المدن  السودانية   تشتعل  غضبا  وعنفا  لم  يعرف  عن هذا  الشعب  فى  الماضى  عندما  كان  السودانى  يتأفف  من  الشكوى من  ضيق  عيشه  باعتبار الشكوى  لغير  الله  مذلة  فى  واحدة  من  اعظم القيم الايمانية .  شكوى  الانسان  السودانى  من  ضيق  ذات  اليد  و ندرة  الماكل  والمشرب  والملبس كانت   اندر  من  لبن  الطير  . بل  يذهب  اعتقاد  الانسان  السودانى  الى  ان  الشكوى  من  نقص الارزاق  يعد  ضربا  من  ضروب عدم  القبول  بالقسمة الربانية و يقدح  فى خلوصية  ايمانه  ودينه. وكان  يندر ان  ترى  جمعا   من السودانيين  وهم  يخرجون  هاتفين  صارخين  من  جوع  ومن  مسغبة. بل  حتى  فى  الثورتين  الشعبيتين اللتين اسقط  فيهما  الشعب  السودانى   نظامين  دكتاتوريين  كان  الشعب  ثائرا  من  اجل  حرياته  السياسية  لا من  اجل  رغيف  الخبز  وما  شابه .  لكن تلك  تلك  السلوكيات  تبدلت  خلال  حكم   نظام  الانقاذ.  وصار يحاول الخروج    فى  مظاهرات  احتجاحا  على اوضاعه  المعيشية  المتردية  رغم  قمع  اجهزة  الامن  العنيف  . اذا سألت  هذا المواطن  السودانى  ماذا  بدلك   وجعلك  تشكو  من  مسغبة  ومن  جوع  مما  كان  يعتبر عيبا  او  حتى  تشهيرا  بالذات ، لاجابك  ان  الذى  يحرك  الغبائن  فى صدره  هو هذه  الفوارق  المتطاولة  والمستفزة  التى  احدثها  حكامه  فى حياته  . فحكامه  يعيشون  فى عوالم  غير  عوالمه .  ويتحدثون  معه  بلغة  استفزازية  لم  يالفها  .  ولاخبرك  انه  صار غير  قادر  على  تحمل  ما  يجرى  فى  حياته . و صار  السكوت  على  ما  يعانيه  من  شظف  الحياة  خنوعا  واستسلاما  وقبولا  بتحقير حكامه  له . لقد صار حديث  الانسان  السودانى  فى  هذه  الايام  لا  ينقطع  عن  حكامه  الذين  بدلوا  احوالهم  الخاصة  حتى  وصلوا  بها  الذرى ،  رغم  انهم  جميعا  جاءوا  الى  السلطة من  قاع  السلم  الاجتماعى.  لقد  بدلوا احوالهم  الخاصة  حتى  بلغوا بها  الذرى  الاجتماعية  بينما   هبطوا  بحياة  رعيتهم  حتى  بلغوا بها  الحضيض ، بما اشاعوا من  فقر مدقع  بسبب  اخطائهم  فى  الحكم  والادارة .  حدة  الاحتجاجات  التلقائية  التى  رأيناها  راى  العين فى  بعض احياء  العاصمة  الوطنية  امدرمان  تقول  ان   صبر هذه   الطبقات  الفقيرة  قد  نفذ ،  ولم  يعد  فى  كنانتها   منزع  من  صبر . رد  فعل الحكومة  الساذج  الذى  ينسب   هذه  الاحتجاجات  الى  قوى  خارجية  يعكس  غفلة  نظام  الحكم  وفراغ  جرابه  من  الحجج  والبراهين  الموضوعية  وركونه  الى  اساليب اصبحت  من  المخلفات  التاريخية . لقد  عجز  النظام   عن  بلورة   نظرة  متأنية  ومتعمقة   واكثر  واقعية   وشمولية لما  يجرى  امام  ناظريها  من انفجار الغضب  الشعبى الذى  كان  الكل  يتوقعه . لقد  اخذ  البطر  والاطمئنان  النظام   الشمولى  الذى  جثم  على  صدر الشعب  ربع  قرن  من الزمن  حتى  ظن  ان  شمس  السودان  قد  توقفت  عنده ، ولم  يعد  فى نيتها  ان تبرح باحاته  الوارفة .  يتذكر العالم  سلوكيات  الشعب  السودانى السياسية  الحميدة  التى  شاهدها   وعايشها   فى  ثورتين  شعبيتين ، فى اكتوبر 1964 ، وابريل  1985  من  تاريخه  القريب ، مما  لا يبرح  الذاكرة  الجمعية  العالمية ، من  سلوكيات  ضبط  النفس  والبعد  عن  التهور  و العنف حتى  وهو  فى  قمة  غضبه  وثورته .  و حتى  وهو يتعرض  الى  تجاوزات  اجهزة  حكامه الامنية  والبوليسية. ان المرء  السودانى  بات   يتحسر على  ضياع  هذه  السلوكيات  الحميدة  بسبب  عنجهية  حكام  لم  يعد  يعلم  يقينا  من  اين  جاءوا.  حتى  الكاتب  السودانى  الاسطورة  الطيب  صالح  لم  تسعفه  عبقريته  ليعرف   من اين  جاء  حكام  شعبه  الجدد . القتل  العشوائى   للمتظاهرين  الذى شاهده  الشارع  السودانى  الذى  يفجعه  منظر  الدماء  بطبيعه  الحال  يجر  على النظام  وبالا  مثلما  جرّ دم  الشهيد  طه  القرشى  الوبال على  النظام   القمعى  الاول  . قبل انفجار مظاهرات  الاسعار فى  الشارع  السودانى ، بل  واثناء  المؤتمر  الصحفى  لرئيس  الجمهورية الذى  كان  يحاول  فيه  بيع  خططه   للشعب  للخروج  من الازمة  التى  تأخذ  بخناقه  وخناق  الشعب والوطن  ، كان  بعض  اعوان  الرئيس  ماضين  فى  ترديد  مزاعم  تقول  انهم  خبروا  الشعب  السودانى  و يعلمون  ان  الشعب  والمعارضة  غير  قادرين  على  مواجهة  النظام  فى  الشارع . لغة  مريضة   واستفزازية   وتفكير  قاصر   وتهديدى  وتحقيرى  يغلق  الباب  امام  أى امل .  اعوان  الرئيس  المتفلتين الذين   ابتدروا   مؤتمر  الرئيس  البشير الصحفى  بذلك  الصلف  والغرور هم  اعتى  خصوم  الانقاذ  واخلص  حلفاء  المعارضة  من  حيث  لا يعلمون . لقد  تحدوا  معارضي  الرئيس  ودعوهم  للمبارزة  بدلا  من  ان  يدعوهم الى  كلمة  سواء فى وطن  تحيط  به الانواء  الاقتصادية  والسياسية. لقد فهم  اؤلئك  الجهلاء  انهم  فى  حرب ضد  الشعب   السودانى .  وقد  رأوا  الآن  نتيجة  جهلهم  وتفلتهم . صحيح  ان  المكتولة  لا تسمع   الصايحة . تمعنوا  فى  وجوه  منسوبى  النظام  وهم  يتحدثون الى  القنوات  الخارجية  عن عناصر  خارجية  مدربة  تدير  المظاهرات  واضحكوا مع  الضاحكين. اما  ما يقوله  وزير اعلام  النظام   محمد  سعيد  الصحاف  السودانى ، فهو  لا يثير  الضحك  بقدر ما  يثير  الرثاء  والشماتة. 


Ali Ibrahim [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
///////////////