(الانتخابات  البرلمانية فى السودان)
تاليف الدكتورين احمد  ابراهيم ابوشوك والفاتح عبد الله   عبد  السلام
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
عرض وتعليق  د. على  حمد إبراهيم
  فى  هذه الحلقة  سوف  استمر  فى عرض  بعض  ما سجله المؤلفان  من  وقائع  سالبة فى  الممارساة  السياسية ،  تدلل على   سطحية  بائسة  سواء  فى تناول  الشان السياسى  الوطنى او  فى ادارة الخلاف السياسى الحزبى . ولا اقول  ان  التجربة اليمقراطية  القادمة  محكوم عليها بان تواجه  نفس  الادواء  مرة اخرى . ولكنى اقول ان الوقوف عند ذلك الماضى الكئيب  ومعرفة  مقدار الضررالذى انتجته  تلك  الممارسات الضيقة ، هو  فى  حد ذاته  ضمانة  كبيرة لأن تسلك التجربة  القادمة مسالك ليست هى نفس المسالك التى اوردت التجربة الديمقراطية  الماضية  مورد  التهلكة  وباقصر  الطرق. ود دمرت  اى  صور ايجابية  للممارسة الديمقراطية التى كانت وليدة  تحبو  وكانت تأمل  فى ان يأخذ السياسيون بيدها الى بر الأمان او  - على اقل  تقدير-  لا يكونون  من الذين  شاركوا  فى تدميرها  من حيث  لا يريدون.
نعم ،  بلادنا  موعودة  بانتخابات  ديمقراطية كاملة  الدسم تأتى من بعد  شمولية خانقة  ، دامت عقدين من  الزمن ،  ولكى  نتفادى الوقوع فى نفس اخطاء  ذلك  الماضى ، يستحسن  بنا  أن  نقف  فى تأن  فاحص عند  المحطات السالبة  والايجابية فى  تجربتنا الديمقراطية القصيرة التى  وقف  عندها   المؤلفان ، و  نستخلص الحكم والعبر   للايام القادمة ، فنستلهم ما كان ايجابيا ،  ونسعى الى تطويره والاستفادة منه ، ونتفادى ما كان  سلبيا  فى  تلك التجربة ،  ونسعى  الى  تفادى  الوقوع  فى  نفس  الاخطاء  مجددا.  فالانسان الذى  لا يستفيد من اخطائه ، ويجدد  الوقوع  فيها  كل  مرة  هو  انسان  كّل  على  الحياة  وعلى  المجتمع  الذى  يعيش  فيه.صحيح
أن معظم القضايا التى واجهت  لجان  الانتخابات  النهائية فى الفترات الديمقراطية ، وحملتها على  ان  تفسح  لها  حيزا  كبيرا  فى تقاريرها الاخيرة ،  مما اورده  المؤلفان  بتفاصيل  كثيرة ودقيقة، قد  اصبحت  اليوم  جزءا  من تاريخ التجربة الديمقراطية . ولم يعد واردا  حدوث  أى منها  فى  الانتخابات القادمة، مثل  الجدل  والاحتراب السياسى  المضنى الذى  وقع  بين الاحزاب والفعاليات السياسية  حول قانون  الجنسية  السودانية ، او  مثل المعارك الكيدية والانصرافية  الجانبية التى شغلت  السياسيين عن اى  عمل  انتخابى  جاد ارفع  من الكيد الوقتى الى  بعضهم البعض  بصورة نفرت  مثقفى ذلك الزمن  من  هذه  الاحزاب وصغرتها  فى اعينهم كثيرا،  وفاقمت  بذلك  من  فجوة  عدم  الثقة  بين  هذه  الاحزاب  وبين  القطاعات المثقفة  والواعية   التى  كانت  تنتظر  فعلا  جادا  من هذه  الاحزاب  يتصدى للقضايا  الكبرى التى كانت  تواجه الجتمع السودانى الناشئ. وكان  غريبا  ان  تغيب  هذه البديهيات  والمسلمات من  اذهان  قادة تلك  الاحزاب  وهى تشغل نفسها  بممارسات  لا  تتورع  فيها  عن  الاساءة  البالغة  الى  قطاعات  كبيرة  من  شعبها السودانى  وتسخر  منها مدفوعة  بالحماسة السياسية غير المدروسة.  الوقوف عند ذلك العبث  السياسى  الذى اودى بالتجربة  الديمقراطية  الوليدة هو امر ضرورى . وكان من  صور ذلك  العبث  - مثلا جدل  تلك  الاحزاب فيما بينها حول اهلية الاشتراك  فى العملية الديمقراطية من اهل السودان مما  يوره المؤلفان بتفاصيل  لا تخلو  من  طرافة  هنا  وهناك. مثل سبة ان يكون هذا الشخص  او ذاك من اصول   غير  سودانية  (خالصة )  او ان  يكون  منحدرا  من اصول فلاتية  او اغريقية  او تركية  تمنعه  من  الاشتراك  فى العملية  الانتخابية  .  ويسجل المؤلفان   عدة  طرائف  فى هذا المنحى  تكشف  الى  حد كبير العبث  السياسى  الذى اندرج  فيه  سياسيوا ذلك  الزمن . فها هو  قاضى الانتخابات يشطب اسم  الوزير  محمد  عبد  الجواد  من  كشوفات المرشحين  لأن اصوله  البعيدة  ليست  سودانية . وشطب  معه  اسم  السيد  على بازرعة  لأن  اصوله  سواكنية . والسواكنية  فى  عرف ساسة  ذلك الزمن ليسوا  سودانيين.  وعندما احتج  محامى   المشطوبين  ، الاستاذ  مبارك زروق ، على  ذلك  الحكم ، قال  له  القاضى انه  مقتنع  بان  اجداد السيدين عبد الجواد  وبازرعة  قد حضرا  الى السودان قبل المهدية . و القانون  يقول ان الذين  حضروا  الى  السودان  قبل المهدية  ليسوا   سودانيين ! عندما قرأت  تعليق  قاضى ذلك  الزمان  (الوريف)  تعجبت وعرفت  كم هى  (عويرة) أو نبيلة بعض الدول فى زماننا هذا ، التى تمنح جنسيتها  لكل من  ولد  فيها ، جاء  والداه  من  صقع  الجمل ، او  من  غزالة  جاوزت  او  من تسمانيا ، لا فرق . اما امريكا ، حاكم  عام العالم،  ومالكة ذهب المعز  وسيفه  . فهى تمنح    جنسيتها لكل  من مكثت  فيها خمس سنوات  (حسوما )  فقط !   شخصى الضعيف هذا ،  القادم  من  بوادى  دار  محارب  عموم ، بعد  ان اصبح امريكيا ، لم  يعد  فى  مقدور جورج بوش  ،  سليل الامبراطورية  البريطانية التى لم تكن  الشمس  تغيب عنها  قبل  هجرة جدوده الى الدنيا الجديدة ،  لم  يعد  فى  مقدوره أن  يفضله بشئ ، الا اذا  تلوم  و قصّر فى الالتزام  الصارم بالقانون  الامريكى  وبدستور امريكا  المقدس.
 وكان  عزاء السودانيين  الذين اساء اليهم  سياسيوهم  فى ذلك  الزمن  ان   المحكمة العليا  الغت  تلك  القوانين الكيدية  وسمحت  للسواكنية  بالاشتراك  فى  العملية  الانتخابية  باعتبارهم  سودانيين ( تمام  التمام -  هذه  من عندى!) ويورد المؤلفان  ان تعديل  قانون  الجنسية فى عام  1957  واعتبار  كل  من ولد  فى  السودان  من اب مولود  فى السودان هو  سودانى خالص، لم  يلغ الظلال السالبة التى راكمها  قانون  الجنسية السودانية الملغى ، لاسيما ان  صحيفة (الناس )   التى  كانت موالية    للاتحاديين  فى  بادئ الامر استمرت  فى  سخريتها من  التعديل  الذى  ادخل  على قانون  الجنسية   ومضت  فى  تحسرها  فى ان  التعديل سيفتح  المجال لأناس  ليسوا  من  السودانيين  (الخلص) ليكونوا جزءا  من  جهاز  الدولة ، فمثلا  سنجد  غريستو  الاغريقى  وزيرا للدفاع  . وحاج  الدومة  الفلاتى   او  الغرباوى ، وزيرا للمالية ،  ومصلح صالح اليمنى وزيرا للمعارف ، وشنتلال بنجلال  الهندى  سفيرا اللسودان فى  بلد من بلدان الله ،  من المساجلات التى يصعب تصنيفها :  هل  من  الطرف  ام  هى  من القناعات الراسخة لسياسى  ذلك الزمن .
 ويوردالمؤلفان  طرفة  من  الوزن الثقيل  تمثلت  فى  شكوى  الاتحاديين  ضد  رئيس  الوزراء ، السيد عبدالله  خليل  لشطب  اسمه  كمرشح  لحزب  الامة  فى  دائرة كوستى الشمالية الشرقية  بحجة انه  غير سودانى! وقال  الطعن انه مولود  فى  اسوان حسب  ما هو  مكتوب  فى الدليل العصرى. " وقدم  محامى  السيد  عبدالله  خليل  وثيقة  تثبت انه  من مواليد امدرمان حسبما يفيد  سجل  خدمته  العسكرية.  ولكن  محامى  الادعاء  طالب بتقديم وثيقة  معتمدة  من  جهات الاختصاص  لأن وزارة الدفاع ليست  هى  جهة  الاختصاص فى  اثبات الجنسية  فضلا  عن ان  الوثيقة  صادرة  من وزارة  يشرف عليها السيد  عبد الله  خليل  نفسه. محامى السيد عبد الله  خليل  قال اذا  شطب اسم  السيد عبد الله يكون  الشعب  السودانى  مغفلا. فرد عليه  محامى  الادعاء  بان الشعب  السودانى ليس  مغفلا  ولكنه  غافل."  هذاالجدل الطويل الذى يورده  المؤلفان بتفاصيله   المثيرة    لم  ينته الا  عند رئيس  القضاء ، السيد  بابكر عوض الله الذى  شطب الطعن المقدم  ضد السيد  رئيس  الوزراء  لوضوح  الكيد السياسى   فى  القضية  اكثر  من أى  حيثيات قانونية . فالجهة  صاحبة العوى  كانت  تعلم  بلا  شك  انها  لن تكسب قضية   من  هذه الشاكلة  ضد  رئيس  وزراء البلد ولكنها اقدمت   على  ما  قدمت  عليه  مكايدة لخصم سياسى  يكفيها    ان  تحرق  اعصابه  "  وتقوّم  نفسه -  على تعبير السيد  خلف  خالد -  الذى ترشح  ضد السيد الازهرى .وقال  يكفيه ان  يزعج السيد الازهرى  ويقوم  نفسه  اذا  لم  يتمكن من  هزيمته !
 يسجل المؤلفان ملاحظة مهمة  حول ظهور  حزب الشعب الديمقراطى  فى الساحة السياسية  منشقا  عن الحزب الوطنى الاتحادى  وما  احدثه  ظهور  ذلك  الحزب  من  تحول  فى اسلوب ادارة الدولة ومؤسساتها التشريعية  والتنفيذية ،  "حيث  اصبحت  عملية  صياغة القرارالسياسى   لا  تتم  الا  بموافقة   "السيدين".  ويعتقد  المؤلفان  ان ذلك التطور  افقد  التجربة البرلمانية  الوليدة ماهيتها الوظيفية ، وجعل  نواب المجلسين كما  مهملا،  "ولا يقومون  باى دور  مؤثر  فى صياغة القرارات السياسىية"  و يرجع  المؤلفان ذلك الواقع  الى طبيعة العملية الانتخابية   نفسها ، لأن  الاختيار للترشيح  كان  يتم  حسب درجة ولاء   المتقدم  للترشيح   للطائفة  الدينية المساندة للحزب المعنى  والسند القبلى الذى  يتمتع به  فى  الدائرة المعنية دون  النظر الى  برنامجه  الانتخابى او  تدقيق النظر   فى  درجة الكفاءة التى يتمتع  بها .  ويريد  المؤلفان  ان  يقولا  ان تجاوز القيم  البرلمانية المرعية  فى  اختيار الاجهزة التشريعية والتنفيذية  هو  الذى  ساهم  فى  حفر  قبر التجربة ولما  يشرق  فجرها. وان  كان  من تعليق  هنا ، فان  الانسان يتمنى لو  وسع المؤلفان الدائرة السلبية لنفوذ  القيادات السياسية السالب على الاجهزة التشريعية والتنفيذية ، بحيث  تشمل  جميع القيادات التى اسهمت  جميعها  فى كسر  ظهر التجربة الديمقراطية  كل  بمقدار.  ولم  يقتصر الامر على دور  السيدين فقط .  فالزعيم الازهرى  اجهض  هو  الآخر دور اجهزة حزبه التشريعية والتنفيذية   تماما ولم يعقد لها  اى  مؤتمر  تداولى لكى تسمعه رأيها  فى الذى يقوم به  من عمل .  واكتفى  سيادته   بمنشوراته  المشهورة بعنوان  " الى  من  يهمه  الامر سلام ".  ومثل السيد  الازهرى من  جانبه  طائفية  سياسية لا  تقل حوزة  عن  طائفية السيدين الا  بغياب  الطواقى المكية! ولكن  مع كل  هذا ،  فان  التجربة الديمقراطية  لو تركت  لكى تتعايش  مع  عجزها المرحلى المؤقت  ، كانت ستنمو  كما  ينمو  البرتقال  فى  حديقة  تشع  عليها  رطوبة  الانداء.  علينا ان لا ننسى  انه  مامن برلمان منتخب  فى السودان اكمل دورته  الانتخابية.  ففى  كل  مرة  كان  الشموليون المسلحون  وحلفاؤهم من  الافندية الشموليون  المسلحون  بالسفسطة التنظيرية ، كانوا  يتآمرون  بليل  ، فيدخلون  الخدر  الساهى  ، ويعيثون  فيه مثلما  يعيث   ثور اسبانى  مهتاج  فى  مستودع  الخزف الجميل
وقف المؤلفان كذلك  عند التجربة  الحزبية  فى  جنوب  السودان  وقدما  لمحات  تاريخية  مهمة   للفعل  السياسى  الحزبى  فى الجنوب فى  الفترات  الديمقراطية الثلاث . وهى لمحات مهمة  للقارئ  غير المتخصص  لأن التجربة  الحزبية  فى الجنوب ليست  مطروقة  بمافيه  الكفاية  عند  الباحثين والمؤرخين.  ونفهم من السياق  التاريخى  ان  اول  حزب  جنوبى  ظهر  فى  الساحة    السياسية كان  هو  حزب الجنوب  الذى  تكون  فى  عام  1951 بمبادرة من  اشهر زعيمين  سودانيين  من  ابناء الجنوب فى فترة الاستقلال  هما السيدان  بوث ديو من  قبيلة  النوير،  واستانسلاوس عبد الله بياساما (  المؤلفان  اكتفيا  باسم  استانسلاوس بياساما ) من  قبيلة  الدينكا. ويشير المؤلفان الى ان  النخب  الجنوبية  التفت  حول  الحزب واعتبرته  منبرا عاما  يعبرون  من خلاله  عن ارائهم  السياسية.  ويذكران ايضا ان  الحزب  كسب  ود  حزبى  الامة  والجمهورى الاشتراكى  لمشاركته  لهما  فى  نزعتهما  الاستقلالية الرافضة  لشعار  وحدة  وادى النيل . وانضم الى الحزب معظم  الاعضاء الحنوبيين  فى  الجمعية التشريعية  وعدد  من المعلمين  وزعماء  القبائل  فى المديريات  الجنوبية اثلاث .  وكان  برنامجه ال  يدعو الى نظام  فدرالى  بين  الشمال والجنوب" وينادى  باستقلال  السودان  بعيدا عن  الوصاية المصرية".  وبمجئ الانتخابات البرلمانية الثانية  فى  عام  1958 غير  حزب  الجنوب اسمه  الى  حزب  الاحرار. ويسجل المؤلفان تفاصيل ما  يعتبرانها خدعة  سياسية ارتكبها حزب  الاحرار حين تواطا مع النواب الجنوبيين  الذين  فازوا  فى الجنوب على قوائم احزاب  الامة والوطنى الاتحادى وحزبالشعب واستحوز  على  مقاعدهم  بحجة انهم فازوا  باسمه وبعد  جدل قانونى طويل ايد معظم  النواب  ادعاء  حزب الاحرار الا اقلية منهم ثبتت على  ولائها  للاحزاب الشمالية التى فازوا باسمها  وجهدها.
     نواصل معا باذن الله-