يبدو أن اشتراك الحركة الشعبية فى نشاطات المعارضة الشمالية فى الشهور الاخيرة قد جرّ عليها غضب شريكها اللدود ، خصوصا انضمامها للتحالف الذى اعلنه خيرا  17 حزبا من احزاب المعارضة السودانية  لخوض الانتخابات الرئاسية السودانية المتوقعة فى فبراير القادم بمرشح رئاسى واحد  فى مواجهة مرشح الحكومة ، الذى سيكون هو الرئيس الحالى  ، السيد عمر البشير.  اعلان تحالف الاحزاب المعارضة السودانية هذا  اثار غضب أهل الحكم فى السودان. ظهرذلك فى ردود الفعل الغاضبة والمنفعلة والمهاترة التى بادر بها اكثر من مسئول حكومى  ، وصلت حد  وصف هذه الاحزاب باقذع الاوصاف.  ليس اقلها انها احزاب شتات و تهافت وركض وراء السلطة!

 

 الطريف أن الغاضبين الحكوميين هؤلاء  نسوا  وهم فى ذروة انفعالهم وغضبهم ضد الاحزاب المعارضة انهم  سبق  أن تفاخروا بتنظيم تحالف انتخابى مكون من خمسة وعشرين حزبا .كيف اذن  جاز هذا الغضب  للحكومة ضد  احزاب المعارضة فقط لأنها مارست نفس الحق الذى مارسته الاحزاب الحاكمة؟

 

أحرام  على  بلابله  الدوح

 

حلال للطير من كل جنس

 

 مدهش جدا اهتزاز الحكومة  و غضبها العارم  على تحالف انتخابى تقيمه معارضة  سبق ان  طردت من الحياة السياسية قسرا. واستهدفت  بالحل  والاقصاء من  شئون وطنها ، رغم ان وطنها هذا قد اصبح فضاءا  مشاعا لهواة تعلم السياسة والزيانة على رؤوس الآخرين. فما من زعيم الا وجاء الى السودان وهو يحمل مبادرة لحل مشاكل السودان!

 

الآن تعرف المعارضة ان محاولة  تنظيم  نفسها لخوض الانتخابات القادمة  هو عمل مثير  ومستفز  للحفائظ الحكومية ، ومحفز   للحكومة لكى  تخرج  من القمقم شياطين الانس والجن ضد هذه المعارضة . اما الحركة الشعبية التى دخلت على الخط مع تجمع المعارضة بصورة اكثر وضوحا هذه المرة ، فربما عرفت أن الامر اخطر من تحرك شياطين الإنس والجن . وهذا تفصيل سيأتى فى السياق لا حقا. غضب الحكومة من تحرك المعارضة الانتخابى ، يعكس قناعة الحكومة باحقيتها هى وحدها فى التحرك الانتخابى و بقدرات وامكانيات جهاز الدولة المتعددة ،أما  الاحزاب المعارضة و المغيبة  والمصادرة على مدى عشرين عاما ، فعليها ان تلعب كرت التحول الديمقراطى فى حدود ضيقة ، ولا تصدق الرواية الى آخر المدى ، والا جلبت محاولات احزاب المعارضة للخروج من الكساح المفروض عليها ، جلبت عليها  غضب مضرى حكومى كاسح  من النوع الذى شاهدناه وسمعناه من ردود فعل الحكومة على محاولات المعارضة تنظيم تحالف انتخابى عادى  .

 

ولكن ماذا يجلب الامر على الحركة الشعبية على عين الخصوص ، فهذا امر يمكن التنبؤ به بسهولة . وربما تستفيد الحركة  من دراسة المصير الذى آل اليه حزب الأمة الذى ذاقت قواعده اكثر من غيرها مرارة التشتيت والتشقيق الذى مارسه ضدها أهل الحكم الانقاذى بصورة قاسية رغم ان قيادة حزب الامة تريد أن تنسى هذا الامر ، ربما من باب خداع النفس ، و اشغالها بالامانى. ما جرى لحزب الامة هو قادم باتجاه الحركة وكل قادم فهو واصل من قريب.

 

 الغضب  من معارضين لم يفعلوا اكثر من تبادل افكار لتنظيم انفسهم انتخابيا  ،  يعكس حرصا شديدا على التمسك بالسلطة و الاستماته فى الاحتفاظ بها فى حرز أمين ضد أى خطر يتهددها قد يأتى من قبل  هذه الاحزاب المتحالفة  رغم ما تظهره الحكومة من استهانة  بها .

 

 محن المعارضة السودانية هى من بعض محن كل المعارضات فى العالم الثالث ،  حيث الحاكم هو  كائن منزه عن الخطأ ،و لا يأتيه  الباطل  من بين يديه ولا من خلفه. وحيث الحاكم  دائما هو فى فطنة  فرعون موسى:   لا يرى الناس إلا ما يرى ، و ما  يريهم الا سبيل الرشاد .

 

ماذا  لو سأل  الغاضبون  والناقمون الحكوميون فى السودان انفسهم سؤالا  بسيطا وبديهيا هو : اذا كانت  الاحزاب المعارضة لهم  هى  احزاب  متهافتة  ، ومشتتة ، ولا تمثل احدا ، وانهم فائزون  عليها فى الانتخابات القادمة مقدما ، اذن لماذا يشغلون انفسهم   باحزاب  ومعارضة من هذا القبيل ؟  ولماذا يضيعون زمنهم  الثمين  فى الاهتمام بخطط هذه الاحزاب الانتخابية ،  لا سيما انهم  يواجهون محنا يومية تكاد تجعل وطنهم القارة هذا كيانا فى حكم المفقود غدا.

 

 ولكن كثيرة هى القرائن  التى تقول ان ادعاءات الحكومة السودانية ضد معارضيها  لا تثبت  عند الفحص والتدقيق. فاحزاب مثل احزاب الامة  والاتحادى الديمقراطى ، و الشيوعى ، هى احزاب تجذرت فى الوعى والوجدان الشعبى السودانى منذ ثلاثينيات القرن الماضى.  بذرتها الاولى كانت هى مؤتمر الخريجين . ثم نمت   البذرة وترعرعت   فى  اودية  الكفاح المتعددة  من اجل تحقيق استقلال وطنها من المحتل الاجنبى . وسلكت  فى سبيل الوصول الى ذلك الهدف عدة مسالك وتعرجت  فيها يمينا وشمالا ، هبوطا وارتقاءا ، حتى امسكت براية الحرية  من جميع اطرافها ، يوم حانت تلك الساعة من ساعات الصفاء الذهنى الأخاذ ، التى الهمت النائب المحترم ( محمد ابراهيم دبكة) سليل بيت النظارة الحاكمة ، نائب دائرة نيالا غرب عن حزب الامة _ الهمته  ان يتقدم باقتراح اعلان استقلال البلد القارة من داخل البرلمان دون انتظار لاستفتاء او لمنحة من  مستعمر . ويتقدم النائب المحترم ( مشاور جمعة سهل)  سليل بيت النظارة الحاكمة هو الآخر، يتقدم بتثنية اقتراح الاستقلال. و ينفجر المكان هتافا وتكبيرا . وينفجر السيد الشيخ الكبير الوقور بالبكاء ، فرحة بعودة الدولة التى اخرجها للوجود والده المجاهد الكبير فى سبيل الله والوطن . احزاب بهذه القيمة التاريخية لا يمكن ان يزاود عليها الذين كانوا غائبين  عن ساحة الوغى حين التحم الناس واصبحوا بين قاتل ومقتول. بل ويستحيل ان يزاود عليها الذين لم يكونوا حضورا فى يوم النصر الكبير والازهرى يرفع علما بيد والمحجوب ينزل علما بيد ، و لا يمكن ان يزاود عليها الذين لم يكونوا لا  فى  عير السياسة ولا فى نفيرها فى ذلك الوقت الوضئ. ولكنم يزاودون  على اى حال، سيرا على علل العالم الثالث الدائمة : فالكلام المرسل ادعاءا لا جمرك عليه  حين  ينطلق مثل ريح السموم، فيزكم هذا ، ويمرض ذاك  ولكن وتبقى عند الحاكمين المسرة فى الاعالى.

 

ونعود ونسأل مجددا لماذا الغضب الحكومى  ضد معارضين لا يريدون اكثر من تنظيم انفسهم لخوض انتخابات طال انتظارها  ؟ الاجابة يمكن العثور عليها بالرجوع الى عام 1988 والتذكير بذلك التحالف الانتخابى التاريخى  ، الذى لن ينساه اهل السودان عموما ، ولن تنساه  عضوية الجبهة القومية الاسلامية فى السودان ، الأب الروحى لحزب المؤتمر ( الحاكم !). واعنى به ذلك الحلف القوى الذى شكلته الاحزاب السودانية الشمالية قاطبة ضد الجبهة القومية الاسلامية ، وضد  زعيمها حسن الترابى ، الذى ترشح فى دائرة مدينة (الصحافة)احدى ضواحى مدينة الخرطوم اثناء الانتخابات التى اجريت فى عام 1986. فى تلك الانتخابات سحب   حزب الامة    مرشحه  الاستاذ (سيدا احمد خليفة) لصالح مرشح  الحزب الاتحادى الديمقراطى (الاستاذ حسن شبو) ووجهت احزاب الشيوعى و البعث والحزب الناصرى وتكتل النقابات، وجهت عضويتها بالتصويت لصالح مرشح تجمع الاحزاب . وكانت النتيجة هى هزيمة الشيخ الترابى الذى كان الشعب السودانى قاطبة يأخذ عليه انغماسه  فى نظام الرئيس نميرى الدكتاتورى حتى وصل فيه  الى  منصب النائب العام .  حزب المؤتمر الذى  يدير السودان اليوم هو امتداد لحزب الجبهة القومية الاسلامية الذى تراصت ضدها كل الاحزاب السودانية فى عام 1986 . هذه الذكرى التاريخية الحية فى الوجدان السياسى السودانى لابد انها تثير قلق أهل الانقاذ اليوم. وهم يعلمون ان غضبا كبيرا يمور فى الوجدان السودانى وفى القلوب التى فى الصدور وهو غضب له اسباب كثيرة ومتعددة . ويعرفون ايضا ان ناخبين كثيرين يسعدهم ان يكرروا تلك الممارسة مرة اخرى.

 

  وربما ظن أهل الانقاذ أن الاعلان عن قيام تحالف انتخابى ضد حكومة الانقاذ هو بعث عملى لتلك الفكرة القديمة. انضمام  الحركة الشعبية لتحالف المعارضة الانتخابى المرتقب هو تطور سيكون له ما بعده ، لا سيما على جبهة الحكومة الجنوبية.   العنف الذى يجتاح جنوب السودان فى هذه الايام يثير مخاوف الكثيرين فى الجنوب وفى الشمال الذين يخشون من ان يكون الامر مخططا بلؤم  ، حكومة الجنوب كانت اول من وجه الاتهام الى شركائها فى الحكم زاعمة ان الهدف من تفجير الاوضاع الامنية فى الجنوب هو زعزعة سيطرة حكومة الجنوب على الاوضاع الامنية والاقتصادية حتى يسهل تدمير سلطة الحركة الشعبية فى الجنوب  وقيام وضع بديل يكون مواليا وصديقا لحكومة الخرطوم يقوده نفس السياسيين الذين عقدوا مؤتمر كنانة الاخير واعلنوا عن تاسيس حركة شعبية بديلة للحركة الشعبية القائمة الآن والشريك الاساسى فى تنفيذ اتفاقية نيفاشا.

 

اذا  صحّ هذا الاتهام ، فهو لا يعنى أقل من تفجير الجنوب وما تبقى من الشمال بحرب اهلية جديدة  تقضى على ما تبقى من الاخضر واليابس  فى طرفى البلد المنكوب . فالولاءات فى الجنوب قائمة على الاساس القبلى الراسخ . والسلاح سلعة معروضة فى الطرقات. والقدرة على استعماله  هى الخاصية الجديدة المتوفرة عند الجميع . كما أن الحصول على هذا السلاح هو امر متاح لكل من يرغب. واذا فجرت الاوضاع فى  الجنوب فان الجنوبيين فى الجنوب والملايين منهم الموجودون فى الشمال لن يتجملوا بالصبر حتى يقضى الله امرا كان مفعولا . ولن ينتظروا حتى تصل سكين الذابح الى حلاقيهم . وكثيرون ممن اصبحوا يطلقون على انفسهم صفة أهل الهامش سيحملون السلاح الذى اصبح اكثر من الهم فى القلب فى الشمال وفى الجنوب.  وتصوروا معى حال السودان بعد ذلك . هل يصبح صومالا واحدا ام عدة صوماليات . المهم : اذا   فجرت الاوضاع فى جوبا  استهدافا  للحركة الشعبية فى عقر دارها ، فلن تكون اوضاع الخرطوم بمأمن . وبعدها سيصبح البلد المترامى  المتماسك بالامس  ، سيصبح اثرا بعد عين . ولن ينجح كل جراحى العالم فى تضميد جراحه.  ان على المجانين الذين لا يستطعيعون ان يروا ابعد من مواقع اقدامهم ، عليهم ان يفتحوا عيونهم جيدا هذه المرة ، ليروا ان تشقيق الحركة الشعبية وتفتيتها هو لعب بالنار ، وسيعرف الذين يلعبون بالنار ، انهم سيحترقون فى تلك النيران مع البلد الحدادى المدادى الذى ورثناه  واصبحنا على قاب قوسين أو ادنى من تضييغه  .

                              نقلا عن صحيفتى (الخرطوم  والوطن القطرية).