لأن  اخوان  مصر  وصلوا  الى  الحكم  عن  طريق  صندوق  الاقتراع  ،  ولم  يقفزوا  على  السلطة بدبابة  فى  جنح  الليل ،  مثلما  فعل  اخوانهم  فى  السودان ، فمن  العدل  ان  نتمنى  لهم  ان  لا  يقعوا  فى  الاخطاء  التى  وقع  فيها  اخوانهم  السودانيون حين  سقوا  شعبهم  الطيب المسالم   من  طينة  الخبال  وساموه  خسفا   وقمعا  وعنفا  وادخلوه  فى  بيوت  الاشباح . واورثوه   تجربة  بائسة  وفطيرة  حملت  حتى  عراب  تلك  التجربة ،  الدكتور  الترابى، على التبرؤ منها  ومن  اخطائها  التى  انتهت  بالسودان  الى التمزق  والتفتت . اكبر  محن  تجربة  الاخوان  فى هى انهم  حولوا  الاسلام  ،  دين  السماحة  والبراءة  من  أى  شائبة ، حولوه  الى اداة   للبطش  والقمع  والفتك عندما  قرروا  ادارة  دولة  التوجه  الحضارى التى  اعلنوا مولدها  فى  السودان  فور  نجاح  انقلابهم  الغادر  على  الديمقراطية ، ادارتها  بالقبضة  الامنية  بدلا  من  الحوار بين  شركاء  الوطن  الواحد . لقد  غدروا  بالنظام  الديمقراطى   رغم  انهم    كانوا  مشاركين  فى  مؤسساته  حكاما  ومشرعين  واحيانا  معارضين  من داخل  قبة  البرلمان. وباسم  التوجه  الحضارى  الاسلامى ، قمعوا   معارضيهم  قمعا  عنيفا ،  و كمموا   افواههم . وزجوا بهم   فى  ما عرف  ببيوت  الاشباح .  وهى  بيوت يعذب  فيها  المعتقلون  نفسيا  بتخويفهم  باشكال  شبحية  مخيفة فى  منتصف  الليل  بهدف  انتزاع  الاعترافات  منهم  تحت  هجمة  الخوف  والفزع . ودمروا  باسم دولة  التوجه  الحضارى  الاسلامى  النسيج  ارث  المجتمع  السودانى ونسيجه  الاجتماعى  حين دمروا  احزابه  التاريخية  التى حررت  السودان  من الاستعمار . ومعها  دمروا  مؤسسات  المجتمع  المدنى واحزابه   ونقاباته  عن طريق  الحل  والتعطيل  والمصادرة  وزج  المعترضين  من  القيادات  فى السجون .  ودمروا   الخدمة  المدنية  السودانية ذات  الكفاءة  زائعة  السيط  عن  طريق  الفصل  الجزافى   والاحلال  تنفيذا  لمخطط  عراب  الانقلاب  الشيخ  الترابى الذى  بنى  على  افراغ  جهاز الدولة  من  الذين  لم  يكونوا  منتمين  فى الاساس  الى  تنظيم  الاخوان  او  ينحدرون  من اسر  اخوانية  الهوى . وهو  المخطط  الذى  عرف   بالاقصاء  والتمكين .  لقد  وجد  عشرات  الالوف  من  الموظفين  الاكفاء  انفسهم  فى  الشارع  العريض  و هم  مطرودون  من  وظائفهم  ليواجه  اطفالهم  محنة  الجوع  والمسغبة  والعوز  بلا  سند و لا  وجيع . ثم  حملوا بنادقهم  على  كتوفهم  وخرجوا  فى  حروبب  جهادية  ضد  شعبهم  فى  الجنوب  ،  وشعبهم  فى  دارفور  يغزونهم  فى  ديارهم   وهم  يتصايحون فى  وجوههم  بالنصر مرددين  الاناشيد  والتراتيل  الاسلامية . لقد  اعلنوها حروبا  جهادية ، ضد  الصليبيين  الجدد  فى  الجنوب  طالما انهم  لا  يدينون  بدينهم  ، يحاربونهم ،  ويقتلونهم  حتى  يعطوا  الجزية  عن  يد  وهم  صاغرون . اما حربهم  الجهادية  فى  دارفور  فقد  جعلوا لها ميسما  آخر .  فهى  حرب  ضد  العصاة  المارقين  الذين  لا يريدون تمكينا لشرع  الله . ثم  التفتوا  الى  معارضيهم   من الاحزاب   الشمالية  المارقين  عن  ملتهم  الاخوانية . وكالوهم  سبا وشتما  واهانة  واذلالا .  فهم  جميعا   عملاء   وخونة  وسفلة  من  درجات  الانحطاط  السفلى . ثم  هرعوا  الى  الاطراف  ببنادقهم . يحرضون  القبائل  العربية  ضد  القبائل  الافريقية  تنفيذا  لمبدأ  فرق تسد  القديم . وماهى الا  فترة  قصيرة  حتى  سمع  العالم  بفظائع  الجنجويد . و بجرائم  الابادة  الجماعية  وجرائم  الحرب  فى  دارفور التى   كل  اهلها  هم  من حفظة  القرآن  الكريم . وتعجب  الناس  من  دولة  التوجه  الحضارى  التى  تقتل  حفظة  القرآن  فى  دارفور . وكانت  قمة  الدهشة  هى  اعتراف  رئيس  النظام  بعضمة  لسانه  أن  عدد  الذين  قتلتهم  قواته  لا  يزيد  عن  العشرة  الف !  وليس  ثلاثمائة  كما تقول  وثائق  الامم  المتحدة .   رغم  بيانات  الامم  المتحدة  التى  وثقت   لقتل  ثلاثمائة  شخصا  وحرق  وتدمير  اريعة الف  قرية  فى  دارفور. ودمرت  تجربة  الاخوان  فى السودان كل  المشروعات  التنموية  التى  كانت  اساسا  و ركائزا لاقتصاد  السودان  مثل  مشروع  الجزيرة  العملاق ، وهو  المشروع  الزراعى  الاكبر فى العالم  والذى  يعرض  الأن  للبيع  او  للتاجير  ولا  مشتر  يتقدم  و لا مستأجر. ومثل  سكة  حديد  السودان التى شاخت  عضلاتها  الساحبة  والناقلة  بسبب  عجز الدولة  عن  توفير قطع  الغيار. ومثل  الخطوط  البحرية  السودانية  التى يعرض  اسطولها  البحرى  للبيع   ولا يعرف المصير الذى  آل  اليه  لأن دولة  التوجه   الحضارى  لا تملك  الحقائق  لمن  يطلبها  كما تفعل الدول  الكافرة  التى  تموت  و لا تكذب .  مشروع  الجزيرة  الذى  كان  يسد  حاجة  السودان  من النقد  الاجنبى  بما ينتج  من الاقطان ذات  الجودة  العالمية  التى تتلقفها مصانع النسيج  العالمية  فى  بريطانيا  والهند  والباكساتان  وغيرها . مشروع  الجزيرة  اسطورة  الاستعمار التى  تركها  لنا  صار  اليوم  اثرا  بعد  عين  يتقاتل اهل المصلحة  الحقيقية  فيه  حول  ما تبقى  من  الميراث.
وادخل  الاخوان  السودان  فى عداوات لانهاية  لها  بما  افتعلوا  من  حروب  وهمية  مع  معظم  دول  العالم  .   ومارسوا  عنتريات  كاذبة  مثل  عنتريات  المرحوم  دون كيشوت  الاسبانى  الذى  كان  كان  يصارع  طواحين  الهواء .  وفتحوا  قنوات  اتصال  مع  الجماعات  الارهابية  فى  اكثر  من  بلد . و شكلوا جسما  تنفيذيا  ينسق  نشاط  هذه  الجماعات اسموه  المؤتمر الشعبى العربى الاسلامى  وانتخبوا  الشيخ  الترابى  امينا عاما  له . وتداعى  لحضور حفل  تدشينه  كبار الارهابيين  فى العالم العربى  والاسلامى  المطلوبين  لحكوماتهم  ولدول  عالمية  فى جرائم  ارهاب  كبيرة ، لعل  اشهرهم  كان  عماد مغنية  المطلوب امريكيا  ودوليا .  واستضاف  الاخوان  زعيم  الارهابيين  بن لادان  ومعاونيه  وفتحوا  له  مجالات  الاستثمار المختلفة  قبل ان  تجبرهم  الضغوط  الدولية  والاقليمية على  طرده  الى  افغانستان . كما  اتضح  لا حقا  انهم  كانوا  يستضيفون  سرا  الار هابى  العالمى  كارلوس  .  وزوجوه  امرأة  سودانية ،  قبل  ان  يقلبوا  له  ظهر  المجن ،  و يسلمونه   الى فرنسا . نتيجة  لكل  ذلك  التخبط   وجد   سودان  التوجه  الحضارى   نفسه  محاصرا  بعقوبات  سياسية  واقتصادية  تحت  بنود  الفصل السابع  من ميثاق  الامم المتحدة  لا  قبل  له  بها . وتناثرت  المحن  الانقاذية  وتكاثرت  حتى  اضطرت  الاسرة  الدولية  للتدخل  لملافاتها  ودرء  خطرها . وادخلت  الاسرة  الدولية  اكثر  من  ثلاثين الف  جندى  دولى  لكى   يقوموا  بمهام   متعددة  فى  سودان  التوجه  الحضارى . منها  مهام  تدخل  فى  حماية  السودانيين  من  بطش  جيشهم  القومى تارة . و تارة  اخرى  تدخل  فى  منع  السودانيين  من  البطش  ببعضهم  البعض . ليصبح السودان  حديقة  على  الشيوع  الدولى  مشرعة  الابواب  يدخلها  كل  من  هبّ  ودبّ  بأمر  الامم  المتحدة  قبل  اهلها  ام  لم  يقبلوا !
حكومة  الاخوان  المسلمين  الحالية   فى  مصر وصلت  الى  الحكم  بشرعية  الصندوق  الانتخابى  فى  المبتدأ  لا كما  وصل   اخوان السودان  فى  المبتدأ . ويعرف  اخوان مصر   انهم   فى  وضع  غير مريح  الآن . وقد  يكون  وضعهم  اكثر  تعقيدا  فى  المستقبل . فها هى  القوى   السياسية  المصرية  تتجمع  وتتوحد  لمنازلتهم  فى  الانتخابات  القادمة  قريبا  كجسم  واحد . هذا  يعنى  ان  توتير علاقاتهم  مع  الولايات  المتحدة  سيفتح  عليهم  نافذة  خطرة  يتسرب  منها  الريح  الاصفر. ففى  الاكمة  المحيطة  تختبئ  ذئاب  كثيرة  . اغتيال  السفير  الامريكى   ومساعديه  فى  ليبيا  كان  عملا  استفزازيا  لا  تصبر عليه  الا  الشعوب الكبيرة  فى  تقديراتها .  التمادى  فى  ذلك  الاستفزاز  من  نوع  ما  يقوم  به  خطباء  المساجد  من  جهلاء  الكيمان  الاسلامية  المتعددة  قد  يضطر  الرئيس  الامريكى ،  وهو  فى  قلب  معمعة  انتخابية  شديدة ، قد  يضطره  الى القيام  بفعل قاس  ضد  مصر  وضد  كل  من تسول  له  نفسه  التمادى  فى استفزاز  الدولة  القطب . الولايات  المتحدة  اعتبرت  ردود  فعل  الشارع  العربى  ضد  الفيلم  المسئ  للاسلام  ظالمة و مبالغ فيها  وغير منطقية. وقالت ، وهى  صادقة  فى هذا ، قالت  انه لا  حكومة  الولايات  المتحدة  ولا اجهزتها  الامنية  او  الاعلامية  لها يد  فى  انتاج  الفيلم  أو  بثه  . الكل  يدرك  خطورة  الامر  اذا  تقلصت  او توقفت  المساعدات  الامريكية  الى مصر  فى  هذا  الظرف  الاقتصادى  الدقيق  الذى  تمر  به  مصر . الولايات  المتحدة  غمزت  جنب  النظام  الذى  اقامه  الاخوان  المسلمون  برئاسة  الرئيس  محمد مرسى  حين  قال  رئيسها  ان  مصر   مصر  الجديدة  ليست  حليفة   للولايات  المتحدة.  وكات الرئيس  اوباما  وهو  بروفسور  فى القانون  الدولى  يعنى  ما  يقول . فالرئيس مرسى   قام بزيارتيه  الاولتين  الى  الصين  وايران . و  بين  ايران   وامريكا  ما  صنع  الحداد . اما  الصين ، فهى تنافس  الولايات  المتحدة  اقتصاديا  بصورة  تجلب  الضرر  للاخيرة .  وتعكننها فى  سوريا بصورة  استفزازية .   وفى  الجو  الانتخابى  الامريكى  الراهن   قد  لا  يصمد  صبر  الرئيس  الامريكى  على  مزيد  من التصرفات  الاستفزازية  من أى جهة  جاءت. ما يحدث  هذه الايام  فى  سيناء  وفى  شمال  مالى  وفى  ليبيا  وفى  جنوب  اليمن   يثير  حفيظة  الرئيس  بصفة  خاصة  اذ   انه  قد  يشكل  خطرا  على  فرص  اعادة  انتخابه . صحيح  ان الذين  يعرفون  تفاصيل  النظام  الانتخابى  الامريكى  وديناميكيته ، يدركون  انم  الرئيس اوباما  فى  وضع انتخابى  قوى للغاية   ولا يخشى  عليه  انتخابيا . فهو  محروس انتخابيا  من  اقليات كبرى يصعب التغلب عليها  فى   صناديق  الاقتراع  مثل  الاقليات  السوداء  و  اللاتينية  والاسيوية   والنساء والشباب والطلاب  والمهاجرون  من كل  الجنسيات . ولكن ، ورغم  موقفه  الانتخابى  القوى ،  فان دول الربيع  العربى  التى  يصعب  عليها  السيطرة  على  خطاب  المجموعات  الاسلامية  المعادية  لامريكا  ستجد نفسها  فى عداوة  جديدة  وكاملة  الدسم  مع  الادارة  الديمقراطية  تحت  امرة  الرئيس اوباما.  ومعروف  ان  جميع  القيادات  الاسلامية  التى  وصلت  الى السلطة  عبر الانتخابات  التى اعقبت سقوط  الدكتاتوريات  الشائخة ،  جاءت  باغلبيات هزيلة  نتجت عن  قناعات  الشعب  فى كل  بلد  بأنهم  يمثلون  اخف  الضررين . فصوتتت  لهم  الجماهير الخائفة  من عودة  الاشباح  القديمة  ولسان حالها  يقول  مكره  اخاك لا  بطلا . فاذا  تهور اخوان  مصر  فى  عداوة  امريكا   لأى  سبب   من  الاسباب  كما  فعل  رصفاؤهم  فى  السودان  ذات يوم  ، يوم  كانوا  يغنون  ويرقصون طربا  ويقولون  "لامريكا  تسلحنا "  فانهم  سوف  يكتبون  السطر  الاول  فى  قصة   نهايتم  السريعة.  فالقوى  الليبرالية   فى  كل  بلدان  الربيع  العربى  التى  قفز  الاخوان  الى الصدارة  فيها  تتربص  بهم .  وفى  ظل  المعطيات  السياسية  والاقتصادية  التى  تحاصرهم  هذه  الايام ،  فسوف  يسهل  على  خصومهم  هزيمتهم  وهزيمة  مشروعهم  السياسى .
ونختم  باعادة  السؤال : هل  يتفادى اخوان مصر  اخطاء اخوان السودان  .  اهم  اخطاء  اخوان  السودان  الماثلة  الآن  اذا صرفنا  النظر  عن  اخطاء  الأمس  القريب  تتمثل  فى  التضييق  على  الحريات السياسية  والصحفية   وتكميم  افواه  الاعلاميين  الذين  يحملون افكارا  لا  تتطابق  بالضرورة  مع  افكار  النظام . اكثر  من  صحيفة  اوقفت  عن  الصدور  اما  بأمر جهاز الأمن  او  بالتضييق المتعمد  عليها .   ولا  يستطيع  كائن  من  ان  يخرج  الى  الشارع   لكى  يعبر عن رأيه  كتابة  او  خطابة .  لا  تستطيع  ذلك  حتى  الاحزاب  الديكورية  المشاركة  فى  الحكم   من  مقاعد  المتفرجين   الذين  ينطبق عليهم   وصف  الزعيم  عادل  امام -  احزاب  لا تدش . الشرطة  التى  تعتبر  شرطة  قومية  لا  صلة  لها  بالقومية . فهى  شرطة   حزبية  تتبع  للحزب الحاكم  . وتقمع  المتظاهرين  بقسوة  لا  مزيد  عليها  متى  تلقت  التعليمات  بذلك  . بل ان  قادتها  يتباهون  بمهاترة  المعارضين  ويسبقون  الحكونة  بشتمهم   وتحقيرهم   ودمغهم   بأوصاف العمالة  والارتزاق  والخيانة  على  نحو  ما هو  سائد  فى  شرقنا العربى . ونقول  لاخوان مصر  حذار  ثم  حذار  الوقوع  فى اخطاء  (اخوانكم فى الله )  فى السودان . فميدان  التحرير المصرى اصبح عصيا  على الترويض . اما  اذا  قرر اخوان  مصر الوقوف  الى جانب  مطالب الشعب السودانى الديمقراطية  العادلة   ونصحوا اخوانهم ( فى الله)  فذلكم   هو  غاية  المراد .  فالدين  النصيحة . وبخلاف  ذلك  نقول  لا بأس  ، فان  الشعوب  تمهل  ولا  تهمل .  وكذلك  المولى  عزّ  وجلّ
Ali Ibrahim [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]