جاءني  زائرا   البارحة  فى  منامى  صديقى  خالد  الكد !  قمت  اليه  مذعورا . مددت  اليه  يدى  بالسلام. ولكنه  انزوى  عنى  وغادر سريعا. تفعلها  للمرة  الثانية  بصديقك  يا خالد . لقد  حسبك  جئته  معتذرا عن عدم  ايفائك  بوعدك  له   بأن  تزوره  فى  مضارب  عشيرته  البدوية فى بوادى  دار محارب  عموم ، بعد  انقشاع  غمة  الفئة  الباغية  ، تريد  ان   تسلم  على العزيزة  الباكية ، وتهنيها  بعودة  شقيقها  المجانف  الذى ترك  لهم  الجمل  بما حمل.   لقد  تقرحت  عيونها  الباكية  عليه  ظنا  منها  أنه  لن  يعود  بعد  أن  شمخت  بينهما  المحيطات  الفاجرة. لقد  كان  ذلك  الخيار أهون عليه  من  ممارسة رذيلة  الانحناء.  آه ،  يا خالد : لو أنك  جئتهم  فى دار محارب  عموم ، إذن  لرأيت  كيف  يستقبلك  الصناديد  برصاصهم  يعوم  فى  جوف الفضاء ، يشرط  اسماع  الأفق  الساجى ، يدندن معزة  للزائر العزيز. ولزغردت  لك  الحرائر الجميلات  يعطينك  الشبال تقديرا وعرفانا ، و لوضعن  على رأسك  مناديل  الحرير، يعمدنك  كجورا  كبيرا  وشيخا على  المهرجان  الكبير. ولأسالوا  لك  دماء  ذبائحهم  انهارا ،  ولأ جبروك  على  تخطى  رقاب  الشواطين ، تفقع عيونها  باسم  واحد أحد. ذلك  هو  ديدن أهلى الصناديد.  و ذلك  هو عرفهم  فى حضرة  كل  قادم  عزيز.  ومن  اعزّ منك ، ياسليل الاكرمين  الادباء. ولكنك  ابيت  أن تأتيهم .  واخلفت  وعدك  لى ،  ولهم   و ما  عهدتك  مخلافا  للوعود! كأنك  تضن  على البوادى عموم  أن  تظفر بك  مرة  واحدة ،  حتى  تعتمر فى سيرتها  خيلاء  خاصة  بها  اذ  جاءها  من البقعة  زائرا  حضرة  العميد.
ويا خالد الوفاء ،  عاجز  قلمى  عن  الكلام  فى  حضرة  صاحب  الكلام. الجموع  تمايزت  يا  خالد  : كل  اخذ  موقعه   الخاص  فى معركة  استعادة  عازه  من سوح  الذل  والهوان فى  حديقة  الشيوع  الدولى  والاقليمى.  لو انتظرت  صديقك  هنيهة  لحدثك  حديث  الموجوع  عن  عالم  القنافذ  الذى  يكاد  يضم  فى  دثاره  الجميع  الا  من  رحم  ربك. ولكنك  غادرت  مسرعا كعادتك  دائما  أيها المغبون  الهدار الذى  يكتب ( على  كيفو ). ويصبح  ويمسى  على ( كيفو ). ويقول  للأعور أنت أعور  فى ( عينو) ثم  ينفلت  فى  البرية  ويمضى  مغاضبا  مناجزا عن  الحق  لا يلوى  على  شئ .
ويا  شيخ  المرهقين  بحب الناس ،  وبحب  امدرمان ، و بحب  نجومها الفرقدية  وقد  توسدت  ثرى  مدينة  التراب.    مفؤود  قلمى  اليوم ، ومقروحة  مهجته  من  البكاء  عليك  وعلى  الوطن  الفقيد،  الذى  نام  على  محجة  سوداء  من الضيم  الجسيم  . لقد ضاعت  من ثنيتيه  كل  صنوف  الكلام . لم  يعد  فى  بوحه  قادرا أن  يوفيك  حقك  من  الكلام  الزجل مثلما  اوفيت  انت  صديقك  حقه  من الكلام  الزجل  ذات  يوم  حتى  صيرته  طاؤوسا  يتعرى  من  ريشه  المزركش على  صفحة  النهر ،  يبترد  من  ادرانه  مزهوا  عند  سفح  الوجود ،  وصيرته  مهر سباق  يهصر تحت  اهابه  اهاب القمر  ويحدق  من بطره  فى  قرص  الشمس   و لا ترمش  له  حدقة   .
جئت  تزورنى  يا نقيب  الاوفياء ! أم  جئت  تعزى صديقك  وتسرى  عنه  وقد  تهافت  عليه  المخنثون  واشباه  الرجال بالأكاذيب  الصماء  يقتضونه  ضريبة  موقفه  المصادم  الذى  غلبهم  أن  يحتذوه .  ماذا  نقول  وقد ارهقنا  الكذابون  الاشاوس بكذبهم  وافترائهم  . كما تركتنا تجدنا يا خالد . الذل  زاد و الفقر. وامتدت  مفازات  التيه  السرمد . وتشرزم  وطن  محجوب  شريف  الحدادى  المدادى  وصار  حديقة  على الشيوع الاقليمى  والدولى  يتعلم  الهواة  فيه  الزيانة  الدولية على  رؤوس شعبه العملاق  الذى عهدته . ولكن الحال  قد تبدل بالعملاق .  و تدلى  حتى  صار  قزما ، لأن  قياده  صار بايد  اقزام  لا يغمسون  اياديهم  فى  (الفتة)  الحارة،  يريدونها  دائما  باردة  ومستساغة  للآكلين  النهامين ، يتداعون  على  قصعة الذل  والهوان ، و لا يشبعون.
نحن  قوم  بدويون  يا خالد ، حمانا  الله  من  الامراض  التى استوطنت  كثيرا من  أهل البندر . فقيرنا غنى بغنى النفس.  يشكر  الله إن  وجد  قوت  يومه ، ملاح  أم  شعيفة  او  ملاح  البصارة   او ملاح  الويكة  الناشفة ،  وآوى  الى  فراشه  آمنا  من  خوف. و عندما  تضيق  به   السبل  ينتظر الفرج  الاكيد  صابرا  لعلمه  ان  عمر المرء لا يفنى  حتى  يفنى  ما قدر له  المولى  من رزق . هذه  القناعة  تحمينا  من  ارتكاب  رذيلة الانحناء  والنفاق  والجبن  عند  الملمات .  ولا  تموج  فى  انفسنا غريزة  حب  خم  المال  و لمه  شأن  اللمامبن  الجماعين  الذين  تلتقط   مسامعهم  رنة  القرش  فى المريخ على  وصف  صديقى  محمد  المكى  ابراهيم  .
معذرة   ياخالد ، لقد  اسرعت   الذهاب  عنى  ولم   تخبرنى لماذا  جئتنى  ولماذا  لم تبن  وانت صاحب  البيان  الذى يكتب  ويقول  على  كيفو ؟ 

Ali Ibrahim [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]