لا استطيع ان اكتب اليوم عن صديقى  سيد احمد خليفة. اننى فقط احاول  أن اكتب بدم قلبى المريض هو الآخر. فانا مفجوع  . ومصدوم من المفاجأة. كنت اتحدث اليه قبل وقت غير بعيد عن عمود يومى اكتبه  "للوطن". رحب ترحيبا كبيرا .  وقال لى اكتب ما تريد ان تكتب ،  فكل  ما يصل منك عظيم ".  وكتبت . ونشر هو ما وصله منى . ولم نجد وقتا  لاجترار الذكريات عن "جيبوتى" التى كان يزور فيها صديقه السفير البدوى  مرارا  وتكرارا. يعطيه من  طرف اللسان قصصا وحكاوى و طرائف يبلى الدهر  ولا تبلى  . حكايات  من بيت الكلاوى الصحفى ، لا تجدها  الا عند صحفى عصامى ، لا يعترض طريقه مستحيل . كنا نقضى  وقتنا فى السمر البرئ ، يسرقنا الزمن ، و لما ينضب معين صديقى ، ذلك المنجم الزاخر بالمغتنيات ، المشحون بالخبايا والاسرار. يتصل بروتوكول القصر الرئاسى فى جيبوتى  يسأل عن الاستاذ ، فهو ضيف على الرئيس حسن جوليد والسيدة الاولى . كانا يعتبرانه ولدهما الشقى منذ عهد المعارضة فى الصومال ، وعندما صارا الى المجد الرئاسى زاد تبنيهما للولد الشقى – كانا يناديانه بكلمة واحدة حافية ، وبلا اغطية " خليفة ". وكان  هو سعيدا  بها ، وما يلبث ان  يعطيك   قصة عن حكاية "خليفة" هذه .

لم اره غاضبا او مكتنز الوجه فى يوم من الايام ،  على  كثرة  ما وجد  من سخف فى هذه المهنة      و من اهوال فى مسيرته الطويلة الحافلة ،  حتى فى ذلك اليوم الذى وفد  فيه علينا فى جيبوتى لمقابلة دكتور نافع ، الذى كان يزور جيبوتى فى معية رئيس الجمهورية . جاء شاكيا من مسئولى الامن السودانى فى جده . كانوا يضايقونه ، ويتصرفون معه تصرفا لا يليق باناس  يفترض فيهم انهم اناس مثقفون ، يتعاملون  مع صحفى يبيع افكارا  ولا يبيع خردة. دخل على دكتور نافع  وسلم عليه بصوت عالى وضاحك . تمعن فى وجهه برهة ثم  قال له انها المرة الاولى التى يراه فيها . وانه  كان يعتقد – من اسمه - ومن "افعاله" أنه انسان " شين "! ولكنه يكتشف الآن انه انسان وسيم ، ووضاح ، وكمان يقلد الترابى فى الحديث والحركات ." وانفجر المكان بضحك الحاضرين . وانبسط دكتور نافع  وتبسط  معه فى الحديث ، وقال ضاحكا انها المرة الاولى التى يسمع فيها انه شخص وسيم . ذلك هو صديقى ، الذى" يخلى الدنيا شمسية بحكاياته وطرائفه التى لا تنتهى ،  وبظرفه العتيد ، الذى يذيب جليد العلاقات المأزومة مع الآخرين ، تعينه على ذلك  بسمة  وضيئة ،  واريحية  سودانية اصيلة . اسرتنى فيه خصلة نادرة ومحببة  هى لهفته على عون  الملهوف المحتاج  لوجه الله . رأيت ذلك عيانا بيانا فى مرات كثيرة . رأيته  يترك اغراضه  واشياءه  وينشغل باغراض  واشياء الآخرين  وهو سعيد . كان يمنى نفسه بقبول ما يقدم لوجه الله ويقول " اذا كانت الاعمال توزن يوم القيامة ،  فانه يتعشم  فى كرم الكريم ". انه عشم  عظيم . لأن الكريم هو اسمع السامعين.

اختطفنى المرحوم عبد الرحمن مختار عند تخرجى من جامعة الخرطوم من الميرى الحكومى ، واغرانى بالانضمام الى اسرة تحرير الصحافة .هناك وجدت صحفيين فطاحلة . تعلمت منهم الكثير.  وكان الاستاذ سيد احمد ركنا من اركان تلك  الكوكبة الوضيئة  : شريف طمبل ، محمد على محمد صالح ، حسن مختار ، مبارك الرفيع ، شيخ ادريس  بركات ، وبقية الرعيل .و كان سيد احمد فاكهة مجتمعنا الصغير ذاك  قبل ان ينكسر المرق  ويتشتت الرصاص . اذكر يوم هجمت الشمولية المايوية وشردت  الصحفيين تحت مظلة التأميم . كان سيد احمد  كالعادة  اول المستهدفين. حمل اوراقه وتيمم شطر محله التجارى فى السجانة ، يبيع الناس الباسطة والسندوتشات ،  والكلام العذب الفكه الجميل  والحكايات. ويحفظ وجهه من ذل التهتك  للانظمة الشمولية . قابلته ذات يوم فى مقهى المحطة الوسطى  فى الخرطوم التى كانت والمقهى الذى كان . قال لى انه اصبح  بائع  باسطة وسندوتشات فى السجانة .  ودعانى الى محله لكى يكرمنى . كان يريد ان يوصل رسالة  تقول انه لا يستطيع احد  فى الدنيا تجويعه ، واذلاله  وكسره ! فهمت الرسالة . وتسامرنا ، وافترقنا ، و فى حدقات العيون حسرة وعبرة  على الوطن .  انعيه كيف ؟ واكتب عنه كيف ؟ وهو مسجى فى الوطن  وانا مجدوع  فى الدياسبورا خلف المسافات الفاجرة بعيدا عن الوطن  ، تصلنى اخباره  الحزينة ، و لا تصلنى منه اخبار تسر . وعندما يكون الانسان مقطوعا من اصله  وفصله ومن الوطن ،  فلا يعتوره غير الهم والغم. و التباريح  الساكنة .

 فجعنى  شبكة الانترنت هذا الصباح . جئت ارسل عليها عرضحالا  " الى البلد " فتسمرت عينى عند الخبر الفاجعة . انحدرت منى دمعة . واصبحت فى موقع العاجز عندما يحاصره  الخطب ويفجعه .

 اللهم  يا مسئولا بكل لسان . انك تعلم ان  صديقى سيد احمد كان مغيثا للمحتاجين  وكان عشمه فيك عظيما يوم   توزن الافعال والاعمال . اللهم فزنها  له اعماله وافعاله  بالقسطاط  المستقيم ، وزده عليها  من فضلك  وكرمك ومنك ، وانت الكريم الذى لا ينضب معينه ولا يبخل بالزيادة . وعوضه عن اهله وداره اهلا ودارا خيرا  من اهله  ومن داره. واكتبه عندك  من الصالحين . وعوضنا فيه وعوض الوطن الكبير و"الوطن " الصغير خير العوض .  والزمنا الصبر الجميل  فيه والسلوان .  ولا حول ولا قوة الا بالله . 

Ali Hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]