يكثر  السودانيون الشماليون  من احاديث  التشكيك  فى قدرا  السودانيين  الجنوبيين  فى التعايش  السلمى  فيما  بينهم  ويفرطون  فى   الحديث  عن  التنازع   والتصادم  القبلى  الجنوبى  ويحسبون ان ذلك التصادم   القبلى  سيطيح  بآمال  النخبة  الجنوبية  التى تسعى  الى  تأسيس دولة مستقلة  و مستقرة   لجنوب  السودان  ويقدرون  أن ذلك  وحده  سيكون  سببا  كافيا  لدعاة  الوحدة  لأن  يتعشموا ان  أن  يعود  الجنوب  المنفصل  الى حياض  الوحدة مرة اخرى  طائعا  مختارا تحت تأثير الفشل  والتشرزم  و فقدان  القدرة  على  تاثيث دعائم  الدولة  الجديدة  التى حلموا بها  كثيرا . كان ذلك  هو تقدير بعض  دعاة  الوحدة  من الشماليين  و حلمهم . ولذلك  السيب تأخذ هذه الكتلة من  الشماليين قضية  انفصال الجنوب مأخذا  هينا   ولا  وترى فيه  نهاية الدنيا  ولا نهاية الدولة  السودانية المتحدة  بقدر ما ترى الامر  عثرة فى  المسيرة  لا تلبث  القوى  السودانية أن تعود الى رشدها  و تصلح  من  عثارها  و من ثم  تعتدل  فى  سيرها مجددا . و لعله  من الغرابة  بمكان  أن  يكثر  السودانيون  الشماليون من الاحاديث  عن تشرزم  القوى  السودانية الجنوبية  وبناء احلام  سياسية  كثيرة   وكبيرة  على هذا التشرزم الجنوبى مثل  حلم عودة الوحدة  مجددا  بين طرفى  البلد ليس عن  قناعات ايجابية  جديدة  قد يصل  اليها  الجنوبيون من تلقاء  انفسهم انما هربا  من المشاكل الكثيرة التى قد تواجههم فى دولتهم الجديدة . وينسى  السودانيون الشماليون  وهم  فى  غمرة  احلامهم  بعودة  الوحدة  بين  طرفى  بلدهم  تحت  ضغوط الفشل  الجنوبى  فى تحقيق الدولة  الموعودة  بالصورة التى تقنع شعب  الجنوب  بالتمسك بها  وتقديم التضحيات  من  اجلها  الى أن تستقر – ينسون  أن  النخبة  الشمالية  كانت  وما زالت اكثر تشرزما   من  النخبة  الجنوبية . و قد  نتج  كل  ما نجن  فيه  من محن  عن تشرزم  النخبة  الشمالية  هذا.  أردت  أن اقول  ان  المواطن  السودانى  الجنوبى  اذا  انفصل  فى دولة  خاصة  به  قد لا  يجد  ما يشجعه  على   التخلى عن تلك  الدولة  مهما كان حجم المشاكل التى قد  تواجهها  فى  مرحلة  التأسيس . فقد  خبر  هذا  المواطن الجنوبى  الشمال  جملة  وتفصيلا . ولن يجد  فى  نفسه  قدرة تشجعه  لكى يكون مثل  المستجير  من الرمضاء  بالنار.  ولأن  الظرف  الذى  نحن فيه  هو  ظرف  مقارنات  ومقاربات  ،  فلا بأس من  أن  نقوم  بانعطافة  سريعة  نقف  فيها  عند  البداية  الديمقراطية  الصحيحة  والموفقة  التى  ابتدرها  السيد  سالفا  كير  رئيس  حكومة الجنوب  المتمثلة  فى  عقده  لمؤتمر  قومى جنوبى  - جنوبى دعا اليه كل  الطيف  السياسى الجنوبى  معارضا كان ام مشاركا  فى الحكم  و طلب  من المؤتمرين  طرح  رؤاهم  لجنوب  المستقبل . وكان  السيد سالفا قد  استبق  عقد هذا المؤتمر بقرار  آخر اكثر عمقا  وابعد اثرا هيأ  به  للمؤتمر  هو  قرار العفو عن كل المعارضين  والخصوم السياسيين  حتى الذين واجهوا  ويواجهون  مسشاكل  قانونية . وكان  ملفتا  للنظر  الاستجابة  الايجابية  السريعة  من كل انواع  الطيف السياسى  الجنوبى  لمبادرة  السيد رئيس  حكومة الجنوب  حيث  اصبح الصبح  ليجد  الجنوب  كله  وقد اصبح  كتلة  سياسية    متراصة خلف اهداف حددها  المؤتمرون الجنوبيون عبر نقاشات  طويلة وعميقة  لقضايا  حاضر الجنوب  ومستقبله .  لقد بزّ السودانيون  الجنوبيون اخوانهم  السودانيين الشماليين  بعقد مؤتمر قومى  للحوار الجنوبى  وهو ذات الهدف  الذى اشرأبت اليه اعناق السودانيين الشماليين وتقطعت دونه  حبال حناجرهم  الصوتية  وهم يرفعون عقائرهم  مطالبين  بعقد هذا  المؤتمر لكى  يتناقشوا  حول  مصير بلدهم الذى  تتهدده  المخاطر  من كل  جانب .  ولكن حكومتهم  التى  كانت  وما زالت  تفضل  التحاور  فى شأن السودان مع  الأجنبى  عن التحاور  مع   صاحب الشأن  الوطنى  ، اغلقت  اسماعها عن كل نداء . ومضت غير آبهة بأى شئ .  الشعب  السودانى  فى الشمال وقف عند خطوة  وبداية  السيد سالفا  كير الموفقة  ووجد فيها  مدعاة   للتأمل  و التمنى  بأن  تصيب  العدوى  حكامه فى الشمال ،  وأن يدركوا  ان التحاور والجوار بين الفرقاء لا يمكن  ان ينتج عنه فى نهاية المطاف  غير الوئام  والوفاق   مهما   طال   الخلاف   والاختلاف .
لقد  تابعت من  خلال التلفزة الفضائية  العالمية  مؤتمر الحوار الجنوبى – الجنوبى الذى انهى انعقاده فى مدينة جوبا فى اليوم الثامن عشر من اكتوبر من عام 2010 . فعلت ذلك  بحرص شديد . و بمشاعر مختلطة.  تفرست وجوه  المؤتمرين .  تمعنت فيها بتركيز فضولى . عرفت كثيرين منهم . اخذتنى رعشة حنين للماضى البعيد  وانا صبى ناضج ،  يتلقى  تعليمه الاولى و الاوسط  فى الجنوب . تحديدا فى مدينتى القيقر ، مركز الرنك ، و مدينة  ملكال ،  حاضرة  اقليم اعالى النيل . لقد  ا نشرح قلبى  بفيض  من السرور المباغت  وانا  ارى  سالفا  كير ، نائب الرئيس  البشير  ، ورئيس حكومة الجنوب ،  وهو  يعطينا ،  ويعطى كل من يهمه الأمر  ،  درسا  عصريا مجانيا  عن الديمقراطية الحقيقية  ، وهو العسكرى المقاتل على مدى عقود  لم تتح له  فرصة للعيش حتى   فى محيط  ديمقراطى . ولكن  السيد  سالفا  انفلت  من عقاله  العسكرى  والسياسى  وعقد  مؤتمرا قوميا  شاملا  للحوار الجنوبى – الجنوبى   ، دعا  له  مؤيديه  ومعارضيه  بمن فيهم معارضيه  الذين حملوا  السلاح  ضده . لقد كان  ذلك المؤتمر لحظة  فارقة بالنسبة للسودانيين عموما . فقد تبين  لهم  ان قادة الجنوب ، و جلهم من شباب السياسة قد كانوا فى مستوى كبير   من النضوج السياسى  و الاستراتيجى  بصورة  فاقت  كل التوقعات .
  وينتهى مؤتمر الحوار الجنوبى – الجنوبى بوفاق كامل بين  الفرقاء الجنوبيين ، ويتراصون خلف قيادتهم  متوحدين  فى الرؤى ، و مشمرين عن سواعد  الجد لمواجهة  مشاكل الجنوب الحاضرة و المستقبلية  . وترد القيادة الجنوبية الواعية والواعدة التحية بأحسن منها . وتعلن عن  خطط  بعيدة  الاثر فى  الفترة انتقالية التى تعقب الاستفتاء  مهما كانت  نتائج ذلك  الاستفتاء  .  من تلك  الخطط : اجراء  انتخابات  رئاسية جديدة  ينافس  فيها آخرون الرئيس  سالفا  كير نفسه على رئاسة  الجنوب  وانتخابات  برلمانية  واخرى  للجهازين التنتفيذى والادارى فى  ديمقراطية  كاملة الدسم .
  لقد عقد السيد  سالفا مؤتمرا  شاملا  للحوار الجنوبى – الجنوبى  ولم تقم  الساعة فى جوبا .  ولم تقم قائمة  حكومته ,  ولم  تتفجر الارض حرائق  سياسية  تحت  اقدام ادارته.  لابد أن العجب  قد اصاب  الذين  يخافون من مؤتمرات  الحوار  والنقثاش .  قد يكون الامر  فى نظرهم  ليس اكثر من الهدؤ الذى يسبق العاصفة .   واذا لم يكن  هذا  الهدؤ  هو  الهدؤ  الذى يسبق العاصفة  ، لماذا  اذن يهرب  شركاء السيد سالفا  فى الحكم  ، لماذا يهربون  من المؤتمر القومى الشامل الذى بحت حلاقيم المعارضة الشمالية فى المطالبة  به .  فهاهو الجنوب ،  بعد المؤتمر الشامل ، يعود اكثر توحدا ،   واقوى مكسرا ، واصلب عودا ،  واحدّ بصرا وبصيرة ،  وأحلى  ديمقراطيا . وسلطة  السيد  سالفا بعد المؤتمر  لم  يعد  يعاورها الريح  السياسى  الاصفر ، الذى ما أتى  على شئ حتى يجعله رميما ،  او مثل  الرميم .نعم :الذى  فعله  السيد سالفا  فى الجنوب  هو بمثابة  درس عصرى  بالمجان ، قد  يجد  فيه اساتذة  الدراسات  المقارنة ضالتهم . و يجد  فيه الشمال (المكنكش) فرصة للنظر فى دواخله . وقديما قيل رحم الله امرءا  اهدى  لى عيوب  نفسى  ونواقصها . لقد آن الأوان لكى يقفل البعض افواههم  ويتركوا  تعاطى  الاحلام فى عز الظهيرة ،  ومعها  يتركون خداع انفسهم  بالحديث عن  الحروب الاهلية التى يتوقعونها فى الجنوب بعد الانفصال . لقد  تمعنت فى الوجوه  المؤتمرين  . فلم أر فيها  غير  البشر  والانشراح و الفرح الغامر يشع نورا فى  الوجوه  . ورأيت المودة تحوم  فى الارجارء  باجنحة  خفيفة  بعد ان طرح  المؤتمرون اثقال الاحتراب  القديم  واحزانه ،  واقبلوا نحو  بعضهم  البعض  صفوفا  متراصة خلف زعيمهم الديمقراطى بحق ، عسكرى الأمس ، وسياسى اليوم ،  سالفا كير،  وهو يعلن  ما  ينويه من   قرارات  كبيرة بعد الاستفتاء :  فترة انتقالية  قصيرة يعود بعدها الامر لشعب الجنوب مجددا  لينتخب قياداته الجديدة  ليحتلوا مواقع القيادة بشرعية الصندوق الانتخابى فى الدولة الوليدة . قلت  ديمقراطية كاملة الدسم . واضيف : ديمقراطية واعدة  بالخير والنجاح . ولا بد من تعزية  هنا  لكل قادة  الطيف  السياسى  الشمالى الذين  بحت ا صواتهم  وهم  يدعون  لمؤتمر سودانى قومى شامل لكى يناقشوا  انجع السبل للخروج  بالبلاد من وهدتها ، فلا تأتيهم الا الاصوات التى  تفيدهم ان دون المؤتمر الذى  يدعون له  خرط القتاد  !   لقد قام مؤتمر الجنوب  الشامل . وادار حوارا عميقا  وتوصل  الى حلول ارضت جميع  الفرقاء  الجنوبيين . و برهن المؤتمر  - من واقع  قراراته - أن هذه المؤتمرات ليست اسلحة تدمير شامل ضد الممتلكات السلطوية ،  متى التأمت ، تناثرت  السلطة وطارت. وتحية تقدير خاصة  للنخبة  الجنوبية ، التى حملت ،  وعلى مدى عقود ، شعلة النضال من اجل الوصول بالحنوب الى هذه اللحظة المفصلية التى  مهما كان رأينا فيها  فهى حق مكتسب بالنضال  وبالدم والدموع  .  ولا نملك الا  ابداء  الاحترام  الكامل والتقدير لقرارها . ولكننا   فى الطرف الشمالى من  البلد  نحس  بالفجيعة  حتى قبل  وقوعها . ونحس بالغلبة فى امرنا  . فقد اهدرت  دماؤنا  ودماء ابنائنا فى الامس القريب فى  حرب جهادية  كانت  نتيجتها  انها اعطت  شعب الجنوب  كل  المبررات  لكى يحمل  اوراقه الثبوتية ، كلها جميعا ، ويقذفها  فى وجوهنا  ثم يغادرنا  غير آسف على العشرة التى كانت.
 اننى اكتب  ،  وعلى الصفحة الاولى ’، و بالحبر الشينى  الصامد  ،  معزيا  نفسى  مقدما متى  نشأت مجددا   بينى  وبين الربوع  التى نشأت  وترعرعت  فيها  ذات  الحواجز التى  الذى واجهت  والدى ، شيخ القبيلة  الماجد، ،  ذات يوم  تحت مسمى  قانون المناطق  المقفولة   ، وادخلته  سجون مفتش الانجليز  اكثر من مرة. .  لقد كنا  نظن ان الانسان لا يسير الى الخلف . ولكننا بعد نصف قرن  من الزمن  الفينا انفسنا  ونحن نسيرالى الخلف . فقد اصبحنا  قاب  قوسين أو أدنى من التفتت  والتشرزم  فى  وقت  يتقارب فيه  الابعدون  دفعا  لمضار الوجود  المشترك .
   
     
Ali Hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]