فى الآونة الاخيرة جرت فى فترات متقاربة  انتخابات عامة فى  كل من السودان والعراق وبريطانيا.  وأجد فى نفسى رغبة  فى مقارنة ما  حققته هذه  الانتخابات  لشعوب  البلدان  الثلاثة  لجهة  ما كان مأمولا فيه  قبل تلك  الانتخابات فى كل بلد  من  البلدان الثلاثة ،  ولجهة ما  حققته الانتخابات لتلك البلدان بالفعل  اقترابا  أو ابتعادا  مما كان  مأمولا  فيه.  صحيح  المقارنة  بين انتخابات تجرى فى بريطانيا ، احدى  قلاع الديمقراطية المتينة  وبين اخرى تجرى فى بعض دول العالم الثالث الموبؤ بالشمولية وامراضها ،  تبدو صعبة ان  لم  تكن مستحيلة . ولكن دعونا  نتجمل  ساعة من الزمن  نقارن فيها  بين  ما كانت ترغب فيه   شعوب هذه  البلدان الثلاثة من  تلك  الانتخابات ، وبين ما حصلت  عليه  فعلا من تلك الانتخابات .

 المجتمع البريطانى ظل عبر التاريخ منقسما بين  المفاهيم المحافظة التى مثلها ويمثلها حزب المحافظين  ، وبين المفاهيم  التحررية التى مثلها ويمثلها حزب العمال ،  ومثيله حزب الديمقراطيين الاحرار . وسوف يظل هذا  الانقسام  ماضيا  الى  الابد  طالما  بقيت بريطانيا على  وجه  المعمورة . وطالما  بقى شعبها  بقناعاته المتعددة   واختلافاته   التى  تتشعب  وتتمدد  الى كل مجالات  الحياة  اليومية،    والى  مجالات  فلسفة الحياة برمتها . اذن  انتخابات بريطانيا  ليس مطلوبا منها ان تغير هذا الواقع بالنتائج التى  تبرزها .  ولكنها تصبح وسيلة من وسائل  فض الاشتباكات الروتينية والاشتباكات العارضة التى تنشأ بين اللاعبين  فى مضمار السباق السياسى . ودائما تأتى انتخابات بريطانيا  وتذهب . ويأتى فى معيتها لاعبون  جدد وقدامى ويذهبون ايضا .  ولكن  تبقى  اساسيات الحياة السياسية البريطانية فى مكانها مثل  الجبال الشامخة ،   لا يهزها الريح  العارض . وتبقى هذه  الاساسيات   اعلى من  ان  ينتاشها رشاش الخلاف السياسى اليومى . ونعنى  بهذه الاساسيات القيم  التى تحفظ للمواطن والانسان البريطانى  حقوقه السياسية  والاجتماعية  وكرامته . وفوق هذا  كله  يبقى  ويسود المسلك  القانونى الذى  ينظم  الخلاف اليومى  الذى  يمارسه الذين يوكل اليهم  امر ادارة الصراع  اليومى  حول  مطلوبات الانسان البريطانى فى قمة طموحاته وبين ما  هو موجود  ومتاح فى واقع الامر. اذن كان  اقبال المواطن  البريطانى  نحو صناديق الاقتراع فى ذلك الصباح يهدف الى فك الاشتباك بين معسكرين تفرقت بهما  السبل  المؤدية الى حلحلة  اشكالات  حياة الانسان  البريطانى اليومية  . واقبل  الآملون البريطانيون نحو صناديق  الاقتراع من صباح الرحمن وحتى  مسائه  فى يوم الاقتراع الكبير . وفى نهاية  يومهم  البازخ  ذاك ،  فتحوا  صناديقهم الانتخابية .  واستمعوا  فى انجذاب  واحترام  الى ما قالت لهم تلك  الصناديق  نيابة عن الشعب البريطانى قاطبة .  ولم  يتبرم  احد  من الاحكام  التى اصدرتها  صناديق الاقتراع نيابة عن الشعب البريطانى  الذى   قرر ان  لا  يمنح   تاييده   المطلق  لأى من المتعاركين. وفضل عوضا عن  ذلك  ان  يمنح  تفويضا  بمقدار  لهذا الجانب أو ذاك  . واجبر  المتخاصمين السياسيين على   ان يدخلوا فى تفاهمات  تؤدى الى تشكيل الجسم التنفيذى  للسلطة الذى يقدم لكل طرف من الاطراف بعض امانيه . ولكن ليس كل امانيه .

بطبيعة الحال  لم يكن صعبا امام  المتبارين  ان يكملوا المباراة  الى نهايتها  لأن  المعركة الانتخابية   كانت  حول ا لفرعيات  ولم  تكن   ابدا  حول اساسيات  الحياة السياسية التى تقررت منذ  عصور  . ولم  تعد  عرضة  للاجتهادات  الطارئة . لذلك رأى  العالم  المشهد المألوف فى العالم الغربى ، رآه  يتكرر  امامه  بنفس النمط الروتينى  المألوف :  لمهزوم   انتخابيا  يتصل بالمنتصر  تلفونيا . ويبلغه  تهانيه القلبية ،  و يتمنى  له النجاح  والسؤدد   فى مهمته الجديدة . ويقبل  المنتصر  التحية .   ويرد عليها بأحسن منها  فى اريحية يعرف صاحبها  ان  اليوم لك . وقد يكون هذا  اليوم لغيره  غدا.  ويشكر المهزوم  الذين وقفوا معه حتى نهاية الشوط .  ويغبط للذين وقفوا ضده حتى  نهاية  الشوط  موقفهم وانتصارهم .

 هذا الموقف المتحضر  يجئ نتيجة لارتفاع  ثقافة  التبادل  الودى للسلطة  فوق مفاهيم  الاثرة  والانانية السياسية  ، ذلك المرض الذى قعد ويقعد بشعوب المدار السياسى الاجعد  الذى اخذ  مناعة خاصة  ضدكل محاولات   التصفيف  والتزويق  والتحسين،  حتى غدا  الصحيح السياسى  عليلا. وقضى العليل السياسى  نحبه فما بقى  .

لم  تمض   الا  ساعات  قليلة  بعد  انفضاض العرس الانتخابى البريطانى ، حتى ذهب البريطانيون  ، الحاكمون منهم والمحكومون ، حتى ذهبوا  الى  اشغالهم العاجلة يقضونها ، والآجلة  يقتلونها بحثا  وتجويدا . لم نسمع  منهم شكوى واتهامات  بالغش  والتزوير  والتدليس الانتنخابى. ولا تهديدا  بالتصدى  لنتيجة الانتخابات  بتحريك الشارع  ضدها ، من ذلك النوع من الاتهامات  التى  اعتادت  اسماع الناس  عليها  فى العالم الثالث .كان امام البريطانيين ما يكفيهم من القضايا  العاجلة لكى ينصرفوا اليها فورا : عجز  ميزانيتهم  : وجنودهم الذين يقاتلون خارج جدود  بلادهم ،   فيقتلهم اعداء متحفزون . ويقتلون هم كذلك  اعداءا متحفزين.  قضايا  خاسرة  ، وظلمات  سياسية  فوق ظلمات .

 اما فى الحالتين السودانية و العراقية ، فقد حملت  الانتخابات  احمالا فوق  طاقتها .كان مطلوبا  منها أن  تستجلب المأمول الغائب منذ عقود  سحيقة :  ان تستجلب تحولا  ديمقراطيا  كاملا  وشفيفا  فى بقاع  ساد  فيها حكم  الغاب الشمولى  لعقود .  وغابت وانعدمت فيها  ثقافة  احترام  الرأى  الآخر . بل غابت  فى احيان كثير  ثقافة احترام  حق  الحياة  ذاتها  .  وتمددت فى  مقابل  هذا ثقافة الشمولية  الباطشة بسحناتها   العسكرية  والسياسية . محنة السودان  فى هذا الخصوص كانت  اكبر.  فقد  اصبح  السودان صاحب  التجربة  الديمقراطية  الرائدة فى محيطيه  العربى  والافريقى  حين فاجأ  العالم  الثالث بتجاربه  الفذة  فى ترسم   وتطبيق  معايير ديمقراطية  وستمنستر البريطانية  التى  نقلها  عن مستعمريه البريطانيين نقل مسطرة  كما كان  يتندر  عليه  منتقدوه  من اهل الجوار  الذين كانت تحيفهم وتزعجهم تجارب السودان  الديمقراطية  خشية من  انتقال عدوى تلك التجارب  الديمقراطية الى  ربوعهم. لقد  صار السودان  سلة فى  التجارب الديمقراطية  لمحيطه الجغرافى  والاقليمى  فى  ذلك  الوقت   المبكر مثلما  اصبح مأمولا  فيه  ان  يكون  سلة غذا لمحيطه الافريقى فى  السنين اللاحقة. وكانت  ممارسات  السودان الديمقراطية ، والانتخابات الديمقراطية  التى   درج  على تنظيمها من حين  لآخر ، كانت مصدر  اعجاب  واستغراب  لدى  الكثير  من المراقبين الذين شاقهم ان  يبرز  من بين  الادغال  الافريقية  مارد   ديمقراطى صغير  فى عمره السياسى  ، كبير  فى مساحته   الجغرافية ، كبره   فى  همته  الديمقراطية. لقد صاح  احد  المراسلينن   الصحفيين  الانجليز ذات  يوم  وقد  شرق  بما  رأى من  تقاليد  ديمقراطية  وستمنستر تنبت فى تربة ليست  هى تربتها ويتعهدها بالرعاية قوم سمعوا  بها دون ان  يعيشوها .وكتب  المراسل المندهش :"يا  للروعة ،  لقد فعلها   البدويون  اشباه  الاميين  فى  قلب  الصقيع  الصحراوى  الافريقى بصورة  لا تخطر على  قلب  بشر.  ولكن عينا ساحرة اصابت  السودان الديمقراطى  فى مقتل فاصبح  يتقلب  بين  دورتبن  خبيثتين : نظام ديمقراطى يأتى  بانتخابات حرة  وشفيفة.  يهجم  عليه عسكريون  مصابون  بمرض  التسلط  السياسى ، ويجمدون الحياة  السياسية بوضعها على  الارفف المظلمة. وما  يلبث  الشعب حتى يثور  على جلاديه العسكريين  ويطردهمم  من السلطة .ولكنهم يعودون مرة   اخرى . وهكذا دواليك . الانتخابات الاخيرة فى السودان جاءت لأن  لعسكر    قد قبلوا  بالعودة  الى النظام  الديمقراطى. وزعموا  بأنهم يقبلون بحكم  صندوق الاقتراع. ولكن ما  لبث  منافسوهم  حتى  تصايحوا  (  فاول ! )  بلغة أهل كرة  القدم. وطالبوا بايقاف المباراة ، مقدمين  الكثير  من البراهين  و  الادلة على فساد  الملعب.وقدشهد لهم بصدق  الدعوى  قوم  كثيرون محايدون اخذوا على  عاتقهم القيام طوعا بمهمة الحكم  العدل  بين المتخاصمين. زبدة  القول وخلاصته هى ان ا انتخابات  السودان  قد  قصرت  عن  بلوغ  الغاية  التى  اقيمت من  جلها.شأنها فى ذلك  شأن كل  انتخابات العالم الثالث  التى ليست لها  من صفة  وسمة  الانتخابات  الا  رنة  الاسم الكبير !  ألا  يكفى دليلا على ذلك قول جميع   المراقبين  انها  انتخابات جاءت  مخالفة  للمعايير   الدولية  للانتخابات الحرة والنزيهة.

أما االحالة   العراقية  فقد كانت  مدعاة  للمقارنة  المازحة والتندر فى  آن. ففى الوقت الذى شاهد  فيه العالم رئيس الوزراء البريطانى  وهو يهرع  الى قصر الملكة لكى  يقدم  اليها استقالته  ويطلب اليها فى نفس الوقت تعيين  منافسه زعيم حزب المحافظين رئيسا جديدا لمجلس الوزراء  بناء  على نتائج الانتخابات  ،  شاهد العالم  فى  المشهد  العراقى رئيس  الوزراء  العراقى  وهو  (يكنكش) مستميتا فى منصبه  عن  طريق التحايل  المكشوف على نتائج  الاقتراع  بادعاء  التزوير  تارة  وتارة اخرى  بالمطالبة  بالعد   اليدوى  لكل  صناديق  الاقتراع.  وعندما اكتشف  ان كل هذه ا لحيل لن تضمن له  البقاء  فى منصبه عمد  الى وسيلة  اخرى  افقر مصداقية من المحاولات  السابقة  لشطب  عدد من  الفائزين  فى القائمة  المنافسة  بحجة انتمائهم القديم  الى حزب  البعث.   لقدكان حريا برئيس وزراء  العراق ان يسأل  نفسه  لماذا  عاد شعب العراق  ومنح ثقته  مجددا لمنافسه الدكتور عياد  علاوى بعد  أن كان حجبها عنه فى انتخابات عام 2005 . لقد  ملّ الشعب  العراقى رؤية  السيد  رئيس الوزراء  العراقى و هو يتمخطر فى ثياب اليانكى الذى   جعل من  العراق مزرعة  لاستزراع المحصولات  السياسية  الامريكية  فى ارض الهلال الخصيب  . مسلك  رئيس وزراء  العراق  واستماتته فى منصبه ليس غريبا ولا معزولا  عن سلوكيات البيئة السياسية العربيةا   التى  لا يسلم  الرئيس فيها  السلطة الا  الى ملك  الموت او الى انقلابى  يأخذه  على ظهر دبابة  لى مكان  مجهول.وقد  ادى هذا   المسلك  الى  قيام  ونشؤ  الجمهوريات  الملكية    التى يحكم فيها الرئيس الملك  فترات  اكثر   من حكم الملوك المتوجين برضاء شعوبهم  وليس برضاء  اجهزة امن  تعرف كيف تزور ارادة  الشعوب بالترغيب والترهيب.

ونعود ونقول ان انتخابات العراق   مثل شبيهتها  الانتخابات السودانية، قصرت  عن بلوغ الهدف الذى  اقيمت من اجله .  ونقول  للشعبين الشقيقين  امضوا فى المشاوير  الملهمة بالعزيمة  الصادقة .  فالمحن تطول. و لكنها  لا  تدوم.

 

                                                                                      

Ali Hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]