**   حلت   الذكرى  الخامسة   والخمسين   لاستقلاال السودان  فى  الاول  من  يناير الحالى .  ثم  ذهبت   وتركت   افئدة  أهل  البلد القارة  مفعمة  بهم  عظيم .  وقد  توطن  فيها  احساس  عميق  بأن  هذه  هى المرة  الاخيرة   التى  يحتفلون  بها  بذكرى   الاستقلال   وهم  موحدون .   ولا  تغيب  عن خاطر  احد  من الناس  عمق   جرح  الانسان   السودانى    وهو  يرى  البلد القارة  الذى   كان  مرجوا   لأن  يكون  سلة   غذا   للجائعين   من  اهله .  وللجائعين  من أهل  جواره  البعيد   والقريب  ،   وملاذا   للخائفين  ،  والمحتاجين   ، والآملين  ،   وركنا  أبيا  من اركان  الدفاع   القومى  عن قضايا   الأمتين  العربية  والافريقية . بلد  اللاءات   الثلاث   فى  يوم   الجرح  الكبير .  البلد  القارة   التى  من  فيض   حنان  اهلها ،  هرع  و يهرع اليها  جيرانه  من  كل  حدب  وصوب  ، يطلبون  فيه  العيش  الكريم ،  والأمان  ،  و العشرة  النبيلة .  فتستقبلهم  ابتسامات  أهله   المشعة  بشرا   وترحابا   : أول  كلامهم  مرحبا .   وآخر  كلامهم    حبابك   . . . يازول .  فالدار  واسعة  ، و القلوب  منشرحة .  والرزق  من  عند الرب  ،   و لا يموت  احد   من خلقه   حتى  يستنفذ  رزقه  المقسوم .  كيف  اصبحت   هذه  القارة   تتهادى  من عثارها  و توشك  على  السقوط .   وتلك  اللوحة  الأخاذة  التى  تمازجت  من  سحرها   مع  نبضات  القلوب  ، كيف  غدت على  قاب  قوسين   أو  أدنى  من   التلاشى   فى  المجهول .  وكيف  غدى  أهلها   الأشاوس   يقبضون   قلوبهم  من جزع  ،  و خوف  من   المجهول  القادم.  وكيف  تضيق  انفاسهم    مما   يعتورهم  من  هم   وهم  يرون   بعيونهم المجردة  وليس   بعيون  زرقاء  اليمامة  أن  ارزام   المحنة   القادمة  قد  فاح  فى  الارجاء   صداه . ولم  يبق  إلا  أن  تعزف الألحان  الجنائزية   فى  يوم  الوداع   الاخير  . . .  و أهل   البلد  القارة   منهارون  من  ضعفهم  الطارئ .  حتى  رئيسهم  الذى  قهرهم  بسلاحه  وليس  بصلاحه   فى صبح  ذلك  اليوم  المشئوم  ، استسلم  للضعف  العام  الذى  سرى   فى كل  جسد   الأمة  منذ  أن جاءهم    بسيف  جهاده  ، ففرق  كلمتهم ، وأهان كبارهم ، واخاف شبابهم ، وأهدر  بالعوز  والمسغبة  كهولهم   حتى   تراصوا  فى  معسكرات  الذل  والاهانة  يتكففون  الناس  خارج   حدودهم  اعطوهم  أم منعوهم  لا فرق . وهو  الذى   بشرهم  بفيض  من  الرخاء  ،  يأكلون فيه  مما  يزرعون  ،  ويلبسون   مما   يصنعون .  و  يستغنون  عن العالم  أجمع .  هكذا  غنى  شاعر  الرئيس  منفعلا   باوهامه  حتى  صدق  ظنونه  وامانيه   وصدقه سامعوه  حتى  طرفت  اعينهم   من  فيصض   الاحلام   الوردية .   وهجمت  الدولة  الرسالية  تزيل  من طريقها   كل   الاشياء   التى  كانت  هناك  بلا  لزوم  لحظة  وصول  جحفل  الصحوة  الاسلامية .   عشرات  الالوف من خيرة   ابناء   الأمة  استقبلهم  الشارع   العريض   بعد  أن  ازيحوا   من  مواقعهم  لأهل   الولاء .   وفى خطوة  مثيرة  ومحيرة  اعلنت  الدولة  الرسالية  الجهاد على شعبها فى  الجنوب . وجربت  فيه  احدث  الاسلحة. وفتحت مراكز  الاسلمة   الاجبارية  لكل  من  وقع  فى  طريقها .  و اعلنت الدولة  الرسالية  الحرب  على  شعبها  فى الشمال . عندما   جاء  فى  ظنها  أن   مخالفيها   من أهل  الشمال  ، كلهم  جميعا ،  هم  رهط  من  الخونة   والعملاء ، وليس  فقط  اصحاب  رأى   مختلف  ورؤية  مختلفة .  وكانت  نتيجة الفورة  الدموية  تلك   أن  قضى  الالوف  من  الشباب  النضير   فى   شقى   الوطن   الواحد .  وتقطعت  اكباد  الأمهات  والآباء  كمدا .  وحزنا .  والجحفل    الحربى  سادر  لا  يسمع   و لايرى   ولا  يحس . كل  نداءات  المشفقين    المطالبة  بالروية   واعادة   النظر  ذهبت  ادراج  رياح  البطر  و الغلو  و العزة بالاثم .   ثم  جاءت   الفكرة  بعد  أن  طارت  السكرة .  سكرة الغلو.  والبطر  بالقوة  بعد  أن  صار   كل  شئ   يمشى القهقرى .  وتبدل   الكلام  غير  الكلام .  وانهار القسم  الجبار .  وبدأ  التراجع  السريع  غير  المتماسك  بلغة  العسكريتاريا .  صار  كبير القوم  ،  وقائد  المجهادين   وامامهم ،   صار  يفتخر بأنه  سيكون أول  المهنئين الفرحين  باقتطاع  حزء  من  وطنه  واقامة  دولة  جديدة  عليه .  الآن  فقط !   وبعد أن احرق اخضرها  و يابسها .   وبعد  أن  يتم آلاف  الاطفال   ورمل  آلاف  النساء  فى حرب  البسوس  الخاسرة  . الآن  فقط  تهادت  الى  قلبه الحكمة  الهادية  .و  اغمض  سيف  المعز البتار .  وانبهل  الكلام   الحكيم   غناءا   و قصيدا  فى    اذاعة  رئيس  القوم   وفى تلفزيونه  وصحفه  . يبشر  أهل  الجنوب – اخيرا-  بالوحدة   التى  داست   عليها  دباباته  بالأمس  القريب  .   وبعد أن  قضى   القتل   المجانى  المتعدد  الاوجه  وطره  من الناس  فى  الجنوب  وفى  الغرب وفى  الشرق .  فالسيف   قتل  و يقتل . والجوع قتل و يقتل.  والحاجة  قتلت و تقتل .  والضيم  قتل و  يقتل .  كل  ذلك  القتل  المجانى   حدث   فى  البلد  القارة  .  والمطلوب  الآن  نسيانه . فالله  يعفو .  ومن باب أولى  أن  يعفو  الضحية . خصوصا   بعد  أن  نسى  قائد   الجهاد  حكاية  الجهاد  مقطوع  الطارى   وصار   يفاخر على  رؤوس  الاشهاد  باستعداد  لنثر  الفرح   الطاغى  والتهنئة   فى  يوم  فجيعة  بلده  بانفصال  جنوبه الحبيب  ،  دون  ان  تطرف  عينه   من حزن  او ندم  على  الذاهبين  والذاهبات .  وعلى  الباكين  والباكيات  من  أهل  الجنوب  الذين  صعب   عليهم  أن  يتصالحوا مع  جرح  الحرب  الجهادية  ضدهم .   وصعب   عليهم  اكثر  ان   يرحلوا  عن  الشمال  الذى  آواهم   يوم عزّ   المأوى  والملاذ .   لقد  شاهد  الكثيرون  رنة الحزن  الجياش   فى  صوت   الشابة   الجنوبية  التى  اخبرت  سائليها  فىى  القنوات  الفضائية    بصوت مهتز انها   صائعة  الوجدان  فهى  لا تعرف  لها بلدأ  غير  الخرطوم  التى ولدت  وتعلمت  وتزوجت فيها . ولكنها  تحمل   حقائبها  مكرهة  وتغادر  الخرطوم . فالقرار هنا  ليس  قرارها !   البيت  الذى  بنته من العدم  هو قطعة من  وجدانها  ، تتركه كيف ، تهجره كيف ،  لا أحد  يعينها  على  العثور  على اجابة  شافبة .  لقد   شلعها  كبير   القوم  يوم   سطا  على  وجدانه  هاجس   الجهاد  ضد  شعبه  فى  الجنوب . فاعلنها  حربا  من  حجم  ذات  الصوارى  ، القاتل  فيها  مهزوم  ، والمقتول  فيها مظلوم .  والشاهد   يتبرأ  مما  يرى .   الزاحفون   الصغار  يتغنون  للموت الذى  شاعت  صناعته   وانتشرت  فى  عجالة  مدهشة .  واجتاحت  الانفس  عزائم  جديدة . تبحث  عن  الموت  بأى ثمن  فى  هذه  الحياة  الدنيا  طالما أن   الميتين  فى  هذه  الحياة   الدنيا  قد  قبضوا  الثمن  الكبير  فى  الحباة  الثانية  الاخرى . لقد  تيقنوا  من ذلك  من  الكاهن  الكبير ، كجور   البرية  الذى  يفتى  ، فلا  يأتى  الباطل   من خلف  فتواه    ولا من امامها . واشعل  الكاهن  الكبير ، كجور  البرية ، اشعل   الحماسة  فى  نفوس  شباب   البلد القارة  وهم  يرونه  وهو   يعقد  قران  الشهداء  على   الحور  العين  فى  الجنة  دون حاجة  لوكيل  من  البشر  ، او  لولى  يستلم  المهر والصداق .  لم  تعد  تلك  الشكليات  ضرورية  ، لأن  فقه  الضرورة  الذى  اجازه الكجور  الكبير ، كاهن  البرية المعضال ، قد افتى بأن  أمر الشهيد  قد  مضى   الى  السموات العلا كما لم  يمض  امر انبياء   الله الصالحين ، فجب ّ  شكليات ممارسات  بشر الأرض  لصالح  بشر  الشهداء   فى العالم   المجهول . . هكذا  قال  الكجور  الكبير ، كاهن  البرية  المجدد .  الذى  جدد احزان   الشعب  الطيب  الودود   الأخاذ  باستنزال  شمولية  جديدة   اكثر بطشا  من  سابقتها  فأعملت  فى الناس   سيوفها ،  وزجتهم  فى  سجونها ، واخافتهم  باشباحها ،  حتى  تصايحوا  من جزع   وتناصحوا :  إنج سعد ،  فقد هلك   سعيد . لم  يكف  الكاهن  أنه  كان  اوكامبو  الشمولية  النميرية  ،  ونائبها  العام ،  فى  وقت  كانت  تقطع  فيه ايدى السارقين  الجائعين  بدلا من ان  توفر لهم لقمة  من  الطعام  فى  عام  الرمادة   النميرية   التى  رمدت  عيون  الناس بالمسغبة  والبطش .  لم يندم  الكجور  الكبير  على ذلك  الماضى  البئيس  من  تاريخه  القانونى  ، فانزل  على  شعب  السودان محنة  الانقاذ  فى  يوم   المسرحية  الكبير ، التى ادخله  مخرجها  السجن تقية  واحترازا  وادخل الشريك  الآخر  قصر  غردون  الذى   حرره   المهدويون   من دنس  المحتل  الدخيل  ليشهد  للمجاهدين الحقيقيين  بالعز  والفخار .
الآن  فقط  جاءت  الصحوة  ، وطارت  النبوة ، واصبح   الكجور  الكبير  يتحدث  عن المخاطرالمحيطة بالهيكل   العملاق  الذى  توافق  الجغرافيون   العرب  على  تسميته   ببلاد  السودان  تنويها  على قسمات  وسمات  وسحنات شعبه  وعلى تعدده  الاثنى  والثقافى   والدينى  الذى  لا تأبه له  حكومة  تلاميذ   الكجور  الكبير.  ولا تعترف  به  كما   قال  كبيرها  على رؤوس  الاشهاد .  وها هم  فرسان  جهاد  الأمس  يقفون  متفرجين  مع عامة الناس وغمارهم ،  فى عجز  مفجع  ، يتفرجون  على   الهيكل   العملاق   وهو  يكاد  يهوى  بفعل  ما  اقترفوه   فى حقه  وفى  حق  شعبه .  بتشتيتهم  لكلمة  ابنائه ،  وتحقير أهل  الرأى  الآخر  منهم  واجاعه ، وطرد  مثقفيه   ومتعلميه  من  مصادر رزق  ابنائهم  ، فساحوا  فى  البرية  هربا   من الحاجة  وجزعا  على  ارواحهم  وعلى ما  تبقى  لهم  من كرامة .  يتفرجون من مواقع  العاجزين  عن  فعل  التمام   على  المحنة   التى  صنعوها   وهى  تحاصرهم  كما  تحاصر السيول   المندفعة  الغافلين   فلا يكون بمقدورهم  غير  الصراخ  و طلب  النجدة  التى  لا تأتى  بدون ثمن.   الامريكيون   الذين  رسموا  لهم  عملية  السلام  على  مقاسهم  ومقاس  الحركة الشعبية كانوا  يعرفون   ما  يريدون .  وصدق  الجهاديون   أن  اصدقاءهم  الامريكيين  يريدونها  قسمة ضيزى ضد   معارضيهم  الشماليين  لصالحهم  ولصالح  الحركة  الشعبية .  حتى  يصبح  صبح السودان  وقد  ساد  على  الارض  سلام  الشريكين ، وبانت   على  قسمات  الوجود   وعلى الناس المسرة. . كان  ذلك حلما  قرمزيا  ساذجا .  فهاهو  الجنوب  يمضى .  ولم تنفع  كل الخدمات  التى  قدمها  الجهاديون للحرب  الامريكية  ضد  الارهاب .  فالامريكيون  الذين  لم  يخفوا  فى  يوم  من الايام  رغبتهم  فى  شطر الجنوب  عن الشمال  يطلبون  الجهاديين  شيئن   لا ثالث  لهما هما  اقامة   الاستفتاء  فى  موعده .  والاعتراف  بنتيجته .   ولا  يقبلون   فى هذين  الامرين  مساومة او مزاوغة او  تردد . لأنهم  يعرفون  ان  الاستفتاء  لا  يقوم على سند    من القانون الدولى ، لأن  الجنوب  ليس  مستعمرا  حتى  تنطبق  عليه  توليفة  تقرير  المصير . تقرير مصير  الجنوب  تم على  التراضى  بين  طرفين  متفاوضين .  واذا رفض  احد  الطرفين  الاعتراف بالنتيجة  فسوف  تسقط عملية  الاستفتاء  من اساسها  وتصبح  كأن  شيئا  لم يكن .  الامريكيون  رسموا هذا  الأمر .   و لا يقبلون  تلاعبا  فيه  مثلما  قبلوا  مهزلة  انتخابات ابريل  التى كانت بالنسبة لهم معبرا نحو انفصال الجنوب وليس معبرا نحو  الديمقراطية  فى السودان.   رئيس  القوم  حين  يقول  ويكرر القول بأنه  سوف  يقيم  الاستفتاء  فى  مواعيده   ويعترف  بنتيجته ،  فهو مكره  وليس  بطلا .
 ونغنى  مع  التنى :  
فى   الفؤاد  ترعاه العناية   يسلم  وطنى  العزيز
أخ . . .   ياوطن !   
   
 
Ali Hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]