وزارة  الخارجية  السودانية   فى  تلك  الحالة  حين  دفعت  بمرشح  مرموق  لمنصب  هو  بالاصل  يملأ   بالتعيين  ، وليس  بالانتخاب . وتمسك  بمفتاح  الدخول   اليه  الادارة  الامريكية  ، التى  تتحمل  وحدها  اكثر من  ربع  ميزانية  مفوضية  اللاجئين  التابعة  للامم المتحدة .  يريد  السفير  أن  يقول  بصورة  غير  مباشرة  أن   وزارته  كانت  تجهل  الحقائق  الاساسية عن  آليات  الوصول  الى  المناصب  القيادية  فى  الامم  المتحدة  رغم   انها  كدولة  عضو  تعتبر المخدم  لهؤلاء  القياديين  وتدفع  مرتباتهم . بل  ربما  اراد السفير التنبيه  الى  مفارقة  غريبة  هى  ان  تتوقع وزارته   نجاح  ذلك  المسعى  كانها لا  تعلم   أن  الكلمة  الفصل  فى ذلك  الامر  تعود  الى الولايات  المتحدة  وحليفاتها  الغربيات .  وكأنى  بالسفير المؤلف ، وقد   شفه  نعاس  وزارته  الدبلوماسى  ذاك ، كاد أن  يصيح  بعبارة  مشجعى  كرة  القدم  السودانية  الشهيرة – إصح  يا بريش ! المهم  ان  المؤلف  رافق  السفير السودانى  فى ذهابه  الى  مقر  وزارة  الخارحية  الامريكية   لتقديم  طلب  دعم  الولايات  المتحدة  للمرشح  السودانى . و يحكى  المؤلف  كيف  أن  وزارة  الخارجية  الامريكية  قابلتهما  بأدب  دبلوماسى  جم  .   و قالت  لهما  ان  السيف  قد  سبق  العزل. لأنها سبق  ان  اعطت   وعدا  لدولة  سويسرا  بدعم  مرشحها  لذات  المنصب .  و كيف  انها   سبق  أن  اعتذرت  لمصر التى  كانت  قد  رشحت  الدكتور  بطرس غالى  ، وزير  الدولة  بالخارجية  المصرية  وقتها ، لذات  السبب . وهكذا احتبس  ترشيح  القاضى  المرموق  فى  القلوب  التى  فى  الصدور.  يسأل السيد  السفير وزير  خارجيته محمد  ميرغنى  وهما  فى  نيويورك  عن  سبب  سعى  السودان  الى  الترشيح  لهذا  المنصب  رغم  علمه  أن  جميع  المعطيات  الضرورية  لتمريره  لا  تتوفر للسودان .  وتدهشك  اجابة  السيد  الوزير المختصرة   التى  ينقلها  لنا سعادة  السفير   فى كتابه  : أن  الأمر  كله  كان  رغبة  من  رئاسة  الجمهورية  حركها  سفير  من  سفراء  وزارة  الخارجية  من  وراء   ظهر  وزارته ! و يذكرنا  هذا  التصرف  بايام  دولة  الفرد  الفرعون  الآمر الناهى ، الذى  لا يرى الناس  الا  ما  يرى ،  و ما  يريهم  الا سبيل  الرشاد. تلك  الدولة   التى  عاش  تحت  كنفها  شعب  السودان  قرابة  العقدين  من  الزمن  وهو  بلا  حول  و لا قوة   فى  ما  تفعل  به . وكانت  النتيجة  هى  ان  القاضى  الكبير  الذى  ملئت  له  اشرعته  بهواء  فاسد ،  تسرب  حلمه  من  بين  يديه   و من خلفه  كما  يتسرب   السراب  البقيع  . لقد  كان  القاضى  الكبير   يستحق  تنويرا  افضل  مما  قدمه  العاجزون  له  عن  فعل  التمام   من تنوير.  بل  يقول  السيد  السفير أن  القاضى  المرموق   ربما لم  تتح   له  الفرصة  ليقف على  الآراء  القيمة  التى   قدمتها  الدبلوماسية  السودانية  الاحترافية  بنيويورك  الى  رئاستها  فى  الخرطوم  حول  فرص  هذا  الترشيح  قبل  أن  يركب  الهواء   فى  رحلة   الآماد  الطويلة.  
يعطى   السفير  المؤلف   قراءه  غير  المتخصصين  لمحة  مختصرة  عن  الوظائف  الكبرى  فى  الامم  المتحدة   وكيفية  الوصول  اليها.  و يقسم  وظائف  الامم  المتحدة   ووكالاتها  المتخصصة الى  قسمين :   قسم  الوظائف  المهنية   وقسم   الوظائف  السياسية .     ويقول  أن  ملء  الوظائف  السياسية  فى  الامم  المتحدة  يخضع  الى  كثير  من  الموازنات   والمساومات .  ولا يمكن   الحصول  على  هذه  الوظائف الا  بموافقة  الدول  ذات  النفوذ  فى  الامم  المتحدة.  كأنه  يستغرب  استسهال  وزارته  وضع   مواطنها  المرموق  فى  ركن  ضيق  لا منفذ  له .  ويعرج  بنا  السيد  السفير  على  زمن  السودان  الجميل عندما  كانت  كوادره  تقتحم  الحصون  الاممية  المنيعة  بتأهيلها الوضئ وسمتها   البهى ، وتحصل  على  اعلى  الوظائف : ويذكرنا باسماء  كم  تفاخر بها  السودانيون  وهى  ترتاد  آفاق  التوظيف  الدولى :   السيد  مامون  بحيرى ، كأول  رئيس  لبنك  التنمية  الافريقى (18964 - 1970 ). والسيد  مكى عباس   ، كاول  امين  عام  تنفيذى  للجنة  الاقتصادية  لافريقيا  التابعة   للامم  المتحدة .  و استميح  السيد  المؤلف  لكى اضيف  من عندى  منارات  سودانية  شاهقة  ، سمت  بسمعة  بلدها  الى  ذرى  الآفاق  العالمية ، منها على  سبيل  المثال لا الحصر السادة : البروفسور  امين  الكارب  الأب  الروحى للبياطرة   السودانيين  الذى  عمل مديرا  للمشروع  الاقليمى  للانتاج الحيوانى.  والدكتور  صلاح  نوح  مدير  معهد  التكنولوجيا   الزراعية . والبروفسور سعد  عبادى والدكتور  عمر  عديل  الممثل  المقيم  لبرنامج الامم  المتحدة  بالعراق. والسيد  محمد  داؤد  الخليفة ،   الذى  شغل  منصب كبير  المستشارين  الزراعيين  للامم  المتحدة ،  وممثل  منظمة  الغذاء  والزراعة  الدولية  بالعراق  .
واتفق  مع  سعادة  السفير  فى قوله  ان  الحديث  عن   تلك   القمم  السودانية  كان  يمثل  شحذا  للهمم  السودانية . وتقدير للدبلوماسية  السودانية  التى   قدمتهم   للعالم  الخارجى .  ويقول  المؤلف  ان  السودان  لم  يحصل  على  تلك  الوظائف  صدفة ، إنما  حصل  عليها  بفضل  سياساته  المعتدلة  فى  محيطه  الاقليمى و الدولى ،  وبفضل تنتشئته  لدبلومسييه على  مهنية  دبلوماسية  مكنتهم  من  الحصول  على   القبول  فى  المحافل الدولية .  ولكن  سعادة  السفير يتحسر  على  ضياع  دور  الدبلوماسية  السودانية   الاممى  فى  العقدين  الاخيرين  تحت  سلطة   جماعة  الانقاذ  الوطنى  التى  رفعت  شعارات  ومارست  سياسات  جرجرت  السودان  الى  مصادمات  مع  الدول  الفاعلة  فى  الساحة  الدولية . ودخل  فى  تحالفات  جديدة  أدت  به  الى  أن   يصنف  مع  الدول  الراعية  للارهاب  فى  العالم ،  مما عرضه  للمقاطعة  وللعقوبات  الاقتصادية . الى  جانب  فقدان  كفاءات  دبلوماسية  لا تعوض  بسبب  فصل  حكومة  جماعة  الانقاذ  للوطنى  لاعداد  كبيرة  من  أكفأ  الدبلوماسيين ، لتزج  فى   مكانهم  بكوادرها الحزبية  بمؤهلات  تخضع  فقط  لمعايير  الولاء  السياسى  ، وليس  لمعايير  الكفاءة  التى  يتطلبها  المنصب  الدبلوماسى.  ويقول  السفير أن  البوصلة  قد  ضاعت  من  يدى  السودان  لحظة  دخوله  فى هذه  المتاهة ، ليختل موقعه   فى  المحافل  الدولية  و الاقليمية .  وليصبح  محروما  من  الوظائف  الدولية  والاقليمية  الا من ثلاث  وظائف  حصل  عليها  دبلوماسيون   سودانيون  بدون أن  يكون  لحكومتهم  أى  دور  فى  حصولهم  على هذه  الوظائف . أهم  هذه  الوظائف  هى  وظيفة  المبعوث  الخاص  لشئون  اللاجئين  على نطاق  العالم  والتى  اختير  لها  البروفسور  فرانسيس  دينق  من  قبل  الامم  المتحدة  بناءا  على  توصية  السيد  كوفى عنان ، امين عام  الامم  المتحدة المتحدة  . وقد  تولى  البروفسور دينق  ذلك  المنصب  خلال  الفترة ( 1992 - 2004 ). ثم  عين  بعد  ذلك  مستشارا عاما   للامم   المتحدة   لمكافحة  الابادة  الجماعية. ويقول  السفير  ان البروفسور دينق  حصل  على  المنصبين المتتابعين  من  خلال  علاقاته  الشخصية  وخلفيته  الاكاديمية  والفكرية  المرموقة  و لا شأن  لحكومة  السودان  فى اختياره  للمنصبين .
أما الحالة  الثانية ، والتى التى   يفيدنا  فيها  سعادة  السفير ،  ان  حكومة  السودان  لم  يكن  لها  دور فيها ، فهى  تتعلق  بتعيين  الدكتور  السودانى   كامل ادريس ، مديرا  عاما   للمنظمة  العالمية  للملكية  الفكرية(1997 - 2008 ). ويقول  السفير ان  الدكتور  ادريس  كان   فى  الاساس  دبلوماسيا  بوزارة  الخارجية  السودانية  قبل  أن  يلتحق  بالمنظمة  العالمية  للملكية  الفكرية  فى  المقر  الاوروبى  للامم  المتحدة  بمدينة  جنيف .  ويقول  المؤلف  ان  الدكتور  ادريس  حصل  على  وظيفته  تلك  من  خلال  مثابرته   وجهوده  داخل  المنظمة  التى اهلته  لكى  ينتخب  اولا  لمنصب  مساعدا  لمدير  عام  المنظمة  ثم  مديرا عاما  للمنظمة  بدون  أى  سعى  سياسى او  دبلوماسى  من  قبل  حكومة السودان  . فالسودان  لم   يكن  فى  وضع  يؤهله  لتحقيق  أى  نصر  دبلوماسى  او سياسى  لحظة   اختيار  الدكتور  ادريس  لهذا  المنصب  المهم فى  عام  1997 او عند  التجديد   له  فى عام  2003  فى  خضم  الادانات  المتلاحقة  التى  انهالت عليه  بسبب  خروقات   حقوق  الانسان  من  القوى  الفاعلة  دوليا  فى  الاتحاد   الاوروبى  والولايات  المتحدة  و بعض  الدول  العربية   التى  استعدتها  حكومة  السودان.  و هكذا  يرى  السيد  السفير ان  نجاح  الدكتور  ادريس  يحسب  له  شخصيا   ولا يحسب  لجهود  حكومة  السودان  بأى  حال  من  الاحوال .
ويعرج  بنا السفير  الى  الحالة  الثالثة  التى  نجحت  فيها  شخصية  سودانية  مرموقة  فى  الحصول  على  منصب   اقليمى  مهم  اتكاءا   على  مقدراته  الشخصية   و على  بعض  الملابسات  التى  خدمت  مسعاه   من حيث  لم  يحتسب.  هذه  الحالة  هى حالة  تعيين  الدكتور  السودانى  عطا  الله  حمد  بشير مديرا  تنفيذيا  للمنظمة  الحكومية  للتنمية ( ايقاد)  فى الفترة 2000 – 2008.  يقول  المؤلف  ان  الدكتور  عطا الله  كان  مرشحا  من  قبل  الحكومة  السودانية . ولكنه انتخب لهذا  المنصب  بناءا  على  ظروف  ضيقت  من  فرص  منافسيه  و هيأت  له  الفوز  بالمنصب . بالاضافة  الى  مؤهلاته  الدبلوماسية  و الاكاديمية .  حدث  ذلك  عندما استبعد  المرشح  الكينى  بناءا  على اعتراض  دولة  جيبوتى  عليه .  و طلب  جيبوتى  من  السودان  تقديم  مرشح  قوى   للمنصب .  و يفهم  من  الطلب   الجيبوتى  السعى  الى  قفل  الطريق  امام  كينيا  للفوز  بالمنصب .  وهكذا  حصل  الدكتور  عطا الله  على  المنصب  رغم  ظروف  السودان غير  المواتية  فى  الاقليم .  فيوغندا ، يقول  المؤلف ، كانت  تساند  الحركة  الشعبية  لتحرير  السودان .  وكينيا  واثيوبيا  كانتا  قاعدتين  للدعم  اللوجستى  لقوات  الحركة  الشعبية  وتشاطرهما  دولة  اريتريا .  يضاف  الى  ذلك  درجة  العداء  التى  سرت  فى  المنطقة  وفى العالم  ضد  النظام  السودانى  بسبب    تورطه   فى  محاولة  اغتيال الرئيس  المصرى  حسنى  مبارك.
و لا بد  من  الوقوف عند   ملاحظة   المؤلف  عن  موقف وزير  خارجية  السودان المبهم ، وغير المنطقى  الذى  وقفه  من  قضية  التجديد  للدكتور  عطا  الله  لولاية  ثانية  حين  لم   يتقدم  بطلب  التجديد كما  يقتضى العرف  بحجة  أنه  يريد  تكليف  الدكتور  عطا  الله  بمهمة  اخرى  قبل  أن  تضعه  الدول  الاعضاء  فى  موقف  حرج  بالمضى  فى طريق التجديد  للدكتور عطا  الله  غض  النظر من  موقف  وزيره  الغريب .  واضيف  من عندى أن  التفسير الوحيد  الذى  اجده   لموقف  ذلك   الوزير  المثابر دائما  على  مصالحه  الشخصية ، هو أنه  كان  يريد  المنصب  لنفسه  بعد  ان   طال   به  المقام  فى  وزارة  الخارحية   ولم  يحقق  فيها  (معجزة )  من  معجزات  النجاح  غير  معجزة  المكوث  السرمدى  وهو ( . . . ) المعجزة .  
نعم ،  حال  السودان  اليوم  لا تسر .  ولكن  يبقى  الأمل  المعقود .  وقديما  قال  الشاعر  العربى :
أمنى  النفس  بالآمال  ارقبها     ما  اضيق  العيش   لولا فسحة  الامل
ونقول تطول  المحن  و لا تدوم .

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
///////