عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 

فى الثانى والعشرين من يوليو الماضى  فرح السودانيون، كلهم جميعا ، بقرار محكمة التحكيم فى لاهاى الهولندية  الذى قضى باعادة رسم حدود منطقة ابيى الشرقية والغربية واعتمد صحة الحدود الشمالية ، مما اخرج مناطق البترول فى هجليج من دائرة النزاع بين الطرفين ، واعادها كاملة الى الشمال . وسبب فرح السودانيين هو ان القرار قد نزع فتيل الازمة بين العرب والدينكا فى المنطقة محل النزاع وازال بذلك شبح حرب كانت وشيكة وكفى الله الطرفين القتال .لكن  فرحة السودانيين لم تستمر الا بضع ساعات. فقد خرّب  صدر صندوق النقد الدولى من جهة ووزير الخارجية السودانى الجنوبى من جهة اخرى ، خرّبا معا تلك الفرحة وافسدا على السودانيين ، كلهم جميعا ، بهجة يومهم القصير .صندوق النقد الدولى خرج على السودانيين بتقرير خطير ومتشائم عن وضع بلدهم الاقتصادى المحرج اعد  فى يوليو المنصرم  عن الوضع الاقتصادى فى السودان  سكب  فناطيز  من الماء البارد على احلام الشعب السودانى الذى ظل ينتظر العام بعد العام ان يأتى يوم  يشعر فيه هذا الشعب الصابر  بأنه شعب اصبح  يمتلك حقولا من النفط  ، وأن خير هذه الحقول قد تدفق عليه  اخيرا  رخاءا وتنمية وبحبوحة من العيش الهنئ .ولكن   تقرير صندوق النقد الدولى  المشار اليه  يخبر الشعب السودانى بلغة الارقام الجافة   ان احلامه تلك  لا تقوم على اساس واقعى. الصحف السودانية  كشفت النقاب مؤخرا الخلفية التاريخية لتقرير صندوق النقد الدولى عن الاقتصاد السودانى . وقالت أن القصة بدأت فى الثانى والعشرين من اكتوبر من عام 2008 حين بعث وزير المالية السودانى ،الدكتور عوض الجاز  وزير المالية  بخطاب الى صندوق النقد الدولى  تحدث  فيه عن( المعاناة التى يكابدها السودان جراء الازمة المالية العالمية) وطلبه العون الفنى من صندوق النقد الدولى .و بناءا على طلب السودان وطلب وزير ماليته ، بعث صندوق النقد ا لدولى  بمجموعة من خبرائه الى السودان للوقوف على حقيقة الوضع الاقتصادى السودانى وابداء النصح بما يمكن عمله لمساعدة السودان فى ازمته الاقتصادية الجديدة . بعد الدراسة  و المراجعة  وجد خبراء  الصندوق  ان  الاقتصاد السودانى يعانى من وضع حرج يقتضى العمل سريعا على عدة جبهات لتلافى ذلك الوضع . ولخص الخبراء وضع الاقتصاد السودانى فى الآتى :

 * تراجع نمو الناتج المحلى الحقيقى الى 4% مقارنة ب %11 فى عام 2006 

*  بنيت  ميزانية عام 2009 على تقديرات خاطئة بالكامل حيث  قدر سعر برميل النفط ب 65  بينما تدنى سعر البرميل الى اقل من اربعين دولارا فى العام الجارى. وسوف يكون سعر البرميل فى حدود 44 دولارا للبرميل فى العام القادم.

* وجد الخبراء ان نصف منصرفات السودان بالنقد الاجنبى تتجاوز ميزانية الانفاق الراسمالى بالكامل. بينما قفزت ديون السودان للاطراف الخارجية  من 15 مليار دولار فى عام 2000 الى 34 مليار دولار فى العام الحالى.

* اضطر السودان لكى يبلغ هؤلاء الدائنين انه لن يستطيع ان يدفع  لهم اكثر من عشرة ملايين من مبلغ الخمسين مليون دولار الواجبة السداد سنويا .

* عزى السودان مشاكله الاقتصادية والمالية الحالية الى الازمة الاقتصادية العالمية. والى صعوبة حصوله على تمويل بشروط ميسرة. والى الاحتياجات التنموية الضرورية التى فرضتها اتفاقية السلام .

* تتبدى خطورة الوضع الاقتصادى السودانى فى نضوب رصيد السودان  من النقد الاجنبى تقريبا اذ تدنت احتياطاته من النقد الاجنبى من 2 مليار دولار فى عام 2008 الى 300 مليون دولار فقط فى العام الحالى . ( ولا بد من ان يسأل المشفقون من ابناء الشعب السودانى  كم تبقى  من هذا المبلغ الضئيل لحظة اعداد  هذا المقال)

* وضع احتياطات النقد الاجنبى المتدهور فرض على الحكومة السودانية بجانب امتناعها عن تسديد  مبلغ خمسين مليون دولار كجزء من  المبالغ المتفق عليها لخدمة الديون القديمة ، فرض على الحكومة السودانية تقييد سقف العملات الاجنبية المسموح به للمسافرين الى الخارج بحوالى الف وخمسماية دولارا للمسافر .

 واقترح الصندوق على الحكومة السودانية القيام باجراءات ضرورية  عاجلة لتلافى الوضع الاقتصادى المتردى يمكن تلخيصها فى الاآتى :

القيام بمراجعات شاملة للسياسات الضريبية.

تخفيض اعفاءات ضريبة القيمة المضافة.

* اصلاح هيكل ضريبة الدخل الشخصى بما فى ذلك الحد الادنى لهيكل الضريبة.

* الغاء اعفاءات الاشخاص الذين يبلغون الخمسين عاما فاكثر .

 

*مراجعة التشريعات  الضريبية فى الولايات .

البحث عن مصادر جديدة للضرائب لكى تضاف الى الضرائب التى استحدثت فعلا فى ميزانية عام 2009 الحالية .

* تقليل تدخل الحكومة فى حركة تداول النقد الاجنبى  وترك ذلك لدينامية العرض والطلب !

* تقليل الصرف على الجهاز الحكومى .

* تقليل التحويلات المالية الى الولايات التى تعانى من شح السيولة ونقص فى الانفاق الراسمالى.

* بذل الجهود الحثيثة لاصلاح النظام المصرفى والتصدى لمسألة القروض المتعثرة خصوصا قروض بنك امدرمان الوطنى.

* على السودان تقديم تقارير اداء  اقتصادى اسبوعية وفصلية.

نظرة سريعة لمقترحات صندوق النقد الدولى للحكومة السودانية تكشف انه نفس الصندوق التقليدى القديم  الذى ينظر فى جيوب الفقراء  المخرمة  اصلا  مثل الجبن السويسرى  عندما ينظر فى كيقية مساعدة الحكومات العاجزة على التصدى لمشاكلها الاقتصادية والمالية وهى مشاكل ليست من صنع هذا المواطن البائس الذى يريد الصندوق ان يرهقه بمزيد من الضرائب . ان مقترحات صندوق النقد  للحكومة السودانية التى اذيعت مؤخرا هى دعوة للحكومة السودانية بالانتحار السياسى فى وقت لم تبق فيه على الانتخابات السودانية الا بضعة اشهر. ومعروف ان  الحكومة السودانية  تدخل هذه الانتخابات ولديها ما يكفيها من الفواتير المؤجلة بينها وبين الشعب السودانى الذى زادته سياسات هذه الحكومة فقرا على فقرا على مدى عشرين عاما وتلك فرصة فى الحكم لم تتوفر حتى للملوك . هل تقبل الحكومة السودانية وصفة صندوق النقد الدولى هذه المرة ايصا ، لتصبح هى الاخرى مثل هذا الصندوق الذى لا يتعلم شيئا ولا ينسى شيئا ، مثل آل البربون تماما !

 

* مغالطة جديدة حول البترول السودانى :

قلنا ان الشعب السودانى قد فرح لقرار محكمة التحكيم الدولية فى لاهاى . وقلنا ان التحكيم قد نزع فتيل الازمة بين الطرفين السودانيين ، وابعد بذلك شبح حرب كانت وشيكة . ولكن يبدو ان فرحة الشعب السودانى لن تدوم طويلا. فهذا هو وزير الخارجية السودانى ، واحد ابناء ابيى يخرج علينا بمغالطة جديدة هى ان البترول الذى اعطاه التجكيم الى الشمال هو فى الحقيقة بترول جنوبى  يقع فى ولاية الوحدة باقليم اعالى النيل !  ولم يكن واقعا اساسا فى منطقة ابيى . وقال الوزير الذى يرأس اهم  وزارة سيادة  قومية ان الجنوبيين سيقدمون وثائقهم التى تثبت ملكيتهم لهذا البترول .بقى ان نقول ان نصف قرن من الزمن  مضت على الشعب السودانى وهو يدور فى هذا الجدل العقيم  حول ملكية هذه البقعة وعدم ملكية تلك . ومضت بنا هذه الدوامة فى مدارات لا تلتقى . و ترفض ان تنتهى . اقترح على الحكومة السودانية بوصفى مواطن مغبون من ضياع الوقت الذى كان يجب ان تخصصه الدولة السودانية لخدمته ، لضياعه فى الجدل البيزنطى القديم الجديد ، اقترح   ان تعطى الحكومة كل بترول السودان ، فى جنوبه وشماله ، على حد سواء ، ان تعطيه  للجنوب اذا كان هذا يعفى مسامع الشعب السودانى من هذه الغلوتيات المستدامة التى عاشت معنا نصف قرن من الزمن مثلما  تعيش  التنمية المستدامة مع الشعوب التى ظلت تتفرج على الفيلم السودانى الهندى المزركش الذى ظل يعرض فى جميع الدور والصالات التى باشرت العمل منذ اليوم الاول من يناير من عام 1956 عندما سمع السودان باسم الجمهورية السودانية المستقلة لاول مرة .

الم اقل لكم ان فرحة الشعب السودانى لم تدم الا بضع سويعات سرعان  ما خربها صندوق النقد الدولى  ووزير خارجية السودان الدولى. ولكن الله غالب.وسوف يملأ افئدة كل السودانيين بالمزيد من الصبر الجميل والسلوان .