كتاب : ( الانتخابات البرلمانية فى السودان)

 

1953- 1986

 

المؤلفان :

 

- الدكتور احمد ابراهيم ابوشوك  والدكتور الفاتح عبد الله عبد السلام.

 

عرض  وتعليق :  د.على حمد إبراهيم

  الدكتوران الجليلان احمد ابرهيم ابوشوك والفاتح عبد الله عبد السلام قدما خدمة جليلة للمكتبة السودانية ، وللدارسين للتاريخ السياسى السودانى ،وللمشتغلين بعالم  المعرفة عموما ، باصدارهما ، فى اعسطس 2008، لكتاب (الانتخابات البرلمانية فى السودان 1953 – 1986 – مقاربة تاريخية – تحليلية) عن مركز عبد الكريم ميرغنى الثقافى بامدرمان.وهو سفر يحفل بمعلومات غزيرة و موثقة توثيقا دقيقا وامينا ووافيا ، الامر الذى يجعل الاطلاع عليه ضرورة  قصوى لأى دار س ، وأى مهتم بتاريخ ومنهج  الحراك السياسى الديمقراطى الذى انتظم  السودان فى الدورات الديمقراطية القصيرة التى نجا فيها الشعب السودانى من قهر الانظمة الشمولية القاهرة وغفا لفترة قصيرة من الزمن فى احضان  الفعل الديمقراطى الحقيقى ، شعر  فيها بكرامة النفس ، وامنها ، واحترامها. الجهد الذى بذله المؤلفان لتوثيق المعلومة فى هذا السفر القيم ، وتنظيفها من غث الاجتراح السماعى الشفاهى الذى كان وما زال آفة تأكل من القيمة الكيفية من التراث الذى تركه لنا آباؤنا واجدادنا ، هذا الجهد  ينحو  بعيدا عن  الانطباعية  والسطحية   التى لا يؤمن جانبها  من عاديات الغرض و الجهل  والعجز عن فعل التمام المعرفى وقلة الاحاطة بصورة عامة . وتلك من ادواء هذا الزمن الفاتكة التى  التى اصابت و تصيب عددا كبيرا من قبائل الباحثين ، والكاتبين  ، والمشتغلين بالمثاقفة بشكل عام ، الشئ الذى جعل الحصول عن المعلومة الموثقة توثيقا علميا كاملا  امرا ليس سهلا.فى حين ملأت الساحة  كتابات خاملة من وزن الريحة ،  يتقيؤها  كل من هبّ ودبّ  دون ان يلزم نفسه بأى قدر من  المشقة فى البحث المضنى.  يقع  هذا السفر القيم فى 360 صفحة من الحجم المتوسط . وينقسم الى خمسة فصول،  بواقع فصل واحد لكل دورة انتخابية من الدورات الانتخابية الديمقراطية الخمس التى اجريت فيها انتخابات ديمقراطية حقيقية ، وانتخبت فيها برلمانات قومية كانت على مستوى رفيع من الكفاءة السياسية. ولكن  لم يتسن لأى منها  ان يكمل  دورته بسبب الانقلابات العسكرية المتواترة  التى ما كانت تغيب الا لكى تعود  من جديد وهى اشد ضراوة وتعسفا ضد حرية الانسان السودانى وامنه وكرامته.اننى انصح الدارسين والباحثين بالوقوف المتأنى عند هذا السفر القيم الذى غاص من احله المؤلفان فى مجموعة مهولة من الوثائق والمصادر التاريخية من مظانها الاساسية ليقدما للمكتبة السودانية حصيلة جهدهما الخلاق هذا الذى عن التاريخ السياسى السودانى الحديث الذى لن يستقيم الامر لأى دارس اومتحدث عن هذا التاريخ اذا لم يتسن له الوقوف عند هذا الجهد العميم والموثق توثيقا نادر المثال . اننى لست بصدد تلخيص هذا السفر القيم ، لأن تلخيص هذا العمل الكبير لن يعفى الدارس والباحث فى التاريخ السياسى الذى يتناول مولد وتطور الديمقراطية السودانية ونجاحاتها واخفاقاتها ، لن يعفيه من ضرورة الوقوف المتأنى عند هذا الجهد الكبير. الذى يهمنى الآن هو أن اقف  عند بعض  المحطات المهمة التى  وقف عندها المؤلفان لاهميتها ، بنية التعليق والاضافة والملاحظة هنا وهناك ، مع عزيمة عندى بأن     اعود الى الكتابة المتأنية عن  هذا السفر القيم مرات ومرات باذن المولى. نعم ، تلخيص هذا السفر الدسم قد لا يفيد قارئ التلخيص. . فهو  يبقى على الدوام جديرا بالاطلاع  الكامل لمن اراد الاحاطة بفترة تخلق الوعى السياسى السودانى ، ونموه  ، والعثرات التى مر بها.- ملاحظات عامة: القارئ لهذا السفر القيم يجد ان المؤلفين وقفا عند بعض القضايا السياسية  التى شغلت   الانسان السودانى الممارس للسياسة، اوالمتفاعل معها ، اوالمتفرج عليها على فى ذلك الوقت المتقدم . ومع ذلك  ظل الحكم  النهائى على تلك الجدليات مبهما  ، او غير كاف ، رغم مضى كل ذلك الزمن الطويل . من هذه القضايا قضية علاقات الاطراف السودانية مع دولتى الحكم الثنائى، مصر وبريطانيا. ومدى ارتباط هذا الكيان السياسى السودانى او ذاك مع هذه الدولة المستعمرة او تلك . ورغم  ان الآلة الاعلامية المصرية المعادية للجبهة  الاستقلالية  السودانية بقيادة حزب الامة قد عززت الاتهام الموجه الى حزب الامة وزعيمه السيد عبد الرحمن المهدى بأنهم كانوا حلفاء للحكومة البريطانية وخصوم للحكومة المصرية ، او انهم كانوا صنيعة انجليزية ، تلك التهمة التى ينفيها  البروفسور الباحث (حسن احمد ابراهيم)  بوثائق غزيرة ضمنها كتابه الموسوم ب (الامام عبد الرحمن المهدى) الا انه من اللافت ان  الدكتورين ابوشوك والفاتح  يوردان فى سفرهما القيم  هذا  "ان مكتب السكرتير الادارى فى الخرطوم قد قام بدور مهم فى تمهيد الطريق لقيام الحزب الجمهورى  الاشتراكى لانه ( أى السكرتير الادارى ) كان يسعى الى تقليص نفوذ حزب الامة  فى الريف واضعاف قوته فى الجمعية التشريعية  حتى يكف  عن الالحاح لتحديد موعد مبكر للحكم الذاتى" .من هى  إذن الصنيعة الانجليزية: هل  هى الحزب الجمهورى الاشتراكى الترياق الانجليزى لحزب الأمة ،  الذى يورد المؤلفان ان الخلاف بينه وبين الحكومة البريطانية قد  اشتد بداية  من ديسمبر من عام 1950 بسبب مطالبة حزب الامة للحكومة  بضرورة اتخاذ خطوات اسرع نحو تحقيق فى  الحكم الذاتى.ام هى حزب الامة الذى كرهه الانجليز لأنه جادلهم واكثر جدالهم حول مطالبه بتقرير المصير والحكم الذاتى لابناء الشعب السودانى؟ بتدقيق النظر فى سفر الدكتورين  القيم  نعرف ان مصر   اعتبرت مطالب حزب الامة  بالحكم الذاتى   مؤامرة لصالح الانجليز ، بينما قررت  بريطانيا أنه حزب مناكف اكثر من اللازم وقررت  ضربه  بالحزب الجمهورى الجديد عقابا له على تشدده فى المطالبة بالحكم الذاتى للسودانيين ! ويذكر المؤلفان ان  قيادات الحزب الجمهورى الاشتراكى الجديد تشكلت من كبار القادة  الاداريين ونظار الادارات الاهلية و القادة القبليين . و كان لهؤلاء مصالح مشتركة مع مكتب السكرتير الادارى باعتبارهم جزءا من جهاز الدولة الذى يديره السكرتير الادارى .كان من قيادات الحزب الجمهورى الاشتراكى الترياق  الانجليزى  المضاد لحزب الامة من كبار الموظفين السادة ابراهيم بدرى ، والدرديرى نقد ، وزين العابدين صالح  . ومن زعماء الادارات الاهلية وقادة القبائل السادة سرور رملى ، ومحمد حلمى ابوسن ، وابراهيم موسى مادبو ، ويوسف العجب وعبد الحميد موسى مادبو.    ويورد المؤلفان ان  الحزب الجمهورى الاشتراكى قد الحق ضررا انتخابيا كبيرا بحزب الامة فى انتخابات عام 1953  عندما تمكن  عدد من نظار البوادى الذين رشحهم  الحزب الجمهورى ، تمكنوا من  هزيمة مرشحى حزب الامة فى الانتخابات واضروا بحصيلة حزب الامة النيابية ،  منهم – على سبيل المثال لا الحصر – الناظر يوسف العجب ، والناظر محمد حلمى ابوسن ، والناظر عبد الحميد موسى مادبو. ويبقى السؤال حول المسلمات التاريخية التى يرددها  اللسان الشعبى المنطلق بدون تدبر وهو يردد  اتهامات لهذا الفصيل السياسى ، أو ذاك  بالعمالة لهذه الجهة او تلك. وهى نفس النزعة التى ما زالت تسود حتى اليوم فى حواراتنا حيث نلقى الكلام على عواهنه ثم نمضى كالنسيم المنطق مع زخات رزاز الدعاش لا نلوى على شئ من التقصى مما نقول او  مما نتكلم به .- من القضايا التى وقف عندها المؤلفان قضية التدخل المصرى فى انتخابات 1953 وتجيير نتيجتها لصالح الاحزاب الاتحادية على أمل ان يحقق لها ذلك تنفيذ شعار وحدة وادى النيل . نظر المؤلفان تلك القضية من خلال ثلاثة ابعاد  رئيسية كما قالا. البعد الاول هو ما قامت به مصر من توحيد للاحزاب الاتحادية فى حزب واحد هو الحزب الوطنى الاتحادى قبل بدء الانتخابات. هذا التوحيد اكسب الحزب الوطنى الاتحادى تاييد الحكومة المصرية ، وتاييد القيادة الروحية الختمية وأدى تلقائيا الى فوز الحزب بالاغلبية فى الانتخابات . البعد الثانى للتدخل المصرى فى الانتخابات السودانية الاولى فى نظر المؤلفين تمثل فى الدعم المالى الكبي الذى حصل عليه الحزب الوطنى الاتحادى من الحكومة المصرية ، ووظفه بكفاءة عالية فى تنظيم حملته الانتخابية بترغيب الناخبين بالعطايا العينية والنقدية. اما البعد الثالث للتدخل المصرى الذى وقف عنده المؤلفان فقد تمثل فى طرح شعار وحدة وادى الذى سوقه الاتحاديون فى حملتهم الانتخابية رغم ان المؤلفين يعتقدان ان الاتحاديين  لم  يكونوا مقتنعين بشعار  وحدة وادى النيل ، وكانوا يتحاشون الحديث عنه تفصيلا فى منتديات النقاش الانتخابية .بعد أخير لتدخل الحكومة المصرية فى الانتخابات السودانية الاولى هو منحها اجازة خاصة للسودانيين العاملين فى مصر للذهاب الى السودان والاشتراك فى تنظيم الحملة الانتخابية لصالح الحزب الوطنى الاتحادى.ويثبت المؤلفان ان وصول السودانيين العاملين فى مصر الى منطقة دنقلا واشتراكهم فى الحملة لصالح الحزب الوطنى الاتحادى قد ادى الى فقدان  حزب الامة لدائرة  دنقلا وهى من مراكز ثقل حزب الامة التى جمعت بين الولاء الطائفى ونفوذ الادارة الاهلية. فقد  فقد مرشح حزب الامة الزبير حمد الملك الدائرة بواحد وخمسين صوتا لصالح مرشح الحزب الوطنى الاتحادى السيد أمين  السيد.ليست مصر وحدها التى تدخلت وتلاعبت بانتخابات عام 1953. اذ يثبت المؤلفان ان الاداريين الانجليز قد تدخلوا فى تلك الانتخابات لصالح  مرشحى الحزب الجمهورى الاشتراكى واحيانا لصالح مرشحى حزب الجنوب ، حتى ان  شكوى رسمية قدمت ضد المستر دى روبيك مفتش مركز شرق الاستوائية الذى وصفت تصرفاته اثناء الحملة الانتخابية بانها غير لائقة . ويقول المؤلفان ان  تدخل الاداريين البريطانيين فى الانتخابات فى الجنوب قدنتج عنه فوز حزب الجنوب بعدد اثنتى عشرة دائرة غير مباشرة من مجموع اربعة عسرة دائرة غير مباشرة الى جانب عدد خمس دوائر فوز بالتزكية( الدوائر غير المباشرة يسهل التلاعب فيها من قبل الاداريين الانجليز لأن الذين يصوتون فيها هم موظفون عند هؤلاء الاداريين ).ملاحظة مهمة اثبتها المؤلفان حول معلومة ظلت متداولة تاريخيا دون التاكد من صحتها . وتزعم المعلومة غير المؤكدة ان الاصوات الشعبية التى حصل عليها حزب الامة كانت اكثر من تلك الاصوات الشعبية التى حصل عليها الحزب الوطنى الاتحادى بالرغم من فوز الوطنى الاتحادى بالاغلبية المطلقة . يقول المؤلفان انهما لم يعثرا على ما يؤكد هذه المعلومة رغم غوصهما فى كل الوثائق التى سجلت كل شاردة واردة عن تلك الانتخابات. ولكن المؤلفين اثبتا نص  خطاب كان قد بعث به السيد الصديق المهدى  رئيس حزب الامة الى وزير الخارجية البريطانى يذكره فيها ان الاستقلاليين نالوا 275 الف صوتا بينما نال الاتحاديون 230 الف صوتا فقط.  ويقول المؤلفان ان الارقام التى اوردها خطاب السيد الصديق لا تتطابق مع ارقام لجنة الانتخابات التى اطلعا عليها   فى دار الوثائق البريطانية كما اطلعا على اصل خطاب السيد الصديق. غير ان المؤلفين عادا ووقفا عند التباين الشاسع فى عدد السكان بين دائرة واخرى فى بعض الاقاليم . وقالا  ان النتائج اذا حسبت  بنسبة الاصوات بعضها الى بعص ، فان تلك الاصوات  ستمنح  حزب الامة ستمنحه 30 دائرة بينما ستمنح  الحزب الاتحادى  39. واشار المؤلفان الى ان لجنة الانتخابات قد اوصت باعادة النظر فى توزيع الدوائر الانتخابية فى المستقبل حسب نسب السكان المقيمين فى كل دائرة .فى الفاتح من يناير من عام 1954 افتتح البرلمان السودانى الاول.فاز مرشح الحزب الاتحادى السيد ابراهيم المفتى برئاسة البرلمان فى الاقتراع السرى . ولكن الحاكم العام رفض الموافقة عليه بحجة ان السيد المفتى رجل متعصب حزبيا . وتم استبداله بالسيد بابكر عوض الله. بينما فاز السيد احمد محمد يسن برئاسة مجلس الشيوخ . وكان  رفض السيد المفتى لرئاسة البرلمان من قبل الحاكم العام دلالة كاملة بأن السودان كان على بعض خطوات من الحرية الناقصة . ولكنه ما زال غير قادر على تنسمها . شكرا للدكتورين على جهدهما الكبير. - نواصل معا باذن الله -