كان  سامر الحى  حتى  وقت  قريب  ، كان  يغنى  فرحا  جزلا  لوثباتنا  الكبرى  فى يناير  واكتوبر وابريل ، تلك  الشهور التى  ارتبطت بانجازات  وطنية عظيمة  حققها  شعبنا .  ففى  يناير 1956  انتزع  شعبنا  استقلاله  من  فكى  الاسد ، و نعنى  بذلك  دولتى الحكم الثنائى ، بريطانيا  ومصر . وفى اكتوبر 1964 وابريل 1985  انتزع شعبنا  حرياته  السياسية من نظامين  دكتاتوريين  باطشين هما نظام  الفريق عبود  والفريق  نميرى  على التوالى . كانت  تلك امجاد خلدها  شعراء  السودان وكتابه  ومؤرخوه . احد  اعظم  الشعراء  الذين  صدحوا بتلك  الامجاد  كان  شاعر  السودان الملهم  محمد المكى ابراهيم  ، الشاعر  السفير الفذ ،  والقانونى الضليع . غنى لاكتوبر الاخضر ، فاسكر الطير  فى اغصانها :
باسمك  الاخضر  يا   اكتوبر  الارض   تغنى
الحقول  اشتعلت  قمحا  ووعدا   وتمنى
والكنوز انفتحت  فى  باطن  الارض تنادى
باسمك  الشعب  انتصر
حائط  السجن انكسر
والقيود  انسدلت  جدلة  عرس  فى الايادى
كان اكتوبر  فى  وقفتنا  الاولى  مع المك  النمر ،
كان اسياف  العشر ،
ومع  الماظ  البطل ،
وبجنب  القرشى  حين  دعاه  القرشى
حتى انتصر .
لقد  انجذب  السودانيون  بحب  وطنهم  الناهض  الذى  كان  من اوائل  الدول  التى حققت  استقلالها بدون  الدخول  فى حرب  مع مستعمريها لأن قادته  فى  ذلك الزمن  قد نجحوا  فى  ادارة معركة  سياسية  قوية  ضد  مستعمريهم  فى المحافل  الدولية لم  يلبثوا ان  جنوا  ثمارها استقلالا كاملا  غير منقوص  فى  وقت  كانت  فيه  معظم  شعوب  المنطقة  ترزح  تحت  استعمار ثقيل ،  عربية  كانت هذه الشعوب ،  او افريقية او اسيوية .  وقد ولد  ذلك  النجاح  الباكر لدى الانسان السودانى ، ولد  قدرا  كبيرا  من الزهو والفخار  الوطنى  جعله  يباهى الدنيا  من حوله  ويخبرها  بأنه  سودانى . هذا  هو  شاعر  الامة السودانية  محمد المكى ابراهيم  ، يفاخر الدنيا  بجيله  و بوطنه  و بالمجد الذى ارساه  وطنه فى الديار ، حتى  صار  سلفا  ومثلا  :
من  غيرنا  يعطى  لهذا الشعب
معنى  ان  يعيش  وينتصر
من غيرنا  ليقرر التاريخ  والقيم  الجديدة  والسير
من غيرنا  لصياغة  الدنيا  وتركيب  الحياة  القادمة
جيل  العطاء  المستجيش   ضراوة  ومصادمة
المستميت على  المبادئ  مؤمنا
جيلى انا
جيل  العطاء  لك  البطولات  الكبيرة
والجراح  الصادحة
ولكن  لوحة  شاعرنا الدبلوماسى  المفوه  محمد  المكى ابراهيم  هذه ، و التى كانت زاهية  حتى الامس  القريبب ، اعتاشها التغبيش  فى هذه  الايام . فلم  تعد اللوحة  هى اللوحة ،  ولم  يعد  النشيد  هو النشيد ،  ولا الفخار هو  الفخار ، منذ ان نزلت  بساحات السودان  النازلات  الكبرى  التى لم  تترك  شيئا  اتت عليه  حتى  جعلته رميما  ، او كالرميم . ففى  ذلك الصبح  الغشيم ، صبح  الجمعة  بالتحديد ، كان  شعبنا على موعد مع حدث  جلل ، عندما  دخل عليه الريح الاصفر من النافذة ، ومع الريح الاصفر  دخل  الحفاة  العراة  من  أى ابداع ، واعلنوها حروبا  مستحيلة  على  كل  شئ ، حتى  على القاب  لاعبى  كرة القدم  بحجة  الرجوع  الى الاصالة ! لقد ارادوا اعادة  صياغة  الانسان السودانى بنقله  من  المجسم  الذى  وجدوه  عليه  الى  مجسم  جديد  تخيلوه  فى اذهانهم  العاطلة  من أى  ابداع .  مثلما غيروا  دورة  ذراعة  القطن الى  دورة  لزراعة  القمح  فى مناخ  غير موات  لزراعة القمح . وكانت  النتيجة  هى  موت  دنيا  الزراعة  فى السودان بكاملها  ،  تلك  الدنيا التى كان العالم  يرشحها  لأن تكون  سلة  غذا العالمين العربى  والافريقى . فانتهى امر السودان المنكوب بجهل  حكامه  وهوسهم ، انتهى الى حال  المنبت  الذى  لا ارضا  قطع  و لا ظهرا  ابقى.  بل  وجد  السودان  نفسه   وهو  يقبض  السراب  البلقع  الذى  حسبه  حكامه  المهووسون  ماءا  حتى  اذا  اتوه لم  يجدوه  شيئا . ودعاء  المظلومين الذى لا يفتر هو ان  يجدوا  الله عنده  غدا  فيحاسبهم  حسابا  عسيرا  على  ما ذرعوا فى حياة  الناس  من جوع  وفقر  ومرض  وهزال   يعلمه  الله ويراه ويجازى عليه . محن  كثيرة  تعاقبت  وتواترت على  انسان السودان  منذ ان  دخل  عليه  الريح  الاصفر  من النافذة  فى  ذلك الصبح الغشم ، صبح  الجمعة  بالتحديد. لعل اعظمها  كان اعلان  الجهاد الدينى  ضد  ابناء الوطن الواحد . حتى اذا اسفر  الصبح  لم  يجد السودانيون  وطنهم  الذى كانوا يعرفونه  وكانوا مستعدين  للموت  فى سبيله  باعتباره  وطنا  للجميع  يجاهدون  من دونه  جهادا حقا  وهم  راضون. على نقيض  من ذلك  وجد  رئيس  ما كان  يعرف  بجمهورية  السودان وجد  نفسه  مدعوا لكى  يشهد عملية  ذبح  ذلك  الوطن  التليد  الذى  كان ممتدا  مثل  سجادة التاريخ ، و لكى  يتسلم علم  السودان  القديم  بعد  ان اصبح  السودان القديم  نسيا منسيا. ويبدو ان التاريخ اعاد ونفسه وكرر لنا مشهدا  كا  محل  فخارنا ، وذلك  حين  سلم  السيد اسماعيل  الازهرى علم دولتى الحكم  الثنائى  لسفيرى  مصر وبريطانيا بعد ان  تم انزالهما  من جوف  سماء السودان ليغنى سامر  الحى السودانى :
يلا  يا  دخيل  بلدك
اما  فى حالتنا  الراهنة  ، فقد  تسلم  رئيسنا علمنا  ملفوفا بالحزن  والعار . عار  التفريط  فى  وطن  حدادى  مدادى ، بلغة اهله  الدارجة المحببة  والاثيرة  لديهم .
كان  محزنا  لجميع  افراد  الشعب  السودانى  . وكان باعثا  على التأسى . ماعدا حكام  السودان الذين  اجترجوا  جرح  الانفصال  الاليم .  فهم  من خجلتهم  الكبرى  يصورون  الامر هذه  الايام  وكأنه  نزهة  ربيعية  كان  يمشيها  الشعبان  ثم  قررا  الافتراق  بعد ان جهدهما  السير  الطويل والطريق  الشاق .وكأن  شيئا لم  يحدث . بل ان  رئيسه المغلوب  على امره  يفاخر الدنيا  بأنه  سيكون اول  المهنئين . وأن  سفارته  ستكون السفارة  الاولى  والاكبر. وكم  كنت  اتمنى أن  يضيف  من عنده  القول  المأثور " مكره أخاك لا بطلا "
. أخ . . .   يا  بلد  القمارى !

Ali Hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]