منذ  أن  انطلقت  ثورة   شباب  مصر  فى  الخامس  والعشرين  من يناير، وجرفت بتيارها  المندفع  ذلك الركام  الهائل  من الباطل  القديم  الذى ظل  فى  مكانه  بلا لزوم ، منذ  ذلك  الوقت  كبر  وتعاظم  أمل  الشعوب  العربية   فى رؤية  عالم عربى  جديد  سيماه  الكبرياء والعزة  والشموخ  تقوده  ارض  الكنانة   بحنكتها   وجسارتها  ووعيها   القومى   ، تلك  الايحابيات  الجاذبة  فى  تاريخ  و مسيرة   الأمة   العربية  المصرية  التى كادت  ان  تندثر  فى  السنوات  الاخيرة   عندما  انكفأت   النخب المصرية  التى تعاقبت  على   حكم  مصر  بعد  عبد الناصر داخليا   وتركت  الساحة  الحارجية  لأعداء  مصر  والأمة  العربية  يحيكون فيها  مؤامراتهم  على مصر  وعلى العرب  على  حد  سواء . بل  ان  بعض  النخب  المصرية  قطعت   شوطا         النخب  المصرية  الحاكمة  ذ اكبر  فى  لعب  دور  تخذيلى  ضد  تطلعات الامة  العربية  نحو  العزة  والكرامة  بمشاركتها الفعلية  فى رسم وتخطيط   العديد   من  المؤامرات  ضد  اخوة الدم  والعقيدة  فى  محيط  وجوار مصر  الجغرافى . لقد كانت تلك  لحظات سوداء   كادت  ان تجلب  للشعب  المصرى  عارا  لا  يمحى عبر التاريخ  لولا  لطف  الله  وعنايته  التى هيأت  لشباب  مصر الناهض  القوة  والاسباب  التى مكنتهم   من  قهر المستحيل  واخراج  مصر المجيدة  من  دوائر الاستكبار والتأمر  ضد  نفسها  وضد  امتها و تاريخها .  لقد  كانت  لحظة  انتصار ثورة  الشباب  المصرى لحظة جبارة  ، انتصرت  فيها  الارادة    والتصميم  على  الآلة   الباطشة  . لتجد  الامة   المصرية   نفسها   ومعها  امتها العربية   و هى تسير   فوق  اديم الثرى  مرفوعة  الجبين ، تحدق فى قرص  الشمس   وتتشابى  لكى  تلامس  اهاب القمر .    و تصيح   فى  البرية  تخبرها  بأن  امة  عربية   قد ولدت   للتو   فى الخامس    العشرين   من  يناير  من  العام  2011  .  ذلك التاريح   الذى   زهق  فيه    باطل  الدكتاتوريات  الزهوق . مصر  الجديدةا    احتفت  بمقدمها  مجلة   الاكنومست  ذائعة  السيط  فى  عددها   الصادر  فى  الخامس  من  فبراير.
 قالت   المجلة  الرصينة   انه  بالرغم  من  بشاعة   وفظاعة   بعض  ما  حدث   اثاء   الثورة   الشعبية   إلا  أن  ما نتج  عنها  يستحق  الترحيب .  فها  هو  الشعب  العربى  المقهور  فى  الاقليم  يذوق   طعم  الحرية  اخيرا . اذ  ما هى  الا  اياما  قليلة  حتى   احدثت  هذه  الشعوب  المعجزة  التى  بدأت  بطرد  اول   الطغاة  ثم  ما  لبث  ان  الحقت به  الطاغية  الآخر  الذى  كان  قد  تمكن  من  هصر  البلد  العربى  الاقوى  رهن اشارته  على  مدى  ثلاثين عاما حسوما .  ليختلف المشهد  العربى  اليوم  وسط  ابتهاجات  ثلاثمائة  وخمسين  مليونا  من البشر  ، يصدرون ذلك  الازيز  والطنين الجبار   فى   حراكهم  باتجاه  المستقبل  المأمول .
 نعم ،  لقد  اهتزت  عروش  الرؤساء  الملوك  العواجيز فى الاقليم  اخيرا . لتتأكد   المقولة الصادقة  للمرة   الالف  القائلة  باستحالة  الاحتفاظ  بالشعوب  اسيرة  فى  محبسها  الى الابد . وقالت  المجلة   " إن   التطورات  فى  العالم  العربى  ازعجت  اؤلئك  الغربيين  الذين   يفضلون  الاستقرار  فى العالم  العربى  على  حساب  الديمقراطية  . و حتى  بعد  ان  شفطت  ثورة  الشعب  العربى  ماء  الحياة  من  انظمة  هؤلاء الدكتاتوريين  ،  فانه  ما زال  هناك  فى العالم الغربى  من يردد بأن  بدائل   الانظمة  العربية  الاتوقراطية   لن  تكون   انظمة  ديمقراطية ، انما  تكون  فوضى  و أخوان  مسلمون  مناهضون  للغرب  و لاسرائيل ".  
 من واقع  ردات الفعل الغربى  السلبى  على  ثورت  الشعوب  العربية   المفاجئة   ،  يمكن  رصد   العديد  من الملاحظات  التى  تعكس  غرورا  وجهلا  متجذرا  لدى  الكثيرين  فى العالم   الغربى  وسط  الذين نصبوا  انفسهم  خبراء  ومحللين  فى شأننا  العربى ،  واصبحت  كلمتهم   تؤخذ  مأخذ  الحكمة  وفصل  الخطاب ، رغم  السطحية  البائنة  فى  كل  ما  يرددونه  من  مزاعم  جاهلة  و  مكرورة    ومعادة ،   يعطونها  ملمح  الخطط  والتصورات  التى متى نفذت ،  يمكن  أن  يؤدى  تنفيذها  الى   منع  هذه  المجموعة  ،  او  تلك  فى العالم العربى  من  ان  يكون لها  دور  فى بلدها ، فى عنجهية جاهلة ، وغرور ،  لا يصدر الا عن  وجدان مريض  بجنون العظمة  الكاذبة . تسمع حديثا  هنا وهناك  عن  انجع  الوسائل  لاطالة  الفترة  الانتقالية  فى مصر  لكى  يتمكن  الغرب  من تدوير الامور  وتقليبها  حتى يعثر  على  بديل   لحسنى  مبارك  يكون  مشابها  او مطابقا  له . ان  حديث  الغرب  عن  الديمقراطية  فى ظل  احاديث  التباكى  على  الطغاة  الراحلين  عن  الساحة  ،  يظل  حديثا  بدرجة  الصفر  .  ولايعكس  الا  غرورا  عمى .
وتمضى  المجلة  الرصينة   الى القول  انه  ليس  بالضرورة  ان تكون  كل  الثورات  التاريخية  متشابهة  كما  تشابهت  ثورات  فرنسا  فى 1789  و روسيا فى 1917  و  ايران  فى  1979 . غير  ان  ثورات  الشعوب العربية  التى  اجتاحت  اقليم الشرق  الاوسط  فى الاسابيع القليلة الماضية  وغيرت  المشهد  العام  فى محيطها ،  تشابهت  فى  ملمسها الشعبى السلمى ، و فى مطلبها  الاساسى المتشابه  المتمثل  فى الحرية  والديمقراطية. وكانت  ثورات سلمية   قبل ان  تطلق  الحكومات  العربية  بلطجيتها  لكى  يخربوا خاصيتها  السلمية  تلك .
  وتتنبأ  المجلة  ان  تحدث  الثورة  المصرية  حراكا  ديمقراطيا  فى المنطقة  لا  يقل عن الحراك  الديمقراطى  الذى  شهدته  اوروبا  الشرقية  بعد انهيار الاتحاد  السوفيتى .
اكيد هذا  ما  تتمناه  الامة  العربية   من  ثورة  شباب مصر. فان  حدث  هذا  ،  فيكون التاريخ  قد كرر نفسه   واعاد  الكرة  مرة  اخرى .  فقد  كانت  ثورة  يوليو   1952 مثلا  واثرا  تم اقتفاؤه  فى العديد  من  البلدان  العربية  عندما قلدت  النخب  العربية  التى كانت  تملك السلاح فى اكثر  من بلد عربى ، قلدت  نهج   الضباط  الاحرار الذين ابادوا  النظام الملكى الفاسد  وكتبوا السطر النهائى  فى ثورة  يوليو. اما  النخب  التى  لم تكن  تملك  السيلاح  فى  العالم  العربى ، فقد جعلت من افكار ثورة  يوليو  نبراسها  الذى تسير عليه .
  ان الامة  العربية  تحتاج  اليوم الى  رافعة  قوية  ترفعها  من  وهدتها الحالية  التى كانت  لقيادة  مصر  فى عهدى  السادات  وحسنى مبارك  القدح  المعلى  فى  احداثها  و تكريسها . لقد  كبلت  معاهدة  السلام  المصرية – الاسرائيلية  مصر بقيود  ثقيلة . و نزعت  عنها  مصادر  قوتها   ونخوتها  القومية  ،  ورهنت  ارادتها  لنصوص  معاهدة  كتبت  فى  ظل هزيمة  عسكرية  وسياسية  قاسية . و فى  ظل  حاجة  مصرية  ملحة  للعون العسكرى  والغذائى  الامر الذى  جعل  مصر  السادات  مضطرة  الى  تقديم تنازلات  كبيرة ومؤلمة . غير ان  مصر  فى عهد حسنى مبارك  تمادت  فى  انبطاحها  امام  الضغوط  الامريكية  والاسرائيلية  حتى  وصلت  الى درجة  الاشتراك  فى جريمة  محاصرة  الشعب  الفلسطينى  فى  قطاع  غزة.  و الاشتراك  فى  معاداة  شعوب  ودول عربية  واسلامية  تربطها  بمصر اخوة الدم  والعقيدة  تنفيذا  للضغوط  الامريكية.   لقد وظفت مصر  حسنى  مبارك  نفسها  لدى  الادارات الامريكية المتعاقبة   
 بدعوى  ضرورة  اخذ  مكانها  المفترض  فى  ميدان  الحرب  ضد  الارهاب  باعتبارها  دولة  مستهدفة  من  قبل  الارهاب  الاقليمى   والدولى .  قد  يكون استهداف  مصر  من  قبل  الارهابيين امرا مسلما  به . ولكن  اسلوب  تعاطى  مصر  مع  هذه القضية  ،  و اسلوبها  فى معالجتها  زاد  طين  نظام  حسنى مبارك  بلة .  وذلك  حين  بدت  الكثير من ادوار  نظام  حسنى مبارك  كأدوار عميل  يتقاضى اجرا   وليست  كادوار  مستهدف  يدفع عن نفسه .  ان  اشتراك  نظام  حسنى  مبارك  فى  مؤامرة  حصار قطاع  غزة  الى درجة  قطع   المياه  عن الظامئين  الفلسطينيين  ،  والى  بناء جدار عازل  بين  الشعبين  المصرى والفلسطينى  لهو عار  فى جبين  نظام حسنى مبارك  وحده ،  ولا يسأل عنه  مجموع  الشعب  المصرى .
ان العهد  المصرى الذى  سيخلف  عهد حسنى مبارك  سيجد  نفسه امام  استحقاقات  وطنية مصرية  .  واستحقاقات  قومية  عربية  واجبة  السداد .  لاسيما  ان تغيير  الحكومات  لا يلغى التزامات  الحكومات  الملغاة  نحو الغير  كما جرى العرف و القانون الدوليين .
 و لعل اولى  المهام  الكبيرة المنتظرة  هى ان   يتم  اخراج  مصر  من  دائرة  العداوات  التى ادخلت  نفسها  فيها  فى  محيطها  الاقليمى  بسبب ضلوعها  فى استراتيجيات  اقليمية  ودولية  قصيرة النظر  اضرت  بمصر  ولم   تنفعها . لقد كبرت  مكانة  مصر  لدى اشقائها العرب  يوم كبر حس مصر القومى تجاه هؤلاء  الاشقاء . وصارت  قضاياهم تأتى فى  منزلة واحدة  مع  قضايا  مصر الذاتية . كان ذلك على  عهد  عبد الناصر قبل  أن ينكفىء  السادات داخليا   ويركز همه   فى  تحرير الارض  المصرية  غاضا الطرف عن القضايا القومية  التى لم  يحتط  لها   وهو  يخطط  لاخراج  مغامرته  المشهورة فى العام 1979 . ورغم  ان العرب  قد غفروا  لمصر مغامرة  السادات التى  اخرجت الجيش  العربى الاقوى  من معادلة  المعركة  ضد  العدو الصهيونى الا  ان  نصوص  معاهدة  السلام  مع  اسرائيل لم تتح  لمصر فضاءا  و اسعا  للحراك  القومى مجددا  ، ة حيث ظلت مصر  رهينة  المحبسين  : محبس  نصوص المعاهدة  الماكرة ،  ومحبس الحاجة  للعون  العسكرى  و المدنى  الامريكى ، رغم علم  مصر ان  العون العسكرى الامريكى  له  حدود  مرسومة  لا يتعداها . و لا يمكنه  ان  يوفر  لمصر السلاح الذى يرفع عنها غائلة   الاعتداء   الاسرائيلى . ولكن لا بأس  من ان  يمكن الجيش المصرى  من تأديب جبش عربى  آخر  اذا لزم  الأمر ، مثلما حدث  للجيش الليبى  عندما استفزّ  العقيد  معمر القذافى  الرئيس  السادات  فارسل  هذا  اليه  فرقة مشاة قامت  بتأديب  جيشه  وسط ة فرحة  واهازيج  وشماتة  الاسرائيليين .
نعم ، اصبح  بعض ما  تقدم  تاريخا  قديما الآن . ذهب  السادات  وترك  وراءه  القطط السمان ، من  اللذين  اغتنوا  من سياسة  الانفتاح  واسسوا الفساد المبرمج  الذى انتج  طبقة  ثرية  وطبقات اخرى   تتدلى الى قاع  القاع . ثم جاء  حسنى مبارك وذهب . وترك  لمصر عداوات  مع  ايران   وسوريا  وحماس. أو قل  ترك  لها  برودا  بدرجة  العداوة  غير  المعلنة .    وترك حسنى  مبارك  لخلفه  قضية  حساسة  تتعلق  باحتلال جيش  مصر العربى  لارض  بلد عربى مجاور وشقيق هو الشعب  السودانى . لقد احتلت مصر اقليم  محافظة  حلايب  السودانية  التى يكفى ان تنظر  فى سحنات  المواطنين  فيها . و فى عاداتها .  وثقافاتهم .  وفى  ملبسهم  ومشربهم . و فى سلوكياتهم  العامة  لتعرف ان  هذه   بلدة  سودانية  افريقية  خاصة . تلك  الشواهد التى حملت دولتى الحكم الثنائى ، مصر وبريطانيا ، حملتهما  ذات يوم بالاعتراف  بأن  دائرة  حلايب هى دائرة انتخابية سودانية  وسمحت  الدولتان  للجنة الانتخابات الدولية  بتنظيم انتخابات فى  تلك الدائرة  فى اول انتخابات  بعد  نيل السودان  لحريته  واستقلاله  من دولتى الحكم  الثنائى . لقد تسامى جمال عبد الناصر فوق  تشنجات القوميين المصريين الذين كانوا ينادون بالحاق  السودان بالتاج المصرى  بحق الفتح العسكرى  وليس بحق  وشائج  قربى الدم  ووافق على استقلال السودان  الكامل . وسحب  قواته من  محافظة حلايب  لتفادى  الاصطدام  بقوات  الجيش  السودانى  التى ارسلها  عبد الله خليل  رئيس  وزراء  السودان لكى تصد القوات المصرية من دخول مثلث حلايب  السودانى  .  نعيد  الحديث  عن فرحتنا  ببزوغ  فجر  مصر  الجديد.  ونعيد  التاكيد على  املنا  فى دور مصرى جديدة  فى المنطقة  يعيد  اليها  توازنها  وكرامتها  .  ويترفع  عن  النظرات الوطنية  الضيقة لصالح النظرة  القومية  الاشمل .  هذه  امانى  موضوعية ومنطقية   و ليست من قبيل التمنيات الجوفاء .
 الف تحية  لاخوان  وائل غنيم .  الذين جعلونا نسير  فى الطرقات ورؤوسنا  مرفوعة  وشامخة الى جوف  السماء  نطلب  الى الدنيا  أن  تسيخ  السمع  !
Ali Hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]