*   الساحة السياسية  السودانية قد  تكون  مقبلة  على هرج  ومرج  عظيم   .  وقفت عند البيان  القصير  المقتضب  الذى ادلى به السيد الصادق  المهدى زعيم حزب الامة  وامام  الانصار عقب  تقديمه لكتابه الجديد عن زمة السودان.   وملخصه  هو ان  السيد الاامام  وضع   نفسه   وبمحص  ارادته  امام  خيارين  لا  ثالث  لهما  . هما  اما   التنحى عن العمل  السياسى اذا   لم  تستجب  الانقاذ  لاقتراحاته  لحل الازمة  السودانية  فى موعد اقصاه  السادس  والعشرين  من  يناير  القادم . وترك الخيار لحزب الامة  لكى يختار قيادة  جديدة  تتولى  قيادة  المواجهة مع النظام . و اما  ان يقود هو بنفسه  المواجهة  مع النظام. الخياران  خطيران  لغاية  ولا  احسب  ان السيد  الامام  قد  اعلن عنهما  دون  دراسة  وتمحيص.  اكيد  سوف  تكون لبيان الامام  المقتضب  عواقب  وتفاعلات تتعدى  حزب  الأمة  الى  كل  الفعليات السياسية  فى السودان . وقد  يكون هذا البيان هو الحجر الذى سوف  يحرك ساكن  بركة  السياسة  السودانية  التى ظلت  مفتقرة  الى احجار كثيرة  تحركها دفعة واحدة  الى  درجة  الفيضان.  ولكن تبدو غريبة اشتراطات  السيد الامام على الحزب  الحاكم  واعطائه  مهلة  محددة  للاستجابة  لتلك  الاشتراطات ، والسيد  الامام  يعلم  انه  ليس  بينه  وبين  الحزب  الحاكم  مواثيق او اتفاقات وتحالفات مرعية  تجيز له التقدم باشتراطات  وطلبات للانقاذ  والا فض تلك الاتفاقيات .  بل ان  السيد الامام  يعلم ان الحكومة الحالية  بذلت  وما  زالت  تبذل  قصارى  جهودها   لتذويب  الاحزاب  التاريخية  وخلخلتها  .  وتدمير  صورة  زعمائها عن طريق  الاغتيال السياسى.  و لابد  انه  يدرك  ان الحزب  الحاكم  سيكون اكثر  سعادة  اذا ترك  السيد  الامام الساحة السياسية اليوم  وليس  غدا . فحزب المؤتمر الوطنى  وهو يعانى  من  فقر  انيمى  فى  القيادات  الكارزمية  لا يريد  ان يرى الحزب  الاكبر  فى البلاد   وهو مازال  محتفظا  بقيادته  الكارزمية ذات  الحضورالمرموق  محليا  واقليميا  ودوليا . وطالما ان مبادرة  اخلاء  مكانه  فى الساحة السياسية  جاءت منه  طوعا  واختيارا ، فان الانقاذ  ستقول للسيد الامام  حبا  وكرامة  على اسلوب ولغة  الاخوة  اللبنانيين . ولن تستجيب  لطلباته  التى  حواها البيان المقتضب . هذا  اذا لم تقل  له " الباب  يفوت  جمل " . لماذا  اذن  سلك السيد الامام هذا المسلك  المعروفة  اجابة النظام عليه  سلفا .  لا  ادعى  علما   ببواطن  الامور . ولكنى   بصفتى احد  الكوادر  الرافضة  لمواقف  قيادة  الحزب المهادنة  للنظام  والرافضة  للمواجهة  معه  فى  الشارع  العريض  وهو النظام   الذى اضاع  بلدا  يفترش  صدر الافق تمددا ، واهان شعبا  كان يحدق  فى قرص  الشمس   ويسوق  تحت اهابه  ضؤ  القمر .  بهذه  الصفة  أقول  للسيد  الامام  ان التنحى  كان مقبولا  بل  ومطلوبا  بعد الفشل  المتواصل  رغم  تهتدون  وجيبوتى  ونداء  الوطن  والتراضى   والمؤتمر  السابع  الذى  كان محزنة  الاحزان كلها . اما  الانسحاب  من الساحة  اليوم  فهو مدعاة  لخصومك الكثيرين  لوصفك  بالهارب من ( ابواب  جهنم )  الذى توقعت  ان  الانقاذ سوف  تفتحها على شعب  السودان اذا  حاول زحزحتها  . اننى  اتمنى و اتوقع  ان يعمد السيد الامام اليوم  و ليس غدا  الى اطلاق  صافرة  توحيد الحزب  واسرة الامام ىالمهدى على اطلاقها  كعربون  للقوة  القاصدة  التى افتقدها  الانصار طويلا. اما  امنيتى التى  تجتاح  على ّ وجدانى   وتمتلك على ّ اقطار نفسى ، فهى ان ارى  انجال  الامام  وهم يخلعون دبابير  الانقاذ . و لا بأس من  أن  يعودوا الى التزين  بها  متى اعيدت  دبابير الآخرين اليهم . فالتساوى فى الظلم هو عدل من نوع ما . فى كلا  الحالتين  ، ترك السيد  الامام الساحة او  قاد المواجهة ، فلن  تكون ايامه  القادمة  كسابقاتها الماضيات . فالانصار لن  يقبلوا  من امامهم الرجوع او التراجع من هذا الخط  الجديد الذى سعيد اليهم بعضا  مما  فقدوه  من اعتبار فى  سنوات  التيه التى  بنوا  فيها  مدنا   من  رمال متحركة .  والنظام سوف يضعه تحت منظاره وعدساته اللاصقة . وسوف يجد نفسه  سجينا اليوم . وطليقا  غدا  حسب التساهيل.  و لا يدرى تصاريف الاقدار الا رب الاقدار . كان  هذا  بعض ما اثاره فى نفسى اعلان  زعيم حزب الامة  وامام الانصار  من  نزوعه  الى خيارين  لا ثالث لهما  فيما يختص باوضاع السودان . والكل  ينتظر أى منقلب  سوف تتقلب  الاوضاع  فى حزب الامة وفى السودان .  لاسيما ان  امام  الانصار ربط المهلة التى حددها  للنظام  بتاريخ  اثير عند الانصار -  السادس والعشرين  من يناير.
 * وحديث  دكتور نافع  ايضا !
  وللذين لا  يتذكرون  كل  اقوال و خطب  الدكتور نافع  على نافع ، مساعد الرئيس  البشير  للشئون  السياسية ، أو  نحوا  من هذا  القبيل ، ان  لم تخنى  الذاكرة  المرهقة  من جور  زمانى  وزمان  الآخرين ،  أو الذين   لا  يحيطون   بكل  تلك  الاقوال  والخطب  المارقة ،  إما  لأنهم  لا  يجدون  صبرا  وقوة  وطاقة  وعزيمة  على  قهر  انفسهم  لكى  تستمع  الى كل  ذلك  الكم  الهائل  من  الكلام  الحنبريت ، و غير  المستساغ   فى  شتم  الآخرين ، واهانتهم ، و تحقيرهم ، وتسفيه مواقفهم . وردمهم  باوصاف  الخيانة  والعمالة  والارتزاق .  و فقدان  البصر  والبصيرة ،  التى  ظل الدكتور نافع  يفجرها  على  رؤوس  مستمعيه  لاكثر  من عقدين  من  الزمن . وإما  لأنهم   لا  يجدون  فى  انفسهم  قدرة  او رغبة  فى  مغالبة ا انفسهم   ولو  للحظة  واحدة  لكى   تصدق  كلمة  واحدة   من تلك  الاقاويل  المرسلة   على  عواهنها  كيفما  عنّ  لقائلها  دون  أى التزام  بموازين  الحق  والعدل  والانصاف  التى تعارف  اصحاب  العقول  على الالتزام  بها  احتراما  وتقديسا  لحق  الذين  نختلف  معهم  فى الرأى  وحق  الذين   نخاطبهم  باعتبار  انهم ،   مثلنا ،  لهم  عقول  يفقهون  بها  ،   ويميزون  بها  بين الحق  وبين الباطل  الحنبريت على أقل  تقدير . لكل   اولئك  ،  وهؤلاء ،   نبسط  وصف  الدكتور نافع  لانفصال  الجنوب  عن  الشمال ، وتفتت البلد  القارة  الذى  كان مرجوا  لأن  يكون سدادة   لمسغبة  الجائعين  فى  محيطه  القريب  والبعيد ،  بما  توفره  مساحاته  الزراعية  المليونية  الخصيبة ، ومياهه المتدفقة ،   وطقوسه  الدافئة  من  ايجابيات  مطلوبة ،  ومرجوا  لأن  يكون  ،  بحجمه القارى ،  داعما  لجهد  الانسان  الافريقى  والعربى  والمسلم  فى بحثه  عن  العيش  غير  المغبون  فى  عالم   يضيع   فيه  الصغار تحت  سنابك  الكبار-  وصفه بالانجاز   والفتح   الذين  يعين  نظام  الانقاذ  على  هزيمة  الآخرين !!  لقد  هصرت  ذهنى  ،  وحمّلت  نفسى  فوق  طاقتها  لكى  تعنى على   فهم  كيف  يكون تفتت  السودان ،  وضياع  وحدته انجازا  وفتحا  مبينا !  صحيح ان  قول  الدكتور  نافع  بأن انفصال  الجنوب  سيكون مساعدا ( على هزيمة  الآخرين ) هو  من بعض من حديث  العقل  الباطن الذى  يجيش  فى  نفس هذا الرجل  غير  السياسى  . فقد  وقر  فى انفس  كل  السودانيين  ان  الانقاذ كانت تريد  فصل الجنوب عن الشمال منذ  عقود  غبرت . حتى تستفرد  بالشمال  وتعيث فيه  من  مشاريعها الطالبانية مثلما  يعيث ثور اسبانى  مهتاج  فى  مستودع الخزف الجميل . وما اشارة الدكتور نافع  الى ان انفصال  الجنوب سوف  يوفر فرصة  للانقاذ  للانتصار على الآخرين   الا حديث  العقل الباطنى الدال  على تلك  القناعة .
الشعب  السودانى ظل  يكابد   مغالطات،  ومهاتراته، وتهكمات   وبذاءات الدكتور نافع  على  مدى  عقدين من  الزمن  الكسول . وظل  المخلصون من  والمشفقون  ينبهون  الى  خطورة  الطروحات   التى  ابتدعتها  المجموعة  المتنفذة  فى  الانقاذ  وادخلتها  فى لب النزاع السياسى بين  طرفى  البلد – خطورتها عل  مستقبل  التعايش السلمى  بين  الانسان  السودانى  فى  الشمال  و بين  شقيقه الانسان السودانى فى  الجنوب . بل و خطورتها  على  امكانية استمرار  وجود السودان  الموحد .  وكان  اعلان الجهاد  الاسلامى  على  الجنوب  بوصفه  دار  كفر  تساق  قسرا الى  اعتناق الاسلام .  او الى  اعطاء  الجزية  عن يد  وهى  صاغرة  ، كان  قمة   السفه  العقلى   لدى  الدعاة  الجدد  الذين كتبوا  أول  سطر  فى كتاب  الانفصال .  وفى اضاعة وحدة  البلد  الحدادى  المدادى  الذى  كان  مرجوا  لغير هذا  المصير المظلم. لقد  نصح  بعض  العاقلين  فى صفوف النظام ذات  يوم  بالعودة  عن  ذلك  التهريج  الاجوف  حفاظا  على  ما  يمكن الحفاظ  عليه  من امر البلد ،  ولكن  أهل الشطط  فى  النظام  جيشوا  الشعب  تحت رايات  الجهاد  ، وصدحوا  فى  البريبة  باهازيجه ،  واقاموا  سرادق  النصر  المكذوب ،  وهم  لا  يدرون انهم انما  كانوا  يقيمون  سرادق  العزاء  فى  وحدة السودان من حيث  لا يعلمون .   لقد كانت  الرؤى  واضحة  لكل من القى السمع وهو شهيد .  ولم  تكن  محتاجة  الى  عيون  زرقاء  اليمامة لكى تلتقطها  من خلف الاكمات والحجب   ولم  تكن غائمة  الا  فى  اعين الذين اطلقوا  اسم  "صيف  العبور "  على   حملتهم   الجهادية   ضد  الجنوبين  الكفرة.   التى  ارادوها  محرقة لا تبقى  و لا تذر ،  يعبرون   بها  خطوط  الدفاع  التى اقامها  الجنوبيون  دفاعا  عن انفسهم. حتى اذا ادى  ذلك  الى قبر  الآلاف  من  الشباب الغض النضير فى  ثرى    و سهول   ومستنقعات  الجنوب   الذى سيقوا اليه   قسرا   وزجوا  فى   اتون حرب  ماجنة   لم يكن لهم  فيها  ناقة او   جمل  .  فقد كانت  حرب تمكين عسكرى  اراد الشيخ الداهية  ان  يؤمن  بها ظهر الهيكل  السياسى الذى اقامه  فى  الثلاثين  من يونيو  منعام 1989 . فقد كان  يدرك  تماما  ان باب  الجنوب ظل دائما هو الباب الذى ياتى منه الريح  الاصفر الذى   كم  اطاح   دكتاتورا  ودمر دكتاتوريات  أتى عليها عند الفجر ،  وتركها  رميما  او كالرميم  عند المغيب . لقد عبر  صيف العبور  بالسودان الى  اودية  جهنم .   وساقه الى حتفه  السياسى  فى رائعة  النهار . وترك  النظام الذى  قفز على السلطة من على ظهر  دبابة  بكماء ،  وتبجح  كثيرا  بأنه   جاء  للحفاظ  على عزة  السودان ، ووحدته ، وهويته   الدينية  والقومية  تركه  على  محجة  سوداء  من الفشل .  وكتب  على  نفسه  انه  النظام  الذى  فتت  السودان ، البلد الذى كان  متمددا   فى البرية   والفلوات  مثل  سجادة  التاريخ .   لقد  قطعت  الالسن  المكابرة  اخيرا ، بعد  ان  قطعت  نياط   قلوبنا .
أخ  . . . .  ياوطن !
 
(عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.)