عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

وجاءنا الزائرون الحكوميون مردفين هذه المرة.  حقيقة  نحن  معشر السودانيين الذين وجدنا  انفسنا  مقيمين  اقامة  دائمة  فى  واشنطن ،  المدينة التى  تحكم العالم دون ان تطلب  الإذن  من اد،    لم نعد نتذكر  عدد  المرات التى جاءنا  فيها  زائرون   حكوميون  باحثين عن  وسيط  يحل لهم مشاكل السودان، بعد  ان يئسوا  من  اى  خير  يمكن  ان  يوجد فى اهل السودان  القديم ! نعم   لم نعد  نتذكر هل  هى المرة العاشرة ام المرة  العشرين التى تجئ الينا  فيها  وفود   حكومة   السودان   التى  شكلها (الوسطاء)  الايقاديون  واصدقاؤهم الغربيون   واختاروا  لها اسما (جاذبا )  :  حكومة (الوحدة) الوطنية! ومع  الاسم الجاذب (اختاروا) لها برلمانا  يبصم  على قرارات  شريكى الحكم  التى  تصادف هوى  فى  نفسيهما  ،  ويعرقل تلك  التى لا تصادف  ذلك الهوى.  ولكن  تبين  للحكومة المسندكة هذه ،  بعد التجربة ، انها  ما زالت تحتاج  للمزيد من الوسطاء. فالسودان البلد الحدادى المدادى هذا  فيه  دائما  متسع  للمزيد  من الاشياء : مثلا  فيه متسع  للمزيد  من العسكريين الدوليين باشكال ومسميات وبرانيط  مختلفة  الاشكال والالوان  يتضرعون  فيه  بخيلاء  قاهرة . وفيه  متسع للخبراء من  كل  جنس  ولون ، الجهلاء منهم    باحوال السودان والسودانيين والعارفون.  وفيه  متسع للادعياء  الذين يصفون للسودان  ادواءه   ودونهم أهلهم الذين  يتمرغون   فى الوحل  القديم رغم الخير المهول من  حولهم .  مما  يذكر بقول  الشاعرالقديم:

 

تصف الدواء لذى  السقام  وانت السقيم `

 

   يبدو  ان ايمان  قيادات  حكومة  الوحدة  الوطنية  بالقدرات الخرافية للوسطاء  قد  تجاوز  المدى الى  الدرجة التى  باتوا معها  مقتنعين تماما  انه  لم  يعد   ممكنا  ان  يتم  عمل لصالح  السودان  الجديد  هذا فى  غياب  هؤلاء الوسطاء . واعنى  بالسودان الجديد سودان الوسطاء تفريقا  بينه  وبين  السودان  القديم الذى كان    قبلة الباحثين   عن  الوسطء. هل  تنسون السودان  الذى  جمع  ين  عبد  الناصر   وفيصل بن  عبد العزيز ، ام تنسون  سودان  اللاءات  الثلاث ،التى  اعادت  لامة  العربية  والاسلامية  روحها بعد  الهزيمة الماحقة  . ام  تنسودان  السودان الذى  انقد  اباعمار من  موت محقق  فى  عمان.  يا حسرة على عباد   الرحمن  من  السودانيين الذين  اصيبوا   فى  ذاكرتهم  وتعجل  عليهم  الخرف  وهم  فى  خريف  اعمارهم.

 

  لقد جاءنا فى  واشنطن الوفد  المزدوج الكبير.  ولكن  اعضاءه اختاروا  ان  يخاطبوننا   متفرقين الى  وفدين  : وفد جنوبى  وآخر  شمالى  ! اختار  القادة الشماليون  من ا لوفد العرمرم ضربة البداية.  واعنى  بها  الندوة  الاولى.  وقالوا فيها  عن الشريك  الغائب الكثير  المثير الخطرالذى  لم  يقله  الحسين الحسن  فى رائعته المشهورة. وف الندوة  التالية خاطبنا الفرع الحنوبى  من  الوفد العرمرم .  وهو  بدوره لم   يقصر ابدا .  وقال  فى  شريكه  وغريمه الشمالى ما لم  يقله مالك  فى الخمر.

 

لقد  قضينا  وقتا  تعيسا و نحن  نطرح  انفسنا  لاؤلئك  القوم ليعرضواعلينا  اصنافا  بائرة من بضائع   حكومة  (الوحدة)   الوطنية  . وجالت  بخواطرنا  جميعا  اسئلة  شقية ، مثل كيف  سيكون  الحال اذا  كان  هذا  لوفد المزدوج  لا يمثل  كومة   حكومة  وحدة  وطنية.  كان  حديث السيد مالك عقار  حاكم  ولاية  جنوب  النيل  الازرق ، كان  محبطا لنا  نحن  الذين مازلنا على  امل  كبير بأن  يتعقل  اخواننا  فى الجنوب  ويصوتوا لصالح الوحدة  مهما  كانت السلبيات الآنية التى تواجه عملية  تنفيذ الاتفاقية.  السيد عقار  لم يراع شعورنا  نحن الشماليين الذين جلسنا   نستمع اليه بحرص كبير .  اخذ  يبشرننا   بأن  وطننا  الشمالى هذا  سوف يتمزق شذر مزر .  حيث  يذهب الشرق الى اريتريا ( نعم  اريتريا  ، والله العظيم !) وسوف  تذهب كردفان ودارفور ولن  يبقى  من درننا  القديم   شئ!  ثم   هددنا الرجل  تهديدا  مباشرا وقال  انه اذا  انفصل الجنوب  فان المهمشين    سوف  يتسببون  فى  اشعال  حرب   لاتبقى  ولا تذر بين الجنوب والشمال . لان المهمشين سوف  يعلنون الحرب  على الشمال  وسوف  تضطر الحركة الشعبية الى  دخول تلك  الحرب  نصرة  للمهمشين .

 

لقد كانت تلك هى المرة الاولى التى استمع  فيها الى السيد  عقار.  واقول ان الرجل  قد  خسرنى كناخب.  اذ   ليست هذه هى اللغة  التى اريد  ان اسمعها  من  الذين  ساصوت لهم سواء اكان ذلك  التصويت مباشرا او عن طريق  (تحميس)  الآخرين.

 من جانب  آخر ، تحدث  باقان اموم  حديث  رجل  الدولة المسئول  واوضح  المشاكل الكثيرة التى تعترض  تنفيذ  تفاقية السلام ولم  اسمع منه  ما سمعته  منه  فى الماضى  كثيرا  ، من استعداد تسعين  بالمائة  من شعب الجنوب للتصويت للانفصال . هل تولدت  قناعات جديدة  لدى المحارب القديم  ، ام  راعى  انه  يتحدث  فى العاصمة التى  ترفض  تاجيج  النيران .  أم  انه راعى  مشاعر  اخوانه الشماليين  الذين لا  يحملهم الخلاف  مع  حكومة  الانقاذ  على  الموافقة  على  خطط  تمزيق  وطنهم  الذى  ورثوه موحدا  ويريدونه ان يبقى كذلك .    وأخ يا   . . . وطن !