مواقف شريكى  الحكم   فى  السودان ، حزب  المؤتمر  الوطنى  بقيادة  (الفريق!)البشير ،  وحزب  الحركة الشعبية ، بقيادة ( الفريق!)  سالفا كير ، المتقلبة  تجاه  بعضهما  البعض ،  والمتسارعة ، لا تكاد  تترك  للمراقب  متسعا  من الوقت  للتدبر والتقاط  الانفاس.  ففى  التاسع  من  يناير  الماضى ، وعندما  اختار الجنوبيون  السودانيون الانفصال  عن  الدولة  الأم  بنسبة  فاقت  التسعين  بالمائة،  بدا  الأمر وكأنه  يسير حسب  التدابير المرسومة  فى اتفاقية  نيفاشا  للسلام الشامل المبرمة فى  شكلها النهائى  فى مارس 2005 . خصوصا عندما ابدى الرئيس البشير حميمية  واريحية غير معتادة  فى مواقفه السابقة التى كان يصر فيها  على  أنه  استلم السودان  موحدا .  وسوف يتركه موحدا للاجيال القادمة مهما  كانت الظروف . تمثل  ذلك  فى تهنئته  للجمع  المغادر  من  بنى  وطنه  وتبسطه  معهم  بما  يشبه  الارتياح  المكبوت . وكان  اول   مهنئينهم  بالانفصال كما  وعدهم  من قبل ، واول  مباركى  الدولة  الجديدة .  وقد  بدت الحميمية  التى اظهرها الرئيس ،  بدت  غريبة  لدى شعبه .  فقد  جاءت  فى لحظة  كان شعبه  يكابد  فيها  آلام  الانفصال  الحادة . ولم يستسغ  شعبه ، أو  يفهم   دواعي  الفرح  و انشراح الصدر  للانفصال  الذى  اظهره  الرئيس ، كأنه  لا يحس  بأنه هو ، وليس  احدا غيره ، الذى  فتتت بلاده  القارة  مثلما فتت جورباتشوف الروسى  بلده  الامبراطورية. ان لم نقل انهما  جلسا  مثل  نيرون ، يتفرجان على  بلديهما  وهما  يتآكلان  من اطرافهما  وليس  فى استطاعة  احد أن  ينقذ     ما  يمكن  انقاذه .  ولكن   الرئيس  المبتهج  مع الجنوبين  بمولد دولتهم الجديدة  سرعان  ما  ازال   غبش  الرؤيا  من  العيون  حين اعلنها  داوية ، ان انفصال الجنوب  كان الفرصة  الذهبية  المنتظرة  لتشكيل السودان الاسلامى العروبى الذى  سيحكم  من  الآن  فصاعدا  بالشرع  الاسلامى . والذى  سيختفى  فيه  جدل  الهوية  والمصير الى  الابد . لأنه  صار بلدا عربيا  اسلاميا  بالكامل  بعد  ذهاب الجنوب . وسوف تطبق فيه  الحدود الشرعية  حدا حدا ،و جلدا جلدا ( فى  اشارة  الى جلد  فتاة الفيديو  التى كانت  موضوعا اعلاميا ساخنا وقتها ). وهكذا عرف شعب  السودان  لماذا لم  يشاركه رئيسه  الحزن  والغم  على ذهاب ثلث مساحة  القارة  السودانية ، وثلث الشعب السودانى .  و بالطبع  الذى  يعرف السبب  يبطل عنده  العجب .

ولقد  سعد  الجنوبيون من جانبهم  باريحية  رئيسهم السابق ، وقبوله بالواقع  الجديد  مهما كانت اسبابه .  وظنوا  ان اوضاع السودان  واوضاعهم   الجديدة  قد استقرت  على  ما  خططت له اتفاقية  السلام  السودانية  أو  هى  فى  طريقها  الى الاستقرار . اذ  لم  تبق  إلا  بعض  الرتوش  والاضافات  هنا وهناك. وجاء  هذا  الظن  و الاعتقاد  فى  مخيلة  المبعوث الامريكى  غريشون ، ذلك  العسكرى  المسطح ، فكثر حديثه  الفرح عن  طلاق  سلس  بين  الشمال  والجنوب  . واغمض الرجل عينيه عن جهل  وسفاهة  فكرية  لا تخفى  ، اغمضهما  حتى  لا يرى  المطبات  الكثيرة  التى  تركها  خلفه  ولم  يحتط  لها فريقه   بالقدر الوافى .  وشاركه آخرون  فى  هذه الغفلة ، واغمضوا  معه  اعينهم ، ربما  استعجالا  للوصول  الى النتائج  المأمولة  التى كان  على رأسها  موضوع  دحرجة  الجنوب خارج  حظيرة  السودان  القديم .  ولم  يتدبروا  امر الخطر الكامن  عند المنعطفات الضيقة  القادمة  فى  الطريق ، و المتمثلة  فى الحدود المبهمة ،  والثروة البترولية السائبة  والديون  القومية  التى تطاول الجبال ارتفاعا وطولا . وغيرها  من التلابيس التى تحيط  ببلد  جلمود  سقط  من عل،   فتكاثرت  عليه سكاكين الذباحين  القساة .  قلت اغمض  وسطاء  السؤ اعينهم  عن  المخاطر  المحدقة  وتركوها  بلا  علاج ،  ليحاكى حالهم  حال ذكر  النعام الذى  يدفن رأسه  فى الرمال  عندما  يدركه الخطر ،  ظنا  منه ان الخطر لا يراه  طالما  انه  لا  يرى ذلك  الخطر .  ولكن سرعان  ما اكتشف  الحالمون  فى  عز  الظهيرة  ان  الحلم   شئ .  والحقيقة   شئ  آخر ، مر ،  و مغاير  تماما .

ايام  قليلة  تفصلنا  عن  التاسع  من  يوليو   2011 . وما ادراك  ما  التاسع  من يوليو 2011 .ففى ذلك  اليوم سوف يتداعى  خلق  كثيرون  الى   مدينة  جوبا  ، عاصمة الجنوب  الصغيرة  الحجم ،  الفقيرة  الى العمران  و النضارة  المطلوبة  فى  أى عاصمة  من  العواصم .  غرض ذلك الخلق  الكثير  هو الاحتفال  بمولد دولة  الجنوب الجديدة .  ولا  شك  عندى  انها  مناسبة   تستحق أن  يسعد  بها الجنوبيون  كثيرا. اعرف  ذلك جيدا بالمعايشة  الوجدانية   اليومية لأهلى  فى  الجنوب  الحبيب  الذى اعتمرته  قطعة  من  وجدانى  منذ  الصبا  الباكر . فقد  ولدت  فى  جزء  منه  ،   فى  شمال  اعالى  النيل  تحديدا.  وترعرعت  فى بعض  مدنه  الحانية .  فى مدينتى  القيقر  وملكال تحدبدا ، اللتان  تلقيت  فيهما  بعض تعليمى العام . زاهية  بالاخضرار كانت  القيقر  الصغيرة  وكذلك  كانت  ملكال الكبيرة . هذه احاطت بها  مشاريع  القطن   والفاكهة   والخضر  احاطة السوار  بالمعصم  . و نامت  على صدر النهر  العريض  كأول  ميناء  نهرى  يربط   بين  طرفى  بلد  لم  يكن  احد  يتصور  انها  سوف  تصير بلدين .  وتلك  نامت على  مروج  الرى  المصرى  الفيحاء .  وتوسد  الجنوب  والجنوبيون  شغاف قلوبنا ، نحن  بعض الصبية  الشماليين  الصغار ،  الذين  قذف  بنا  اهلونا  الى  الجنوب  البعيد  لكى  نتلقى بعض   تعليمنا  فيه .  فاختلطنا  فيه  واختلطت  امزجتنا الصغيرة  البريئة  وعمرت  بحب  طفولى  بقى  فيها  حتى اليوم  ولم  يبدله  الزمن  العنيد . كان  منا  الجنوبى القادم  من  اقليم  بحر الغزال ،  والجنوبى  الآخر القادم  من  الاقليم  الاستوائى . والجنوبى الآخر القادم  من اقليم  اعالى النيل . و كان  منا  الشمالى القادم  من  الشمال  البعيد :  اوشى  الحلفاوى  القادم  من اقاصى  الشمال   وشوقى  بدرى  الفتوة  القادم  من  مساقط  النور  والحضارة  حفيد  بابكر بدرى  العسكرى المهدوى  الجهادى الذى كان يلفح  فروة  صلاته  وراء ظهره   و يعلق  سيفه  وحربته  الكبس  على كتفه  ويعتمر  فى  قلبه  راتب  المهدى  الامام . ويمشق  قلمه  السيف  فى تمجيد  الثورة  التى  كانت  بعض  غذائه  الروحى . بعضنا  ولد   فى  الجنوب  و ترعرع  وعاش    فيه .  واصبح  جزءا  من نسيجه  الاجتماعى . كاتب  هذه  السطور  شمالى ، سليل  عشائر  بدوية  من  بوادى  دار  محارب  عموم  العربية .  فتح عيونه  فى  الجنوب . وصار  جنوبيا  بالميلاد  والوجدان . ظل  يكابد  وجعا  وجدانيا  متمترسا  منذ  التاسع  من يناير الماضى عندما  تحتم  عليه   أن  يصير  اجنبيا  فى الجنوب  الذى كان  وما زال  قطعة  من  وجدانه . ومنذ  تحتم  عليه أن  يعيشون  فى  جزء  من  وطن . وليس  فى  كل  الوطن .

كان  يكفى السودانيين  الشماليين  هما  وغما  أن  بلدهم  المتمدد  مثل  سجادة  التاريخ  انكمش  وصار جزءا  من  بلد  ، وجزءا   من  وطن.  و لكن  حكامهم  يريدون  ان  يزيدونهم  من قصيد  الاحزان  بيتين.  فها هو الرئيس  البشير ، فى فورة غضب  مضرية ،  ينسى  كل  اريحياته  مع  أهل  الجنوب  الذين  فرح  لفرحهم  فى التاسع  من ينائر  ، و الذين  شاركوا  اهله  الشماليين   ذات  يوم  الافراح  والاتراح ، واكلوا  معهم  الملح والملاح ،  ها هو  يرسل  اليهم  دباباته  المدرعة  فيقصيهم  من  ديارهم ، حتى  يصيح  الواحد  منهم  بوجه  اخيه أن  إنج  سعد  ،  فقد هلك  سعيد. ويشعللها الفريق  البشير  مرة  اخرى  وزيادة . ويتوعد  الحركة  الشعبية  غدا  بمصير أبيى ، مدينة  التراب  المسكينة  البائسة التى لا يشرف البشير  الافتخار بما صارت اليه  بعد  الهجوم عليها من قبل  جيش الفريق . فالجيوش الحرة  لا  تهجم  على  مواطنيها . هذا  يحدث  فقط  فى  سوريا  وليبيا  واليمن .  ولا  يشرف  جيش  الفريق البشير  ان يحدث  هذا  ايضا  فى  السودان .

فى التاسع  من  يوليو  سوف يغادر  الجنوب  . ومع  الجنوب  سوف  يغادر البترول  ودولارات  البترول. وسوف  تبقى  مع  شعب  السودان  (الفضل )  الجراحة  الخطيرة  التى بشره  بها  والى  ولاية  الخرطوم .  و تعنى  الجراحة  الخطيرة  هذه  ان  دولة  الشمال  الفضل  ستعيش  من جيب  المواطن  الشمالى الفقير  بعد  مغادرة  دولارات  بترول الجنوب  مع  الجنوبيين المغادرين الى  الدولة الوليدة .  رغم  أنه  جيب  مخروم   ومقدود  فى  الاساس . انها الحروب  المزدوجة  القادمة . حرب  بين  الخرطوم  وجوبا  حول  أبيى  التى  يقول الاعلام العالمى  انها  تنام على  صدر  بحيرة  من البترول  غير  المستغل  . بينما  يقول  الخبراء  البتروليون ان بترول  أبيى  شارف  على النضوب . وأن الشماليين والجنوبيين  يدلقون  ماءهم  على  السراب . و هناك  حرب قبائل المسيرية  والدينكا التى تغذيها  الاوهام  الكبيرة  والطموحات  الصغيرة  . و حروب  اخرى  ضد  ضد  المواطن  المغلوب  على امره  فى  الشمال  والجنوب  على حد  سواء  فرضها  سياسيون عاطلون  عن  الابداع  السياسى ،و اضاعوا  ارثا  فى التعايش  السلمى بين  المكونات العربية  والمكونات  الجنوبية  استمر  لقرن  من الزمن  فى منطقة  أبيى  قبل  وصول هؤلاء السياسيين  بجنونهم  وجهلهم وغرورهم  المجوف .  الآن   ستضاف  حرب  خاسرة  جديدة  الى حروب  السودان  الطاؤوسى  طرفاها  مجلس  الأمن  الدولى  و حكومة السودان  الشمالية  التى  ظلت  على  مدى  عقدين  من الزمن  تعلن  حروبا  خاسرة و لا تدخلها  و لا تطلق  فيها  رصاصة واحدة . حروب  كلام  كيشوتية   من عينة  حروب   ازمان  الحرب  الباردة  التى اهلكت الشعوب  بالتضييق  السياسى  عليها . وارحت الحكام  من أى مسئولية امام  هذه  الشعوب  تحت  شعار  لا صوت  يعلو  فوق  صوت  المعركة .  ولكنى   آخذ  الحرب  الوشيكة  بين  حكومة  السودان  ومجلس  الأمن مأخذا  جادا  اذا رفضت  الخرطوم  الانسحاب  من أبيى  وفورا  حسب  طلب  المجلس  الذى  يمسك  فى  يديه  بالفصل الأممى السابع  ويمكن أن  يستعمله  ضد السودان  فى أى وقت  وبسهولة  ويسر . فقد  سبق  للسودان أن سمح  بأن تصبح  بلده  حديقة  دولية  على الشيوع  الدولى  والاقليمى  رغم "طلاقات "  رئاسية  جازمة  ظلت  بلا  تدوير . فالسودان  يموج اليوم  بالقبعات  الزرقاء  من كل  صنف  ولون . افارقة  واسيويون  وعرب . وآخرون  بلا  هوية  محددة   يعملون  اعمالا  فى الظلام . لقد  طلب  مجلس الأمن من  السودان أن  يسحب قواته  من منطقة  أبيى  فورا . وذكره  بأن احتلال  هذه  المنطقة  هو  خرق  سافر  لاتفاقية  السلام  السودانية  لعام  2005 .  وماذا  بعد  الخرق  السافر غير  ايقاف  هذا  الخرق  جملة  وتفصيلا .  ويكون  هذا  الايقاف  عن طريق سحب  الجيش  السودانى الشمالى  من المنطقة  و استساغة  طعم  الاهانة  المر. جيش  ينسحب  من  ارض  قال  انه  دخلها  لأنها  ارضه  وارض  اجداده .  وبعد  استعراضات  بطولية  وتكبير  مدوى  فى  معركة   دونها  معركة  ذات  الصوارى  التاريخية . لست  ادرى  كيف تستطيع  الخرطوم  استساغة  طعم  الحنظل القادم . ولكن  الذى يقر به  الجميع هو  ان الخرطوم " متعودة  دائما " -  على  لغة  الكوميدى الكونى  عادل امام .

اما  الحرب  الجديدة  التى  اعلنها  الرئيس  البشير  ضد  الفساد  الذى  استشرى  فى  نظام  حكمه  وخنقه  حتى كادت  روحه  ان تصل  الحلقوم  ، فهى  الحرب  التى  كان  يريدها  الشعب  السودانى  منذ  وقت  طويل . وانتظرها  طويلا  و لكنها  لم تأت  ابدا .  لا  احد  سوف يعير   حديث  الفريق عن  وقف الجبايات  الضريبية   الفاسدة  والظالمة  أى اهتمام . لأن الناس  قد  سمعت  هذه  الاحاديث  كثيرا من  قبل  حتى صارت  من  نوع  المكرور الذى  لا يفيد  تكراره  ولا  يضر .

ان السودان  المأزوم  ظل  يعيش  حروبا  كثيرة   فى  العقدين  السابقين  بلا  لزوم.   ولكن  الحروب  مع الحروب  مع  الاسرة  الدولية   هى  حروب  جدية  وذات  لزوم  كبير  ويخشى  أن  يؤطر  لها  الميقات  الزمانى  الاكثر  مفصلية   والاشد  حساسية . ونعنى به  ميقات التاسع  من يوليو  القادم . فى ذلك التاريخ  المفصلى  ايهما  سيكون  الاسبق  :  استقلال  الجنوب . ام  الحرب  مع  الجنوب  ومع  مجلس  الأمن .  ان  كل  الحادبين   يأملون  ان  يكون استقلال  الجنوب  هو  الاسبق .  وأن  يكون  فاتحة  لواقع  جديد . وأن تلغى الحروب  الوهمية . إنه  الأمل  والرجاء  المعقود.  وقديما  قال الشاعر :

ما  اضيق  العيش لولا  فسحة  الأمل

أخ  . . . .  ياوطن   القمارى !


Ali Hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]