الانتخابات البرلمانية فى  السودان (1953 – 1989) (3)

 

تأليف الدكتورين احمد ابراهيم ابوشوك والفاتح عبدالله عبد السلام

 

عرض وتعليق  د.على حمد ابراهيم

   باستعراض ملاحظات الدكتورين حول الفترة الديمقراطية التى تلت الانتخابات الاولى  وتلك التى  سبقت  انتخابات عام 1958  يمكننا ان نلحظ  كيف  كشرت العبثية السياسية  عن انيابها منذ صرخة ميلاد التجربة الديمقراطية الاولى ، وكيف كمنت الامراض  الفاتكة فى جسم التجربة منذ البدايات الاولى و اخذت تنخر فى عظامها ،  وما لبثت ان اخذت تلك العبثية بخناق التجربة  الوليدة ، وقضت عليها بحلول اليوم السابع عشر من نوفمبر من عام   1958، عندما تلقت التجربة الديمقراطية الضربة الدكتاتورية الاولى على يد  الفريق  ابراهيم  عبود، و كان قد بان على قسماتها الرهق  المبكر، وبدت  منهكة ، وغير قادرة على المقاومة ، رغم انها بحساب الزمن  ما زالت  فى عنفوان شبابها ، ورغم ان  الشعب ما زال منفعلا بها  إنفعالا شديدا .كان من اظهر الامراض التى صاحبت ظهور الفعل الديمقراطى فى بلادنا ذلك التهريج والتسطيح والسذاجة التى كان السياسيون يعالجون بها الشأن العام الوطنى .حيث اختفى تماما التفريق بين ما هو شأن وطنى عام و بين ماهو شأن خاص يتعلق بمصلحة هذا السياسى او ذاك . واختلط حابل هذا بنابل ذاك وضاعت الحدود الفاصلة بينهما او كادت . مثلا : كان من  المنطقى ان تفتح  احداث مارس 1954 الدموية التى فجرها الانصار تحذيرا   للجماعات  الاتحادية من  ضم  السودان الى مصر تحت اى مسمى ، وان تقود الجبهة الاتحادية للتكتل خلف حكومة الازهرى الوليدة ، ان لم يكن من باب انصر اخاك فى كل حال ، فمن باب الحرص على ان لا تنزلق البلاد فى فوضى كانت كفيلة بان تعطى الحاكم العام الحجة  لتعطيل قرار الاستقلال بحجة الانهيار الدستورى الوشيك .  ولكن  العكس تماما هو الذى حدث. فقد تغلبت الحمية الشخصية ، والرغبة فى المكايدة والتشفى على القادة الاتحاديين  المنتمين الى الجناح الختمى فى وزارة السيد الازهرى من غلاة المؤمنين   بوحدة وادى النيل الفورية  ، وحملتهم على ان يثيروا غبارا كثيفا حول  موقف السيد الازهرى من الوحدة  الذى اعتبروه موقفا مترددا. ويورد المؤلفان كيف  ان النزاع الذى نشب بين السيد الازهرى وبين بعض القادة الختمية من دعاة وحدة وادى النيل الفورية قد اجبر السيد الازهرى على اخراج ثلاثة من وزراء الختمية  من وزارته هم السادة ميرغنى حمزة  وخلف الله خالد  واحمد جلى . ولم يلبث ان الحق بهم  السيد محمد نور الدين ، كبير غلاة المؤمنين بوحدة وادى النيل الفورية ، الذى اثار غبارا كثيفا فى وجه الحكومة الوليدة وزعيمها فى وقت حرج. ويورد المؤلفان ان خلافات الاتحاديين بطرفيهم الاتحادى والختمى قد وصلت الى مفترق طرق ولم يكن من بد من انفجار  الخلاف العلنى بين  السيدين على الميرغنى واسماعيل الازهرى عندما رفض السيد الازهرى تلبية طلب السيد الميرغنى  اجراء استفتاء حول مسألة الاستقلال والسيادة السودانية . و نتيجة لموقف السيد الازهرى ذاك  اعلن القادة الختمية انسلاخهم من الحزب الاتحادى ، وتشكيل حزب الاستقلال الجمهورى . ونفخ السيد الميرغنى فى اشرعة الخلافات الاتحادية بأن اعلن دعمه ومباركته للحزب الجديد.ان الدارس للتاريخ لابد ان يتوقف برهة هنا ويتساءل عن مغزى اسم حزب ( الاستقلال الجمهورى)  الجديد الذى شكله دعاة وحدة وادى النيل. لماذا  (الاستقلال ) وليس الاتحاد  ، طالما انهم من غلاة الاتحاديين الذين خرجوا من الحظيرة الاتحادية الازهرية فى سبيل وحدة وادى النيل الفورية ، و ابتدروا المصاعب التى ستودى فى نهاية الامر بالتجربة الديمقراطية برمتها كما سنرى فيما بعد . بل يلاحظ ان  الحزب الجديد قد اخذ موقعه فى داخل البرلمان  مع احزاب الجبهة  الاستقلالية المعارضة واصبح جزءا منها مضيفا الى طلاسم الفعل السياسى السودانى الذى يستعصى احيانا على الفهم  والتفسير.ويبدو ان هذا ما هو ما  دعا المؤلفين لأن يطلقا على الجبهة الاستقلالية التى حشر فيها الحزب الجديد نفسه وصف جبهة المتناقضات الاستقلالية . وكيف لا وقد اصبحت تضم    حزب الأمة الذى قد يجد له المؤرخون العذر فى موقفه من مصر الخديوية التى لم جيشت الجيوش واستعانت بالتاج البريطانى  لاسقاط  الدولة المهدية. ومضت  اشواطا  ابعد  و زجت بقواد المهدية العظام فى السجون ،وكبلتهم بالحديد ، واساءت معاملتهم  للدرجة التى  حملت  الاعلام العالمى والوطنى المصرى  على  الاحتجاج لا سيما ان  من ضمن  هؤلاء القادة المهدويين العظام  من  هو فى قامة  عثمان دقنة ، ومحمود ود احمد ، وعثمان الدكيم  وعلى ود حلو . ولابد من ان  يتساءل الدارس  للتاريخ كيف انحشر  الحزب الجمهورى الاشتراكى الذى شكله الانجليز من نظار الادارة الاهلية وكبار موظفى الدولة ليكون ترياقا لحزب الامة ودعوته  لتسريع حق تقرير المصير كما يذكر المؤلفان ، كيف انحشر مع حزب الامة والجبهة المعادية للاستعمار (الحزب الشيوعى لاحقا )  وطلبة كلية غردون التذكارية وقد كانوا من غلاة الاستقلاليين ، كيف انحشر  حزب نظار الادارة الاهلية وكبار موظفى الدولة الذين ارتبطوا بمكتب السكرتير الادارى ، رئيسهم الاعلى باعتبارهم جزءا من جهاز الدولة  ، كيف انحشر فى الجبهة الاستقلالية جنبا الى جنب مع حزب   حزب  الاستقلال الجمهورى الذى شكله غلاة المؤمنين بوحدة وادى النيل والذى ما لبث ان اختفى من الخارطة ليظهر على انقاضه لاحقا حزب الشعب الديمقراطى الاكثر تطرفا فى مسألة وحدة وادى النيل . لقد  انتظم الهرج السياسى كل اطراف الوطن الممتد  . فاذا انشقت الحركة الاتحادية بسبب وحدة وادى النيل ،  فهاهم الجنوبيون يعلنون عد م ثقتهم فى السياسيين الشماليين ،  بعدما رفضت حكومة السيد الازهرى  النظام الفدرالى فى الجنوب  بحجة ان النظام الفدرالى سيقود البلاد الى التفتت . واظهر القادة الجنوبيون  موقفا ادبيا نادر الحدوث فى العالم الثالث وهو الاستقالة من المنصب تمسكا بالمبادئ. فقد استقال على الفور وزيران من حكومة السيد الازهرى  من الوزراء الجنوبيين احتجاجا على رفض السيد الازهرى للنظام الفدرالى فى الجنوب . هل قاد رفض الازهرى المتسرع و غير المدروس للنظام الفدرالى دون ان تتوفر دراسة علمية لماهية ذلك النظام ، هل قاد البلاد الى تمرد السرية الثانية من الفرقة الجنوبية فى 18 اغسطس من عام 1955 .وادى الى قتل نتيجة لذلك التمرد 336 شماليا و75 جنوبيا ، والى ذرع اول بذور الشك والارتياب الذى تحول الى تمرد شامل فيما بعد ، ثم  الى ثورة ، ومشروع سودان جديد اخيرأ.ان التاريخ سيحاكم  الساسة الشماليين الذين من جهلهم السياسى و سذاجتهم السياسية ا ضياعوا على الوطن  فرصا سهلة  لمعالجة الوضع فى الجنوب فى وقت كان الحل اقرب اليهم من حبل الوريد .لو استجابوا لدعوة الفدرالية كانوا سيوفرون على الوطن انهار الدموع التى سالت ، وانهار الدماء التى سكبت بلا طائل . فها هو الجنوب  يعيش الفدرلية بالطول والعرض  وقد يعيش غدا الانفصال ، رغم انف الجهلاء ، قصيرى النظر الذين الذين ابتلى بهم الوطن فى الوقت الخطأ .وينقل لنا المؤلفان صورا متعددة للتهريج السياسى الذى ولد فى السودان  يوم ولدت الدولة السودانية الحديثة التى اسميناها فى بادئ الامر جمهورية الخرتيت كنوع من التشنيع اولا . وكترسيخ لاعتقاد خاطئ خلقناه وصدقناه يقول بان  بلادنا هى البلاد الوحيدة  من بين كل بلدان  العالم  التى  يوجد فيها حيوان الخرتيت البديع  ولكننا ما لبثنا أن تجاوزنا تلك التسمية  بعد أن تأكد  لنا أن هناك بلدانا عديدة تشاركنا عظمة استضافة  هذا الحيون الفريد الشكل الذى  يزعم الكثيرون  انه اما هاجر خارج بلادنا فى السنوات الاخيرة . واما ابيد  ابان  فترة الحرب الطويلة .من صور التهريج   الذى كان يسود المجتمع السياسى المأزوم بسبب الجهل وقلة الاحاطة التى يسجلها المؤلفان نجد   ان البرلمان السودانى فى عام 1955 ، وقد كان ضالعا فى المكايدات السياسية التى كان  يتبادلها السياسيون ضد بعضهم البعض ، ويستغلون  النواب البرلمانيين  لتنفيذ تلك المكايدات ، نجد ان البرلمان السودانى فى نزوة غريبة اسقط رئيس الوزراء  الازهرى  فى يوم باغلبية 49 صوتا مقابل 45 صوتا ثم عاد بعد يومين واعاد انتخابه رئيسا للوزراء  بنفس الاغلبية معكوسة – 49 للازهرى و45 لمنافسه. حدث ذلك لأن  بعض النواب  المستقلين كانوا سلعة معروضة فى بورصة  النخاسة  السياسية . وكانوا  يبدلون  مواقعهم ومواقفهم  بنفس السهولة التى يبدلون بها ملابسهم. . ويقف  المؤلفان عند محطة مهمة رأيت ان اشاركهم الوقوف فيها ايضا . ويذكران  انه فى انتخابات عام 1958 ، فقد السيد الازهرى اغلبيته البرلمانية ، وانتقل حزبه الى مقاعد المعارضة وسلم السلطة للحزب الفائز بشكل حضارى .ثم  شكل" جبهة وطنية مع الحزب الشيوعى ،واتحاد العمال واتحاد المزارعين ، واتحاد الطلاب ، والحزب الفدرالى الجنوبى . وكان شعار ذلك الحلف هو" الغاء القوانين المقيدة للحريات ورفض المعونة الامريكية  وتطبيع العلاقات مع مصر  وصياغة دستور قومى. لا حظوا معى ان القوانين ( المقيدة للحريات) كانت تبسط سلطانها حتى فى ذلك  الزمن الديمقراطى المتقدم تماما كما هو الحال اليوم . "وكأن ابوزيد لا غزا ولا شاهد الغزو !"- كما يقول المثل القديم . ويقول المؤلفان ان تحالف المعارضة ذاك قد رفع شعار " لا قداسة مع السياسة". ولنا ان نتصور الوضع الديمقراطى المزدهر الذى كان سيود بلادنا  لو  صمد  ذلك الحلف على  الأذى ، وتحمل ألم ى الغياب عن السلطة فى سبيل المبادئ عن طريق الابتعاد نهائيا عن  ناس القداسة فى السياسة. وتلاحم بشكل جاد مع  تحالف المزارعين والعمال والطلاب والمثقفين  . صحيح كان المد الطائفى الذى تمدد بلقاء السيدين ،  وبحكومة السيدين ، كان سيأخذ دورته الى حين ويهزم ذلك الحلف المثالى ، ثم لا يلبث ان ينحسر بانتشار التعليم . وما كنا سمعنا بدقة المحامى كمال عباس ،  الذى رفع صوته فوق صوت السيد، فكان لابد من تاديبه. وما كنا تعرضنا نحن ابناء الانصار الذين اصطفينا خلف السيد الصادق يوم  ثار ضد الامامة ، ما كنا تعرضنا الى ذلك القدر من الهزئ والسخرية  والتجريح  والتسفيه والتهديد  من اهلنا جراء موقفنا ذلك الذى وضعنا مع الملحدين والكفرة  فى صف واحد . هذا  قبل  ان  يعود السيد ادراجه الى الامامة طائعا  مختارا   وقد اصبح حاديها وصاحب قطافها. واصبحنا نحن ، معشر الانصار ، لا فى عير السياسة  ولا فى  نفيرها ،  بعد  أن راح  منا الدرب " فى بيت  ألمى !"  على لغة اهلنا الانصار البقارة الحلوة المموسقة . لقد أخذنا  التدجين فى عقلته. وتلاشت من افئدتنا شيم جدودنا الابطال الذين كانوا لا يقبلون أن تغمز اطرافهم  ، رحمهم الله واحسن اليهم  جدودنا الانصار الابطال : حمدان ابوعنج ، وودالنجومى ، وابوقرجة ، والزاكى طمل ، وعثمان دقنة ،  ومحمود ود احمد ، وابراهيم الخليل ، واحمد فضيل ، وعثمان الدكيم ، ويعقوب جراب الرأى ، وقد ضاع منا الرأى. رحمهم الله واحسن اليهم ،  اسود الضهارى المكشرة!  قلت لو صمد  الازهرى والمحجوب امام القداسة فى ذاك الوقت المتقدم لكان الحديث اليوم غير الحديث ! ولكن الازهرى رجع  الى دنيا القداسة ، ورجع المحجوب. فضاع منهم  الدرب فى " بيت ألمى" بالأمس كما ضاع منا اليوم . ويقف المؤلفان طويلا عند العبثيات  التى توضح لنا ان ديمقراطيتنا لم تضع من هين. ولكن ذاك حديث مؤجل ،وقادم باذن الله.