عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

 رقص العراقيون فى الطرقات العامة  وطربوا  فرحا ( بخروج) القوات الامريكية  من داخل  بعض  المدن  العراقية. طريف  جدا  ان  يمارس  الانسان خداع  نفسه عيانا  بيانا  وهو  يعلم أنه   يخدع نفسه. فالعراقيون   يدركون ان اعادة  الانتشار ليس انسحابا.  القوات الامريكية لم  تنسحب من  الاراضى  العراقية  بل  امنت  نفسها  فى  اطراف  المدن   العراقية  بالابتعاد  عن  مكامن   الخطر  لتبقى  فى  مواقعها  الجديدة آمنة ومتحفزة   للعودة   بسرعة  البرق  الى  نفس  المواقع  التى  انسحبت منها  متى ارادت  هى  أو  متى ارادت  الحكومة   العراقية  التى   ظلت  ارادتها تتوافق   مع ارادة المحتل  الامريكى منذ  ست  سنوات هى  عمر الاحتلال. أى   انسحاب  هذا الذى   يبقى  اكثر من  مائة الف جندى امريكى      فى  قلب الاراضى  العراقية   ولا  يعرف أحد  يقينا عما  اذا  كانت الاوضاع العراقية  الداخلية  ستفرض  عودة  هذه  القوات الى  قلب المدن العراقية   مجدد ا . و الى ان  تتضح  الصورة   ، فانه  لا  يسعد  أى عربى  ان  يفسد   على اشقائه  العراقيين  بهجة  يومهم هذا.  وطربهم   هذا ،  ورقصهم . فالذى  يخدع   نفسه  فى  وضح   النهار  لن يكون  فى  عجلة   من امره  لكى يسمع  ما  لا  يريد  ان  يسمع.  ومن الطريف  ايضا  تلاحظ  الصحف  الامريكية  النافذة  بشئ   من  الاستغراب  ان رئيس الوزراء  العراقى  فى  كلمته  الابتهاجية  التى  القاها  بمناسبة  ( التحرير )  لم يقل  ولا  كلمة  واحدة  عن  الجيوش   الامريكية التى  ما  زالت   تفترش  التراب العراقى  عنوة  اقتدارا 

 

وفى  هذا  السياق  ،  نقول   لاخوتنا  فى العراق   ان  اخوانهم   العرب  لا  يختلفون  معهم  فى حقيقة  أن  نظام   صدام حسين  قد بطش   بهم   واهدر دماء  الكثيرين  منهم  ليس  لجرائم   ارتكبوها  ولكن حرصا  على  استمرار   استحوازه  على  المجد  السلطوى   الذى  حسبه  النافذون  فى  النظام الدموى انه نهاية  المبتغى  والمرام الذى  لا  تحلو  الحياة  بدونه.  نعم ،  لا  نختلف  مع  اشقائنا  العراقيين   فى  حقهم  فى السعى  للخلا ص  من ذلك  النظام الدموى  بشتى  الوسائل طالما  ظلت تلك  الوسائل  (عراقية)  دما  ولحما  مما يستطيعه  شعب العراق الشقيق.  نعم ، لقد  مكث النظام الدموى فى  العراق   بسوءاته  اكثر مما  يجب  وجثم اكثر  مما  يجب  فوق  صدر  الشعب  العراقيى ،  وحمله  اثقالا  واهوالا  تنؤ  بحملها الجبال  الراسيات . بل  وتعدى   النظام   حدوده  الجعرافية الى   حدود   الاشقاء  والجيران وتسبب فى  قتل  وجرح الملايين   منهم   ومن  شعبه  فى   حروب خاسرة   كان   يفتعلها  ويشعلها  ويدمر بها  بلده  وبلاد  الآخرين  فى  لحظات  كان  يغيب   فيها  عقله ورشده  .  كان  ذلك سببا كافيا لأن  يسعى  شعب العراق  للخلاص (عراقيا) بكل  الوسائل.  تلك  مسلمات  منطقية  لا  يختلف حولها اثنان.  ولكن  العرب  اختلفوا  مع اشقائهم  العراقيين  حول  دعوتهم  للاجنبى  المتربص  لكى  يقوم  بمهمة  اسقاط  النظام  نيابة  عنهم. فكان ما  كان من تدمير ( مقصود)  لمقدرات العراق العسكرية  والامنية  والاقتصادية والمعنوية تحقيقا  لاهداف ليست  هى اهداف  شعب العراق فى حربه  ضد النظام الصدامى الدموى.  حتى  اذا  هدأت العاصفة ،  الفى العراق نفسه  وهو  يجاهد   جهاد  المستميت  لكى  يستعيد  نفس المقدرات  التى  دعا ذلك الاجنبى  ليقوم  بتدميرها  طالما  كان  ذلك   سيؤدى  بالنتيجة  الى  اسقاط  نظام صدام   حسين.  سبب التلهف  الامريكى للاستجابة  السريعة   لدعوة  تدمير  قدرات العراق   لا يحتاج  الى كثير  فطنة  وذكاء   لادراكه:  فتدمير  جيش العراق كان  هو  الحلم   القديم   الذى  لم  يجد العدو  فرصة لتحقيقه  اثناء حروب العدو  مع  العرب  لأن  صدام  ظل متفرجا  فى  تلك الحروب. ولم  يسمح   لجيشه  بالاشتراك  فيها  رغم جعجعة  صناجة   العرب  وحامل  لواء  التحرير . وطالما   ظل   جيش العراق  لا  يحرك  ساكنا اثناء  تلك الحروب لأنه ( ماكو اوامر) من  صاحب العرش  صدام ، فان   العدو لم  يجد  سببا  يبرر  به تدمير  جيش  العراق  اثناء  تلك الحروب .   ولكن  الهدف الاستراتيجى  ظل  موجودا  ولكنه  مؤجل  الى  حين اشعار آخر. وجاءت  السانحة  التى   لا  يمكن  تفويتها عندما  تبرع  لفيف من  العراقيين ،  من  علماء  وسياسيين  وناشطين، تبرعوا  بتقديم  الأدلة وراء  الأدلة على  امتلاك  بلدهم   اسلحة  التدمير الشامل التى  يمكن ان  تمسح  اسرائيل  من  وجه  الارض. وكان  لزج اسم  اسرائيل  والتذكير  بصواريخ   الاسكود الصدامية   وقع  السحر   من  نفس المرتاب. اذن جاء  وقت  تحقيق الحلم الاسرائيلى  التاريخى  القديم  الذى  مكث    فى  مظان التأجيل  طويلا.  التقط المحافظون الجدد رسائل   ودعوات  المجموعات المعارضة  العراقية  المطالبة  بازالة نظام  صدام  حسين  بأى  ثمن ، حتى  اذا  كان  ذلك  الثمن هو  تدمير  جيش  ومدن  العراق .  وازكاء  نيران  الفتن الطائفية  والعشائرية . وفتح  القمقم    للانبهال الشديد.  لهذا  لم  يكن   غريبا  ان شاهد  الكون  على شاشات التلفزة العالمية   مدنا   عراقية  تطيح بالكامل  تقريبا  تحت الضربات الجوية الامريكية  التى  كانت  تتوهم  عدوا عراقيا   لا  وجود  له خلف  جدران  تلك المدن.   وشاهد العالم  عشرات  الالوف من الشعب  العراقى  يقضون  بنيران  الآلة  الحربية  الامريكية  الجبارة  التى ربما وجدت بعض  مكوناتها  فرصة  للتجريب لأول مرة. وشاهد العالم مندهشا   السلوكيات المنحطة  لابطال   التحرير  الامريكى  فى  ابوغريب ، وفى حالات  الاعتصاب والقتل  باعصاب  باردة   على  نحو  ما  يحدث  عادة  فى  بلاد العم   سام.  وهكذا   ادرك  العالم  مما شاهد أن  الثمن الذى  دفعه  شعب العراق للسيد  المحرر كان  باهظا جدا . واكثر  مليون  مرة  من  قيمة  البضاعة المزجاة  التى  ابتاعها   شعب العراق بليل من  السيد   المحرر دون  ان  يلم    بعيوب المنشأ  الكثيرة  التى  تدثرت  تحت  براثن الخداع.

 

 صحيح البكاء  على اللبن  المسفوح لن  يعيده الى الضرع  او  الى  القارورة. دعونا  نتفرج   على  طرب  الاشقاء  العراقيين  ورقصهم  فرحا  بيوم (الجلاء ).  ودعونا  نقول  لهم  ان  الاحتفال العراقى ( الحقيقى)  سيجرى  فى  يوم  جلاء  آخر جندى امريكى  من  الارض  العراقية.   وهو  يوم  لا يبدو  قريبا فى   الافق  وفقا لمعطيات  الظروف الحالية . اكيد سوف يفرح العراقيون يوم  لا تكون  السفارة  الامريكية  عبارة عن  مدينة كاملة و ترسانة  قفز فوق  رؤوس  الآخرين .او  عندما تكون سفارة  مثل كل  السفارات  فى  العالم ،  أو  مثل سفارةالعراق فى واشنطن.  وسوف  يكتمل  الفرح العراقى يوم  تتوقف  عمليات تحويل الشعب العراقى  الى اثنيات  متباغضة ،  هذا عراقى عربى، وذاك عراقى  تركمانى، وذاك كردى،   وذاك  اشورى.. . الى  آخر  هذه  المنغصات الوطنية العراقية التى  حق لنظام صدام  حسين ذات  يوم  ان  يفتخر  بانه  قد  تجاوزها مهما  كانت  سلبيات ذلك التجاوز .

   ولكن ، ورغم كل  هذه  الملاحظات  والمخاوف ،  نقول جميل ان  يحس  شعب العراق  ان وجود  الجيش الامريكى  الكبير  فى  اراضيه  كان خصما  على كرامته الوطنية ،  و منغصة  وطنية  كبرى ، حتى  اصبح مجرد  انزواء  الجندى  الامريكى  عن  ناظريه  فى  اطراف المدن العراقية  مبعثا  للبهجة  والسرور  والرقص  والطرب.