( 2 )
*  ليس هناك  ظلما افدح ، يأخى  شوقى ، من القول ان استقلال السودان  كان  فصلا  احاديا  ،  قام  به  وانجزه  الشمال  دون   مشاركة  الجنوب . والجنوبيين  .  وأنه  لهذا  السبب  يظل استقلالا  يخص  الشمال  وحده   والشماليين  وحدهم . و الفرحة  بنيله  فرحة  شمالية  خالصة  . سمعت   هذا  الزعم   الباطل  الحنبريت اكثر  من  مرة  من  متجادلين   لا يحسنون  الجدال  السياسى  ، و لا  يمتلكون  أدواته  الضرورية .  ولكنى احكى لك  من  مخزون  الذاكرة  الصبية  التى  تغزت من من غرائز   بوادى  د ار  محارب  عموم  فى  الحكى  والقص  ، احكى  مشهدا  داحضا لهذه المزاعم  عشته   فى  مدينة   ملكال،  عاصمة  اقليم  شمال اعالى النيل  وانا صبى  ناضج  اتلقى  تعليمى   الاوسط   فى  مدرسة  ملكال  الاميرية   قبل ان  تخدمنى الظروف بالتقائك  فى ذلك  الصرح  العتيد  فيما بعد .  كان  ذلك  المشهد   هو استقبلالات  االشعب  الجنوبى فى مدينة  ملكال  للزعيم  اسماعيل الازهرى  الذى جاءها  زائرا   ومهنئا    بعيد  الاستقلال .  يعجز  قلمى  وقلم غيرى عن  تسجيل  ذلك  الحدث  بحجمه الذى  كان .  وبمغزاه  البعيد.   احاطت   الجماهير  الجنوبية  بمطار  المدينة  الصغير  من كل  جانب  وهى تحمل   طبولها  وحرابها  ،  وتتسربل   فى ازيائها  الزاهية  المزركشة  الفاقعة  الالوان  ، وتعتمر فى  رؤوسها  ريش  النعام  بالوانه  المتعددة   المختلفة ، وتغنى اهازيج وطنية  بلغاتها المحلية المتعددة ،  وتمارس الرقص العنيف  المعبر  ، تأتى  من خلاله  بالعاب  الفروسية   من  مصارعة  للعدو  وهزيمته   فى اشارة  سياسة  بليغة  الى المستعمر المطرود  المهزوم .  اضاع   صوت  الطبول  المدوى  صوت المتحدث  عبر  مكبر  الصوت   الذى  اراد   أن  يعطى  الجماهير  المحتشدة  نبذة قصيرة  عن الوفد المرافق   للسيد  الازهرى .  وفتح  باب  الطائرة   الفوكرز.  وأطل  السيد  الازهرى   فى  بدلته  البيضاء  ،  واخذ  يلوح   بكلتا  يديه ، يعقدهما  بقوة ، علامة  الوحدة  والقوة  والانتصار .  وتدلى  الزعيم   الازهرى   عبر  سلم الطائرة  بتؤدة   وهو  ما زال  يلوح  للجماهير  فى  كل  الاتجاهات .  وردت  الجماهير  الراقصة  بالتلويح  بحرابها   ، تفردها  فى  جوف السماء ،  ثم  تنكسها  الى الارض  فى  تعابير رمزية  يعرفها   الجنوبيون  الفرحون ،  تترجم   فرحة  شعب  ولد  حرا  للتو .  واندفع  الزعيم  الازهرى   الى  وسط  الجماهير   الجنوبية  الهادرة  يعانق  بعضها   ويصافح  بعضها  الآخر .  وصعب  على  رجال  الأمن  أن  يحولوا  بين السيد  الازهرى  وبين  تلك  الجماهير   الهادرة . وكان اكثر  ما ازعجهم   هو كثرة  الحراب  التى  حملتها  الجماهير  الهادرة  وهى  تلوح  بها  فى وجه  الزائر الكبير .   ولكن  رجال الأمن  المحليين   افهموهم  رمزية  تلك  الحركات  فخلوا  بين  الزعيم  وجماهيره .  وكانت  اكثر  الصور تعبير ا بعد  استقبال المطار هى   صورة  موكب  الزعيم  الازهرى   وهو يتقدم  فى  صعوبة  بالغة  نحو  رئاسة  المديرية .  فقد كانت  الجموع   الجنوبية  الهادرة  والمحتشدة على  جانبى  الطريق  تصر  على مصافحته   يدا  بيد   او معانقته  فى شغف  حميم .  ولم  يكن  امام رجال  الأمن   الا   أن  يستسلموا   للأمر  عندما  راوا  تجاوب الزعيم   مع  جماهيره  والتبسط  معهم  الى آخر الحدود .   ومن المشاهد  التى  لا انساها  مدى العمر   منظر  موكب  الرئيس  الازهرى   وهو  يتوقف امام  المركز  العام  لحزب  الأمة  بمدينة  ملكال  وهو فى  طريقه الى رئاسة المديرية . و منظر  جماهير  الانصار  وحزب  الامة   و هى  تحتشد  امام  المركز  العام  لحزب   الامة   فى  المدينة  وقدكانوا  جمهرة  كبيرة  من مختلف السحنات : حنوبيون  وشماليون ،  تجار  وموظفون ، شيبا  وشبابا . كان  مشهدا  وطنيا  وقوميا  معبرا   ومبشرا  بسودان  متآخ . حيت  جماهير  الانصار  بحميمية  زعيم  الحزب  الوطنى  الاتحادى  منافسها  الاساسى  فى رسالة  ذات دلالة كبرى .  ورد  الزعيم  الازهرى  تحية  جماهير حزب  الاامة   بأحسن  منها  واخذ  يلوح  لها  بكلتا  يديه  ، يعقدهما   بقوة  ،’  علامة  الانتصار  الوطنى   المشترك  . يالهف  قلبى  وحسرته   على ذلك  الجلال  الوطنى السمح   وقد  انتهى   الى  سودان   شتته  شمولية  عسكرية  ودينية  اصولية  قاهرة  . وهل  يحتاج  احد  من  الناس  الى  التذكير بأن  شمولية عسكرية  سابقة   قد زجت الزعيم الازهرى  فى السجن  حتى مات فيه  بدون  سبب الا سبب  الخوف  من  قدرته على الاطاحة  بها  ان  تركته حرا  طليقا .  القلب  يدمى  والخاطر  يتساءل  كيف  استطاعت   النخب  السودانية  الشمولية  ان  تحدث  كل  ذلك  الخراب  الذى  أوصل  البلد  القارة  ، والشعب  الحانى  بطبعه ،   اوصلهما  معا  الى  محنة   المحن  التى  لا تستطيع  كل الثيران  الاسبانية  ان تحدثها  فى مستودع  الخزف  الجميل . وهل  كان  السودان  إلا  مستودعا   للخزف  الجميل  !  وكيف استطاعت  تلك  الشموليات تحقير  تاريخ  الشعب وتحقير  رمزيته  دون  ان تطرف لها عين  من حياء . أننى اتذكر  ، ياعزيزى شوقى ،  كما  تتذكر  انت دون  شك   المشاهد  الكثيرة   التى تبقت  فى  الذاكرة  الشقية  من  زمان  الصبا  الباكر  فى  الجنوب  الحبيب .  وهى مشاهد تحدث  عن  شعب كان متمازجا  سياسيا عندما  بزغ   فجره  السياسى  الحر  بعد  مغادرة  المستعمر  . أذكر  الانتخابات  التى جرت   فى  مدينة  مكال . والمنافسة  القوية  بين مرشح  الحزب  الوطنى  الاتحادى  السيد  على كاشف  ،  وهو  دينكاوى   مسلم  .  وكان  مساعدا  طبيا  فى  مستشفى  مدينة  ملكالى .  وبين مرشح  حزب  الاحرار الجنوبى  وهو  جنوبى  مسيحى . وتقاطرت  جماهير  المدينة  نحو  مراكز الاقتراع  منذ  الصباح  الباكر :  جنوبيون  يصوتون لصالح  الحزب  الاتحادى  الشمالى  فى غالبيته   دون اكراه او اغراء . وشماليون يصوتون لحزب الاحرار الجنوبى  فى غالبيته  دون اكراه  او اغراء . كانت شعارات السودان الواحد  الحر المستقل  تشع  فى افئدة  الناس  فى الجنوب  والشمال  فى حميمية نافذة   قبل ان  تخربها النخبة   الشمالية  على  مدى  عقود   قعدت  فيها  همتها  عن ترجمة  تلك  الشعارات و  عن تحقيق  مقاصد  االامة السودانية  واملها  فى  سودان  واحد  متحد  فى حجم  قارة  لا ينقصها شئ  من  خيرات  الدنيا  المطلوبة .  وفاز  مرشح  الحزب  الوطنى الاتحادى على كاشف .  وصفق  له  الجنوبيون  والشماليون.  وانفطرت افئدة  جماهير  الحزب  الوطنى  الاتحادى  من الفرح.  اذ  ليس اعظم  من  ان يفوز  حزب  من الاحزاب  الشمالية   على  حزب  بنجامين  لوكى ، ابو  الحركة  الفدرالية  الجنوبية ، أن يفوز عليه   فى عقر داره  فى الجنوب .  ولكن  حدث  هذا لأن امراض   الاثنية  السياسية  و عنصرية  اللون  والعقيدة  والمنشأ لم تكن  قد  كشرت  عن انيابها  البغيضة  الجارحة  بعد . كان  الشعب السودانى  فى طرفى البلد  الواحد ، كانة  شعبا  تتعدد احزابه  سياسيا  ولكنه  تعدد  يبقى  فى  الحدود السياسية  ولا يتعداها الى ما يدمر  ذلك  التعايش  السياسى  الفريد . واذكرها  ايضا انتخابات  مدينة الرنك ، يأخى شوقى ، وانت فتى  من فتيان  هذه  المدينة الحبيبة الى النفس . اذكر  تلك  الانتخابات  التى تنافست فيها احزاب سانو  و الامة . و  الاتحادى . وتذكر ياعزيزى  شوقى ،  ان  المركز  العام  لحزب الامة  فى امدرمان   قد رشح  رجل الاعمال  الضخم  المقاول   احمد المصطفى  فى دائرة  الرنك ،  بينما رفضت  اللجنة   المحلية  فى  مدينة الرنك  هذا الترشيح  و رشحت  من  جانبها احد  ابناء  الدينكا  هو الشاب   الشاب  الجنوبى  المثقف  مالك  بخيت نوك .  وكانت المفاجأة  التى لم يتخيلها  مركز  حزب  الامة  العام  فى امدرمان  ان الشاب  الجنوبى  الحافى الذى  ينتعل الثرى  قد  اطاح  باحد اثرى  اثرياء  المنطقة  ومرشح  الحزب  الرسمى  وأعلن اسمه  فائزا  بدائرة  الرنك  عن حزب الامة  . كانت  تلك هى اولى  بدايات التصحيح  الديمقراطى  فى احزابنا الجماهيرية. وكان حريا  بها أن تغرس ممارسات حزبية  جديدة  تنتج  عنها هياكل حزبية باطر  جديدة  و رصينة   لولا  تدخل العسكريتاريا  وتدميرها  لتلك  الظاهرة  والااحزاب معا .  واتضح  بعد فرز  الاصوات ان  القبائل  العربية الانصارية  فى الدائرة  قد انحازت الى جانب  المرشح الدينكاوى  الشاب  لأنه  كان  يحدثها عن همومها وعن قضايا ها  ويعدها بالحديث عنها  فى  البرلمان   ولكنه  يصدقها القول  و يقول لها  انه  سوف يجتهد  و لكنه  لا  يضمن النجاح .  وهى هموم  لا  يحسها  منافسه الملياردير.  ولغة  لا يستطيعها المليونير  الكبير بطبيعة الحال .  لقد كانت  هزيمة  الشاب الدينكاوى  الحافى  لاحد  اكبر الراسماليين  فى المنطقة حدثا  مثيرا  سارت  به الركبان  فى المنطقة . وخلفت حكاية  تحكى  عن  ذلك  التمازج الشعبى الفريد  الذى  دمرته  الشموليات  العسكرية المتعاقبة  بتدميرها للاحزاب  الجماهيرية   وتدمير  المد  الديمقراطى نتيجة  لذلك  لأن  الاحزاب  هى الوسائط  التى  تنمو من خلالها  الديمقراطية.و التى تنتج  بدورها  ذلك التمازج  الشعبى  الذى عشنا مزاياه  و نحن صبية ثم شباب  ثم رجال . اذكر  يوم اعلن  فى  مدينة  القيقر  فوزنا  للدخول الى مدرسة  ملكال الاميرية . اذكر كيف فرحت  مدبنة القيقر . وكيف انهالت  علينا الهدايا  والجوائز  والتكريم  حتى صعب علينا حمل  ما قدم  لنا من هدايا  لكثرتها . المرحوم محمد محى الدين  ، احد تجار المدينة  الشباب الصاعدين طلب الى ان  ادخل الدكان  واختار ما  احتاج من ملابس  واحذية . سر تجار  المدينة  الحاج  حسن عمر الاامين   قدم  لى  شنطة مليئة  بالملابس ومظروفا  ماليا . اما السيد  عبد الماجد  سعيد فقد كانت  فرحته   مزدوجة  . فقد كان  ابنه الجعلى  عبد الماجد  احد  الناجحين . لقد أبى الا  ان  ينحر لنا  الذبائح  ويقدم لنا الظروف المنتفخة  . وتذكر يأخى  شوقى  أن  القيقر  الصغيرة قد خرجت الكثر من سفير واكثر من طبيب  واكثر من مهندس  واكثر من زراعى  واكثر  من ادارى . وقد  توافد آباء هؤلاء  الخريجين منكل بقاع السودان وجعلوا من  مدينة  القيقر  الصغيرة  وطنا لهم . فى روايتى  الرابعة  التى  اسميتها ( سفر   الفنجرى ) تحتل مدينة القيقر الصدر الاعظم من الرواية  ، اعزى فيها نفسى على ضياع  ذلك  الجلال  الوطنى  الذى كان .  واريد  منك ،  يأخى شوقى ، ان  تدلف  بنا  بقلمك  الرشيق  على سيرة رجل عظيم  من رجال امدرمان الذى  صار  الجنوب قطعة  من وجدانه  وقدم  للجنوب من جهده  وماله الكثير   واعنى السيبد  المرحوم  محمد عبد الله عبد السلام  الذى  يسميه الجنوبيون ( ايوب داو  ) أى الرجل العظيم .  مثلما كانوا  يسمون الحاج حسن عمر الامين  سر تجار  مدينة القيقر  ( بريال ) وتعنى  ايضا الرجل الشهم .   كما  اطلق الجنوبيون على السيد ابراهيم  مالك ، والد  السيد  الزهاوى  ابراهيم مالك  وزير  الاعلام   السابق  لقب جالدونق  وتعنى ايضا  الرجل الكريم .  اؤلئك رجال شماليون  افذاذ بذروا  بذور المحبة  والالفة  فى الوجدان  الجنوبى بما قدموا له من  خير وخدمات  يرجون بها وجه الله وخدمة شعبهم . فبادلهم الجنوبيون حبا  وكرامة .  لقد مضوا وتركوها  ذكرى عطرة  فى ربوع اعالى النيل  ، قبل ان  يفسد  المجون  النخبوى  السياسى ما زرعه اؤلئك الآباء  الابرار .
اشكر لأخى شوقى تعزيته لى  فى ربوع عالى النيل .اننى محتاج فعلا لهذه  التعزية .  واشعر بيتم  غير عادى . هل احتاج غدا الى تاشيرة  دخول الى تلك الربوع  السودانية . وقدكنت  سفيرا  امنح  تاشيرات الدخول  الى السودان عموم . سبحان مغير الاحوال  من حال الى حال .   تلفنت امس لاخى الاصغر أسأله كيف حالهم فى اليوم الثالث  للاقتراع . قال لى  أن الاوضاع فى مدينة جودة  وماجاورها  من  قرى هادئة   ومستقرة . وأن الانفصال قد  حدث حتى قبل اعلان النتيجة . قلت  فى نفسى  لقد شلعها  الكيزان والامريكان  . . . ولم يبقوا منها شيئا !
 ولا   أقول   لك تسلم ،  يأخى شوقى ، وتاخذ غيرها .  ولكنى اقول  لك : حالك حال الشعب التونسى  الذى  انتفض  ونفض الباطل  من اطيانه . ام فى قلوب اقفالها من الخوف  المدمر  والفزع . هل نتأمل . وقديما قال السشاعر:
ما  اضيق العيش  لولا  فسحة  الأمل
 أخ . . .   ياوطن  !
Ali Hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]