فى الوقت الذى انسحب فيه حزب الامة من خوص الانتخابات على كل المستويات بناءا على قرار مكتبه السياسى ، قرر الحزب الاتحادى الديمقراطى  خوض هذه الانتخابات بقوة على كل مستوياتها و فى كل اقاليم السودان. وهكذا وجد الحزب العريق نفسه فى مواجهة مباشرة ومكشوفة  مع حزب  المؤتمر الوطنى . وبدا للمراقبين ان المواحهة سوف تكون على اشدها فى الاقليمين الشمالى والشرقى  من البلاد  لأن هذين الاقليمين كانا من مناطق نفوذ الحزب الاتحادى  التقليدية على مدى عقود متعاقبة . ومما بشر بقوة المنافسة ان حزب المؤتمر الوطنى كان قد اعتمد ترشيح بعض كبار قادته فى هذين الاقليمين لا سيما فى الاقليم الشمالى. و فى ذات الدوائر التى ظل  الحزب  الاتحادى يفوز بها فى يسر  فى  أى انتخابات ديمقراطية .

 لم يكن فى مستطاع الحزبين تفادى تلك المواجهة رغم انه كان واضحا  للمراقبين مغازلة حزب المؤتمر للحزب الاتحاجى بهدف الوصول الى تخالف انتخابى معه . و قد  تعذر  الاتفاق الاستراتيجى الانتخابى بين الحزبين بسبب ان كلاهما كان يعتقد ان هذبن الاقليمين من مناطق نفوذه . فالحزب الاتحادى له الحجة  بتاريخية وقدم وقوة نفوذه  فى الاقليمين. بينما يرى حزب المؤتمر انه قد بنى له نفوذا قويا بانجازاته التنموية فى الاقليمين على مدى عقدين من الزمن . وبالطبع لم يكن هناك من معيار للتثبت من  صدقية حجة  كل طرف من الطرفين غير معيار التنافس المكشوف .  حزب المؤتمر الوطنى الذى يكنى نفسه  بكنية  (الحزب الحاكم ) رغم اشتراك احزاب متعددة معه فى هذه الحاكمية ، هو  فى حقيقته  جهاز دولة كامل اكثر من كونه حزبا سياسيا يتكون  من مجموعة من الناس التقوا  على جملة من  الاهداف والقواعد  السياسية . وبهذه الصفة فقد كان يواجه منافسيه انتخابيا   بمقدرات الدولة المادية  والاعلامية  واللوجيستية والمعنوية وهى مقدرات  لاتتوفر لاؤلئك المنافسين . ومع ذلك كان  حراك الحزب الاتحادى الفاقد لكثير من الامكانيات بسبب التجفيف المبرمج  التى تعرضت له كل الاحزاب السودانية ، كان حراكا ضخما حمل بعض الصحف السودانية على ان تصفه بالزلزال الامر الذى اخاف حزب المؤتمر الوطنى  وجعله يغير اسلوب تعامله مع الحزب الاتحاجى – من خطب وده والسعى للتحالف معه الى مواجهته انتخابيا بصورة اشرس وهزيمته بكل ىالوسائل . كان ذلك القرار ضروريا لحزب ذاق المغنم السلطانى على مدى عقدين من الزمن. وقد اصبح يشاهد الشارع  الشعبى العريض ينعطف  و يندفع  باتجاه مرشحى الحزب الاتحادى . لقد زاد ذلك من   جزع حزب  المؤتمر ،  خصوصا وان معظم المرشحين الاتحاديين  كانوا من الشخصيات الاجتماعية والسياسية البارزة  قبل ان يقفز الجنرال البشير على الحياة السياسية بدبابته فى فجر اليوم الثلاثين من يونيو 1989 . يضاف الى هذا تمتع الحزب الاتحادى بقاعدة واعية سياسيا من سكان المدن والحضر التى تتقن.         التصويت بمعرفة وفعالية .  ويبدو ان  حزب الجنرال البشير قد حسم امره فجأة  وقرر ان  يضغط  دواسة البنزين على الآخر ، لكى (يخرم)  من الحزب الاتحادى. ويدفعه خارج حلبة المنافسة  تماما .  

المواطن السودانى الطامع فى التغيير  كبر لديه الامل اكثر فى هذا التغيير عندما شاهد المسيرات المليونية العفوية التى خرجت تستقبل زعيم الحزب الاتحادى . واخذ يمنى نفسه  بانتصارات كبيرة على حزب  الجنرال البشير على كل المستويات .  وقد اجج  ذلك الاحساس وذلك الامل  فى نفوس جماهير الحزب الاتحادى  تهديدات المرشح الاتحادى لمنصب  الرئيس السيد  حاتم السر . و تحديه  للجنرال البشير بالفاظ قد لا تبدو جادة  مثل انذاره للجنرال  باخلاء القصر الجمهورى  فى ظرف اسبوع واحد  لأنه  ضمن النتيجة  واغلق عليها بالضبة والمفتاح .  انه  تباهى  سياسى غير حصيف . و لا يعكس اى صدقية عند من يتلفظ به . و لا يراعى احترام  عقول الغير خصوصا  انه يعلم انه يناطح  انتخابيا جهاز دولة . وامكانيات دولة . ولوجيستيات دولة ، لا قبل له بها . هل كان المرشح الاتحادى   يتجمل فقط  . ان كان هذا  هو القصد ، فقد خسر البيع .

بعد كل هذ العرض الطويل  نقول فى كلمات قليلة و حزينة ان حزب الجنرال البشير قد قرر  ان يكسب الانتخابات بكل الوسائل . بما فى ذلك الضرب تحت الحزام  وكان له ما اراد . لقد ضرب الحزب (القادر ) منافسيه  الاتحاديين  تحت الحزام  حتى دفعهم خارج  الحلبة تماما  وتركهم فى العراء العريض . ز اخرج لنفسه انتصارا  منقطع النظير.  لقد صدق من وصف ذلك الانتصار بانه انتصار حزب وهزيمة وطن .و  لابد ان قراء هذا المقال قد عرفوا الآن ان مرشح الحزب الاتحادى الرئاسى الذى تباهى بطرد كبير الانقاذ من قصره فى ظرف اسبوع و احد ،  لم ينل فى مسقط رأسه اكثر من بضعة اصوات تعد على رأس الاصابع ! وهى اصوات تقل حتى عن عدد افراد اسرته الاقربين . والسؤال المحورى الآن هو من باع ومن اشترى .

   ولا يهمك  ياوطن  . . . فقد خسر البيع ، ولم يربح  الشراء  !

Ali Hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]