فيما تتوالى الاخبار عن تعثر الاجراءات الخاصة باجراء استفتاء جنوب السودان  فى موعده المقرر (التاسع من يناير 2011 ) ،  بادرت ادارة الرئيس اوباما بتهديد نظام حكم الرئيس البشير ، و دعته الى الاختيار بين التعاون معها  من أجل تنفيذ استفتاء  سلس ونزيه فى جنوب  السودان ، وبين الاستعداد  للمواجهة معها ومع حلفائها . واختار الرئيس اوباما أن يدلى بدلوه  فى هذا الخصوص. واعلن على الملأ أن ادارته سوف تشمر عن سواعد الجد حتى ترى هذا الاستفتاء  وقد  تم  تنفيذه  فى  مواعيده المضروبة وبشفافية كاملة  . وحذر من ان  تؤول اوضاع السودان بعد الاستفتاء الى الفوضى وعدم الاستقرار . وكان مبعوثه الشخصى الى السودان ، الجنرال سكوت غريشون ، قد حذر هو الآخر القيادة السودانية فى اجتماعه معهم فى الخرطوم  فى الاسبوع الثانى من سبتمبر ، من ان السودان قد يتعرض الى عقوبات متعددة ان هو عرقل اجراء الاستفتاء  فى  مواعيده . و شدد على ضرورة الحفاظ على الأمن والاستقرار.  تحذير الرئيس اوباما هو بمثابة عصا غليظة  ترفعها االولايات  المتحدة  فى وجه الحكومة السودانية ، قبل ان  تعود و تقرن عصاتها الغليظة بجزرة  التطبيع الكامل بين البلدين ، وبتجميد ملاحقة الرئيس البشير من قبل محكمة الجنايات الدولية لمدة عام  مقابل تعاون السودان ، وتسهيله لعملية  اجراء استفتاء جنوب  . التهديد الامريكى  الواضح  هو من نوع  الترهيب والترغيب . او سياسة رفع الجزرة والعصا ، التى كثيرا  ما تجرى الاشارة اليها فى الوسائط الاعلامية كوسيلة من وسائل  تليين المواقف اوزجرها  التى تلجأ اليها الادارات الامريكية عادة مع خصومها وفرقائها فى كثير من الاوقات .  فى الحالة السودانية ، يبدو ان الادارة الامريكية الحالية تعتقد ان الحكومة السودانية محتاجة لتطبيع علاقاتها مع الولايات المتحدة اكثر من حاجة الولايات المتحدة الى تطبيع علاقاتها مع السودان. ربما لشعورها  انها  قد استفادت بالفعل من التعاون الاستخبارى  بين البلدين فى السنوات القليلة الماضية بالصورة التى ربما تكون قد  قللت من حاجة امريكا الاستخبارية الى السودان  بعد ان استنفذت اغراضها منه ، بعد حصولها على ملفات استخبارية كثيرة من السودان  كانت تحتاجها لحربها ضد الارهاب لا سيما فى القرن الافريقى . و لأن امريكا تعلم انها  لم تقدم الى السودان اى مقابل يذكر نظير تعاونه الاستخبارى الذى اشادت به علنا مرات ومرات ، بل  ابقت آماله فى التطبيع ورفع العقوبات ورفع اسمه من كشف الدول الداعمة للارهاب ،  ابقتها معلقة بين الأمل والرجاء ورهينة أملا فى الحصول على مزيد من الخدمات من السودان الذى سيظل يكابد المزيد من الابتزاز عن طريق  الاستمرار فى  رفع ميسم  جزرة التطبيع التى تعتقد امريكا ان قلب ووجدان النظام السودانى سوف يظل  يهفو لتناولها طالما ظلت مرفوعة له . ولأن الطمّاع  لا يشبع ، فلا  بأس من زيادة  المطلوبات الامريكية من السودان فى كل مرة . ولكن  مشكلة السودان فى الاستجابة الى كل المطلوبات الامريكية  تبدو كبيرة ومعقدة ، وتصغر قدرة الحكومة فى الشمال  فى التصدى لها  لأنها مطلوبات  تخص اطرافا عديدة من أهل الحق كانت اتفاقية السلام بين الشريكين قد ابعدتهم  واقصتهم عن مواقعهم   فى طاولة  المفاوضات عنوة . وقد جاء الآن وقت التغابن الحاد حول الانصبة والحقوق  بين شركاء  كثيرين. وليس فقط  بين شريكين اثنين فقد بان حجم التعقيد الذى يكتنف تتنفيذ هذه الملفات المعلة ويكتنف بالتالى موضوع الاستجابة للمطلوبات الامريكية أزاءها .مثلا  : قضايا تبعية  منطقة ابيى شمالا او جنوبا ، وقسمة البترول والمياه  وترسيم الحدود ، هى قضايا  يصعب على حكومة الشمال لوحدها ان تعطى القرار الفصل فيها طالما ظلت  قبيلة (المسيرية) العربية الكبيرة والقادرة  تهدد بأن باطن الارض خير من ظاهرها ان ذهبت أبيى او لم تراع حقوقها فى الماء والمرعى والبترول . والذين يعرفون واقع ذلك الجزء من الوطن ، يعرفون ايضا ان هذه  القبيلة تعنى ما تقول . كذلك لا يستطيع احد  ان يتصور كيف يمكن معالجة قضايا شائكة بهذا القدر من التعقيد  فيما تبقى  من زمن امام الشريكين فى بلد هو قارة  وتمتد الحدود بين شماله وجنوبه لاكثر من الفى كيلومترا وتمازج شعبه لاكثر من قرن من الزمن ،  ويراد تفتيته على عجل فى بضعة اشهر .  هذه ملفات  لن تستطيع الحكومة السودانية حسمها بالصورة التى تتوقعها الولايات المتحدة  مهما كان حجم عصاتها المرفوعة فى وجه الحكومة السودانية  أو حجم جزرتها  . اما  تهديد الادارة الامريكية للسيد البشير وحكومته بعقوبات اضافية  متعددة مثل تجميد ارصدة مسئولين ، أو منعهم  من السفر ، او محاصرة موانئ  السودان  لمنع وصول الاسلحة اليه ، فهذا  كله من قبيل تجريب المجرب  الذى ثبت فى الماضى ان ضرره يعود على المواطن المغلوب على امره  ولا يقع على الحاكم . لقد رأينا  ورأى العالم معنا الذى حدث للشعب الليبى وللشعب العراقى مكن ضنك واذى فى حين ظل الحكام  ضاربين هوى وانبساط . هل تتوقع  امريكا ان هؤلاء الحكام سوف  ينتظرونها حتى تصل الى ابوابهم ، ثم يمدون لها رقابهم لتفعل فيها ما تريد: كأن تصادر ارصدتهم حتى يفلسوا ،  وتصادر جوازات سفرهم ن  وبطاقات سفرهم ، فلا يستطيعون السفر والحراك . ياللعجب !
 وكما هو متوقع  ، فقد رفضت الحكومة السودانية العرض الامريكى  بما  حوى  من جزر  وعصى . بل  واعتبرته  تدخلا  فى شئون السودان الداخلية ، رغم ان تدخل  امريكا وكل العالم  فى الشأن السودانى لم يعد حجة بعد ان صار السودان محجة على الشيوع الدولى والاقليمى وبطلب من حكامه الذين ظلوا متلهفين للتدخل الدولى  والااقليمى  فى شئون بلدهم فى بحثم الدؤوب عن الوساطة الخارجية والوسطاء. الحكومةالسودانية  اظهرت دهشتها  من العرض  الامريكى ! وعدم فهما  له ، اكثر من اظهار الغضب  والتحدى ، على نحو ما كان  يصدر منها  فى الماضى تجاه الولايات المتحدة  من خطاب عنترى  مشحون بالتحدى والاستخفاف. ربما لأن الحكومة السودانية عرفت و تعرف ان ما تقوله ادارة  الرئيس اوباما حول المسألة ما هو الا هى صرخة فى الفضاء العريض لن يلبث صداها  من ان يضيع  فى الأكمة الموحشة . اما العرض الامريكى بتجميد ملاحقة الرئيس البشير من قبل القضاء الدولى لمدة عام واحد ( فقط  لاغير ! ) فهو فوق انه يعطى الحكومة السودانية ذخيرة حية لكى تستعملها ضد المحكمة الدولية ، باعتبارها محكمة ذات نزوع  سياسى تستغل ضدها لابتزازها ، وليست محكمة ذات نزوع  قانونى بدليل استعداد الولايات المتحدة لتأجيل اجراءاتها ضد الرئيس البشير مقابل تنفيذه للاستفتاء فى مواعيده ، فوق هذا ، فان العرض الامريكى بتجميد اجراءات المحكمة لفترة محدودة  من الزمن ،  يزيد قناعة النظام السودانى بأن هذا الامر قادم ، وطالما ان كل قادم قريب ، فانه لا معنى لأى نوع من المساومات . اذ يظل متاحا لامريكا  ان تأمر  فى أى لحظة تنتفى  فيها حاجتها الى المهادنة مع النظام السودانى  ، أن تأمر  فيهوى  سيف المعز المعلق على هدفه المعلوم .  وقد تنتفى هذه الحاجة  فعلا بعد تنفيذ الاستفتاء فى الجنوب ، وتحقيق الهدف الأصيل من اجرائه اساسا ،  وهو هدف خلق دولة جديدة لشعب جنوب السودان . فبعد الوصول الى ذلك الهدف ، سوف  تسقط الحاجة الى تدليع نظام الحكم السودانى  أوتحمل سلبياته الكثيرة . وتسقط بالتالى  الحاجة الى غض الطرف عن اخطائه و ممارساته التى لم ترض عنها الولايات المتحدة لا  فى الماضى ولا  فى الحاضر ، مثل الممارسات التى حدثت اثناء انتخابات ابريل من هذا العام ،  و التى قالت امريكا عنها أنها كانت معيبة ، ومخالفة لمعايير الانتخابات العالمية،  ولكنها تقبلها على علاتها حتى لا تعرقل أو تؤخر اجراءات الاستفتاء فى جنوب السودان!  وقد سبب ذلك الموقف المهادن للتظام السودانى من قبل ادارة الرئيس اوباما ، سبب  حرجا شديدا لادارة الرئيس اوباما مع الكونجرس الامريكى الذى انتقد مجريات الانتخابات السودانية بشدة متناهية ،  وهاتر علنا الرئيس اوباما و مبعوثه الرئيس  الى السودان ، الجنرال سكوت غريشون ، ووصفه بالجهل والسذاجة السياسية وغيرها من الصفات القاسية. و تأتى ما تعتبرها الادارة الامريكية  مماحكات ممجوجة ومضنية  من قبل الحكومة  السودانية  فى موضوعات كان مقررا لها ان تسوى فى بضعة اسابيع ، فاذا بها تستمر سنين عددا ومازالت تراوح مكانها . لقد سكتت امريكا  عن كل ذلك ، وغضت الطرف عنه للاسباب التى تقدم ذكرها . ولكن من يضمن للرئيس البشير ان تغض امريكا الطرف عن ممارسات قادمة قد تقوم بها حكومته ، او تستمر فى غض طرفها عن ملاحقته كما يحدث اليوم و هو يسافر هنا وهناك  ويعود سالما رغم القرار القضائى الدولى. خصوصا  ان امريكا هى الدولة الوحيدة التى بادرت وسبقت جميع الدول فى ادانة نظامه بارتكاب جريمة الابادة الجماعية . أن تعرض امريكا على الرئيس البشير جزرة هى  فسحة من الزمن لا تتعدى العام الواحد تجمد خلالها ملاحقته قضائيا ، فهذه جزرة  مهترئة . و ليس فيها ما يغرى على تناولها بشهية مفتوحة . بل انها  تذكر من طرف خفى من يعنيهم الأمر بحكاية الرؤساء الذين انتهوا الى حيث لا يريدون – الرئيس الصربى ميلو سوفيتش ،  والرئيس الليبيرى شارلس تيلر ، وبقية القادة السياسيين المنتظرين خلف القضبان اليوم  من الذين عتوا ذات يوم على شعوبهم واذاقوها الوبال ،  هؤلاء  القادة  الذين لم يكن ليخطر ببالهم ان قاضيا  عاديا ، ليس فى حوزته سيوف المعز ، وليس تحت امرته جيوش هولا كو التترى ، يمكن ان يأتى بهم الى حيث هم الآن . لهذه الاسباب ، فليس غريبا ان لا تجد الحكومة السودانية شهية فى نفسها  لجزرة  الرئيس اوباما   . وأن لا  تحس رهبة من   عصاته المرفوعة فى وجهها  ، خصوصا أنه  قد ثبت بالأدلة القاطعة خلال العقود القريبة الماضية ان تهديدات الادارات الامريكية المتعاقبة لم تكن اكثر من انتفاخ  الهر يحاكى  صولة الاسد . فقد ذهبت ادارة الرئيس بوش الأب  الى الصومال بقضها وقضيضها لكى تحارب محمد فرح عيديد ،  الجنرال الذى رفض الانصياع لتوجيهات امريكا. هل يحتاج احد الى التذكير بما حدث للقوة الامريكية الغازية تلك . او هل  يحتاج احد الى التذكير بالهرجلة والانسحاب غير المتماسك الذى خرجت به امريكا من الصومال بعد التمثيل بجثث قتلاها بصورة فظيعة مما تناقلته القنوات الفضائية وقتها بصورة محزنة لأى كائن بشرى لا يستقيم لديه مثل ذلك التصرف الهمجى القاسى .
وبعد ،  اننا لا ندعو امريكا الى ان تعصف بالسودان وشعبه بعقوبات لا تبقى ولا تذر كما هدد مبعوث الرئيس اوباما. ولا نتمنى ذلك لبلدنا وشعبنا الصابر على الاذى. بل ندعوها لأن تعرف ان شعبنا عانى  بما لا مزيد عليه  من المعاناة ، وأن مواعين هذا الشعب لم يعد فيها متسع لمزيد من المعاناة. ونريد أن تعلم امريكا أن هناك فرقا شاسعا  بين شعب السودان وحكومة السودان . وأن (أحمد) ليس هو بالضرورة ( حاج احمد ) كما جرى المثل السودانى! ونريد ان يبلغ الحاضر الغائب أن الشعب السودانى حزين ومكلوم ، مما يكاد  يبين  من وراء  الأكمة. فالأمر لم يعد محتاجا الى عيون زرقاء اليمامة ، و لا  الى ايواكس الاستشعار البعيد . اللهم اننا لا نطلبك رد قضائك ، ولكننا نطلبك اللطف فيه .       
 
Ali Hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]