Ali Hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]
 لا جدال فى ان السودانيين يعانون من احتراق وجدانى جارح هذه الايام و قد بقيت اربعة اشهر فقط يقرر السودانيون الجنوبيون بعدها مصيرهم السياسى :  هل يبقون ضمن حدود السودان الحالى  أم يشكلون دولتهم الخاصة بهم . لقد كثرت فى الاشهر الاخيرة تخريجات المراقبين  والمحللين المتشائمة  وهى تبشر الشعب السودانى  بمصير مظلم ينتظر وطنه القارة الذى ورثه  عن الأجداد والآباء،  وطنا متمددا على الافق ، اكتسى فضاؤه  الاجتماعى  بالصفاء والسماحة بين جميع اطيافه الاجتماعية قبل ان تطل عليه بوجهها القاتم فى السنوات العشرين الماضية  مشكلات صنعتها اخطاء قادته  وطموحاتهم غير المحسوبة . وتكاد تجمع  تلك البشارات المتشائمة على ان انفصال الجنوب عن الشمال قد اصبح حقيقة يتحتم على الشعب السودانى ان يتعامل معها ويستعد لمواجهتها فى مدى لا يتعدى  الاربعة اشهر . أكثر التصريحات تشاؤما حول  اوضاع السودان فى الاشهر القليلة القادمة اطلقتها وزيرة الخارجية الامريكية هيلارى كلينتون. و قالت السيدة كلينتون  فى تصريح  تنقصه  الكياسة  الدبلوماسية ،  و الانسانية  ،  التى يتحتم ان  تراعى  مشاعر الشعوب والامم عند مخاطبة قضاياها الملحة و محنها العارضة  مثلما يحدث فى السودان هذه الايام . فى هذه الايام يضع السودانيون اياديههم الجزعة  على قلوبهم خوفا  مما قد يحل ببلادهم  غدا من تفتت  واضطراب اذا قرر السودانيون الجنوبيون الانفصال عن الوطن الأم فى يناير القادم . التصريحات غير المسئولة التى نسبت الى وزيرة الخارجية الامريكية  تبشر العالم بأن قنبلة موقوته سوف تنفجر فى السودان فى يناير القادم  وتحدث دمارا غير مسبوق مما يحتم  على العالم ان يستعد منذ الآن للتعامل معه . أقل ما يقال عن تصريحات السيدة كلينتون هذه انها تصريحات غير محسوبة ، و لم تراع دقة الظرف الاستثنائى  الحالى فى السودان ، حيث يسود توتر  عميق علاقات السودانيين الشماليين والجنوبيين فى هذه الايام .  كما لم تراع الوزيرة  دقة وضعها كوسيط بين الاطراف السودانية ، ولا دقة الموقف الامريكى من عملية الاقتراع الذى سوف يجرى فى جنوب السودان تحت اشراف مبعوث امريكى ظل هو اللآخر متفلتا فى اقواله وتصريحاته و يتحدث بما يزيد الاوضاع توترا ، مثل تكريره الحديث عن استقلال جنوب السودان ، مستبقا قرار الشعب الجنوبى فى هذا الخصوص . الوزيرة لم  تعر اهتماما لحقيقة ان سودانيين  كثيرين  فى الشمال والجنوب يقولون ان  لديهم من الاسباب ما يجعلهم  يعتبرون امريكا المحرض الاساسى على انفصال الجنوب .  و  يستدعى الذين يقولون بهذا الرأى مواقف الكثير من المسئولين الامريكيين الداعمة لانفصال حنوب السودان عن الدولة الأم ، منهم على سبيل المثل : نائب الرئيس الامريكى ، و مبعوث الرئيس اوباما الى السودان ،  و سفيرة امريكا لدى الامم المتحدة ، و عدد من قادة  الكونجرس الامريكى ، الذين تصدر عنهم  مواقف منحازة ضد السودان الشمالى  الذى  لا يفرق هؤلاء  المسئولين الامريكيين بينه وبين نظام حكم الرئيس البشير . ويفوت على هؤلاء المسئولين الامريكيين ان نظام الرئيس البشير قد سام  السودانيين  الشماليين  غير المنتمين اليه  خسفا واضطهادا جعل الكثيرين منهم يهجرون وطنهم  باعداد  غير مسبوقة ، ضربت فيها هذه الاعداد المهولة  فى كل الفيافى والاصقاع ، لتغالب محنة الاغتراب القاسية بزاد قليل وهى تصطحب  اسرا واطفالا .  ومنهم من ترك  خلفه اطفاله واسره نهبا للضياع فى وطن تحولت معظم طبقاته الى  فقراء  يفترشون الثرى ، و يستظلون بالصقيع والانواء .
  قالت الوزيرة الامريكية  ان الاستفتاء الذى سيجرى فى جنوب السودان فى يناير القادم حول  (استقلال جنوب السودان!) هو قنبلة موقوتة قد لا تبقى ولا تذر !! بدءا اقول للوزيرة التى شاهدها العالم كله وهى تختنق بكاءا فى احدى المناظرات الحادة بينها وبين السناتور براك اوباما عندما خاطبها مقدم البرنامج بلغة سمجة وفاقدة للكياسة ، اقول لها ما يقوله أهلنا فى السودان فى مثلهم الشعبى " فأل الله  ولا فألك " . واحيطها علما بأن السودانيين سبق لهم أن دخلوا فى محن مشابهة خلال تاريخهم الحديث . وخرجوا منها متحدين بعد أن كذبوا كل النبؤات السلبية  فى لحظات ظن فيها الجميع أن سيف السودان  قد سبق العزل . حدث هذا  تحديدا اثناء  محنة الاحتراب الدموى القاسى حول قضية الاستقلال الكامل عن مصر او  الاندماج فيها  . وكانت الاجواء السياسية وقتها ترشح السودان لمصير مشابه لما تقول به السيدة كلينتون اليوم . كانت الجبهة الاستقلالية بقيادة الانصار مستعدة لأن تحرق الارض بمن عليها اذا قرر الاتحاديون الحاق السودان بتاج الملك فاروق الفاسد لكى يعيش السودانى فى الدولة المتحدة كمواطن من الدرجة الثانية .  وقد قدم الانصار البرهان والبيان بالعمل    فى صدامهم الدموى مع السلطة الاتحادية فى مارس 1953 . وخرج السودان والسودانيون من تلك المحنة يومها  لأن زعيما فذا كان على رأس السلطة  التنفيذية ، هو طيب الذكر اسماعيل الازهرى ،  الذى يخفق وجدانه حيث يخفق وجدان شعبه . لقد انحنى الزعيم الكبير امام رغبة شعبه الجياشة فى الاستقلال التام عن دولتى الحكم الثنائى  كما كانت تطالب الجبهة الاستقلالية وتخلى الزعيم الخالد عن  عما كان يصبو اليه عندما عرف أن تلك هى رغبة شعبه الوجدانية .  ونزع بذلك فتيل الازمة بين الجبهة الاستقلالية والجبهة الاتحادية فى خطوة لا يقدر على الاتيان بها الا الزعماء الخالدون . و  تسمرت اعين الشعب السودانى قاطبة على  المنصة الرئيسية فى البرلمان  وهو  يستمع  الى  نائب حزب الأمة عن دائرة ( نيالا )  محمد ابراهيم دبكة ، سليل نظارة الهبانية الكبيرة فى دارفور ، وهو  يقرأ نص اقتراح  باعلان استقلال السودان من داخل البرلمان.  و مرة اخرى تسمرت اعين الشعب و هو  يستمع الى  نائب الحزب الاتحادى مشاور جمعة سهل ، سليل نظارة المجانين الكبيرة فى كردفان وهو  يثنى اقتراح نائب حزب الأمة  باعلان استقلال السودان من داخل البرلمان . لقد اتفق الحزبان التاريخيان الكبيران بيسر  فى لحظة لم يكن احد يتوقع  فيها ذلك الاتفاق بسبب الاحتقان الحاد الذى كان يسود الساحة السياسية  بصورة عامة ، ويسود علاقات الحزبين الكبيرين بصورة خاصة . وهنا بكى كبير  السودانيين ، عبد الرحمن المهدى ، بكاءا صمتت له القاعة المهيبة . كان بكاء كبير السودانيين يومها  هو بكاء شهم تنزل على قلبه الفرح العظيم  وهو يرى بلده وقد تحرر للمرة الثانية  بعد ان حرره  والده  للمرة الاولى،  ولم يكن بكاء  كبير السودانيين يومها ليشبه بكاء السيدة هيلارى الذى اجترحه غبن عظيم وليس فرح عظيم .
   مشغولة هى  الولايات المتحدة الامريكية حتى نخاعها العظمى بمهمة تنفيذ  عملية الاستفتاء السودانى القادم ، اهتماما لم تعط قليلا من مثله لعملية التحول الديمقراطى فى السودان ،  ولا بعض اعشاره لعملية الاقتراع الفضيحة فى ابريل الماضى. لأن ذلك الاقتراع كان قضية شمالية . وامريكا ليست مشغولة بقضايا الشماليين ، كبرت ام صغرت ! وتعطى امريكا هذا الاستفتاء وظيفة خاصة لم تعطها له اتفاقية السلام السودانية لعام 2005 المسماة باتفاقية نيفاشا . فالولايات المتحدة الامريكية  دون غيرها ،  وعلى لسان وزيرة خارجيتها ، تعطى هذا الاستفتاء وظيفة  تحقيق (استقلال !) جنوب السودان! و بهذا الوصف ، فان الولايات المتحدة  تقول، وبغرور جاهل ،  ان جنوب السودان ، فى حقيقة امره ، هو مستعمرة شمالية مثلما كانت  بنما  وبورت ريكو  و جوام مستعمرات امريكية ،  يحق لامريكا اعتقال قادتها واحضارهم الى الاراضى الامريكية تحت الكلباش ، ثم  ارسالهم الى غياهب السجون الامريكية ، جزاءا على  مخالفتهم  لقوانين مستعمريهم الامريكيين،  مثلما حدث للسيد  نورييجا الرئيس البنمى. من يبلغ السيدة الاولى السابقة ، والوزيرة الاولى الحالية ، هيلارى رودهام  كلينتون ، أن  الجنوب لم يكن مستعمرا .  لقد صوت نواب جنوبيون عظام تأييدا لاستقلال السودان من داخل البرلمان يومها ، ولم يشذ احد من نواب الجنوب . أو يقول انه مستعمر .  من يدرس السياسيين الامريكيين الفارغة مواعينهم من أى ثقافة سياسية  ، من يدرسهم بعض الحقائق الاولية من تاريخ الشعوب التى يستأسدون عليها اليوم .  الهم الامريكى البادى بالشأن السودانى ، وتابعه الهم  الاوروبى ،  ومن ورائهما هم بعض دول الجوار الافريقى ، كل هذه الهموم، هى هموم ليست خالصة لوجه الله . أو حبا  فى حلحلة المشكل السودانى . بقدر ما هى هموم مستعجلة الى تفتيته! كنا سنكون اسعد الناس بأن يكون شغل الامريكيين الشاعل هو  الحرص على اجراء الاستفتاء فى الجنوب فى موعده  لو كنا نعلم ان الهدف من وراء  ذاك  الاهتمام الأخاذ  هو  ليس فقط تمرير مخطط تفتيت السودان  فى موعده ! لا تهمنى  تصريحات المسئولين الامريكيين  المهددة اذا عرقلت حكومة السودان عملية الاستفتاء . فالبرغم   مما يبدو انها تصريحات  الهدف  منها  هو  تخويف الحكومة السودانية من  القارعة التى ستقرعها أو تحل قريبا منها ان هى لم تسرع وتسهل عملية الاستفتاء الذى سوف يحقق  (استقلال) جنوب السودان ، الا ان  المعروف والثابت ان العلاقة السرية بين الحكومتين هى  سمن على عسل ، خصوصا فيما يختص بحرب امريكا ضد الارهاب . وطالما أن  الأمر كذلك ، فلن يصدق احد  هذه المسرحيات الشكسبيرية .   تصريحات هؤلاء القوم  عن استفتاء السودان القادم ، والوله الوجدانى الذى يتحدثون به حول هذا الأمر . وانفعال الامم المتحدة ، بقضها وقضيضها ، بهذا الامر الى الدرجة الت حملتها لأن تعقد له  قبل نهاية هذا الشهر جلسة خاصة. هذه التصريحات تعكس حجم  ومدى التدخل الدولى والاقليمى فى الشأن السودانى . فالسودان يبدو (مولدا ) غاب صاحبه ، او ضيعة معروضة على الشيوع  لا يعرف لها صاحب او سيد !  وطريف جدا أن  يجد الرئيس الامريكى متسعا فى جدول اعماله اليومى لينفك من براثن فشله المتمدد فى كل المجالات لكى  يحضر الجلسات التى ستناقش استفتاء ( استقلال جنوب السودان !) و طريف ان لا يتأخر عن حضور المولد الكبير   الشهود الدوليون  لكى  يناقشوا مشكلة العالم الكبرى الوحيدة المتبقية فى اضابير المؤسسة الدولية المسماة بمشكلة استفتاء  استقلال جنوب السودان. المشسكلة الوحيدة التى بقيت من مشاكل العالم ! نعم ، الم تحل مشكلة فلسطين بعقد جلسات فى واشنطن وشرم الشيخ . ومشكلة كشمير ، ألم تحل هى الاخرى عن طريق نسيانها . ومشكلة البرنامج النووى الايرانى الذى قد  تحول به ايران العالم الى مشروم من الدخاخين النووية حسب وصف كوندليسا رايس وزيرة الخارجية الامريكية السابقة وهى تصف مقدرات عراق صدام حسن النووية التى يستورد لها الخام النووى من النيجر ! تلك الكذبة البلقاء اللتى لا يقدر عليها الا الراسخون فى تزوير وهندسة التقارير الاستخبارية وفبركتها بكفاءة  لا تتوفر للكافة .
قلت ان السودانيين سبق لهم ان خرجوا من مطبات سياسية  لاتقل عن خطورة من المطب الذى يتعرضون له اليوم والخاص بأن يبقى بلدهم موحدا او يتفتت الى عدة دويلات . فقد اداروا  ثورتين شعبيتين عارمتين بحكمة بالغة انقذت بلادهم من الوقوع فى محن اسالة بحور من الدم  واعنى بهما ثورتى اكتوبر وابريل اللتين جاءتا بعد مظالم عظيمة كانت تشكل سببا كافيا للمجاذر الانتقامية . لقد جلس  السودانيون  القرفصاء فى الفضاء العريض يومها وتناقشوا بعقول تشع حكمة وروية . ووصلوا الى اتفاقات حقنت الدماء وصانت الحقوق . صحيح ان ذلك حدث فى ظرف مختلف . حيث غلّب حكام ذلك الوقت سلامة الوطن والامة على سلامة امتيازاتهم الخاصة .  وتنازلوا عن السلطة والجاه . ولكن حكام اليوم يمسكون بالسلطة من كل جنباتها . و لايبدو فى الافق انهم مستعدون للتنازل عن أى شئ ، كبر هذا الشئ  أم صغر .  و لا يأتى فى حسبانهم ان يعاورهم الآخرون فيما يملكون من سلطة او جاه . هذا الاستحواز المكين  والوله ، والاقصاء الذى لا  مزيد عليه ، قد يكون  هو المدخل الذى قد يأتى منه الريح الاصفر الى السودان   . لقد دخل هذا المرض العضال الى ساحة السياسة السودانية خلال العقدين المنصرمين وتمكن منها .  وبدا ان ساسة السودان الحاليون هم جميعا  من فصيلة العاجزين عن فعل التمام  . أتيم قرنق ، نائب رئيس البرلمان القومى فى السودان ، وهو احد القادة الجنوبيين النابهين ، نصح شعب اللسودان هذا الاسبوع ان لا يستمع الى التخريفات التى تأتى من خارج الحدود ، من الامريكيين واشياعهم  وهى تحدث السودانيين عن المخاطر المحدقة ببلادهم . وطلب الى شعبه ان يعمل صامتا  وبعزم على ان يكذب هذه النبؤات المتشائمة . وليس اعظم من هكذا نصيحة فى هذا الجو القاتم . جميل ان يسمع الواحد منا كلاما مثل هذا الكلام النيّر فى وقت عزّت فيه الاستنارة .