دعوة قادة حزب المؤتمر الوطنى  الى تشكيل حكومة ذات قاعدة عريضة لم تعد تهم احدا غير ركاب ترلة الانقاذ . بعد ان زادت نتائج الانتخابات من الاحتقان بين اللاعبين فى الميدان السياسى السودانى . فهاهو السيد الميرغنى  يعلن  وبلغة حادة رفضه لنتائج الاقتراع بل ويقول وربما لاول مرة  ان الوقت لم يعد مناسبا للحوار والنقاش   ولا لأى شئ  آخر . هذه اللغة جديدة على السيد الميرغنى الذى اتسمت تصرفاته وتصريحاته باللين والسماحة حتى فى احلك اللحظات . ولكن يبدو ان السيل قد طفح وفاض فوق كل شئ. وغطى زباه كل شئ . حزب المؤتمر الذى  رفض كل دعوات الوفاق من قبل الا ان تكون وفق شروطه ، بل ووسم الذين كانوا يدعون الى التوجه القومى المتجرد فى التصدى لمشكلات الوطن  بالحالمين والموهومين ، وفاقدى البصر والبصيرة ، هاهو يعرض قدرا من التوافق على حكومة ذات قاعدة عريضة  دعا اليها الجميع ، الذين قاطعوا الانتخابات ،  والذين خاضوها ، قبل ان يغير رأيه ويرفض دخول المقاطعين فى هذه الحكومة ويرفض  اعطاء الحكومة المزمع تشكيلها  صفة القومية . وربما دفع الى هذا الموقف الجديد النصر الانتخابى الذى احرزوه. ولأن الحكومة القادمة سوف يتحتم عليها ان تمرر وتبارك مولد الدولة الجديدة ،  ولأن رئيسها سيكون اول المهنئين بدولة الجنوب المستقلة ، كما وعد السيد البشير الناخبين الجنوبيين فى احدى جولاته الاانتخابية بالجنوب ، فعلى الجميع ان يتخيروا منذ الآن مواقفهم قبل ان يقرروا الاشتراك فى  الحكومة  القادمة من عدمه . ربما اخذ قادة الانقاذ يحسون بفداحة القادم الخطير اخيرا . فرأوا أن  لا  يتحملوا لعنة التاريخ وحدهم آزاء  تفتيت وحدة  السودان . ولا بد انهم حسبوا حسابهم لغضب الشارع  السودانى اذا ذهب جنوب البلاد عن شمالها. فهم قوم متعلمون  ويدركون جيدا حجم ونوعية  ردات الفعل التى ستصاحب انفصال الجنوب  غدا حين يرى ذلك الشارع  بلد محجوب شريف الحدادى المدادى ،  وقد اصبح اثرا بعد عين . وربما  جاءت دعوتهم السريعة لحكومة تشترك فيها كل الاحزاب من هذه الفرضية قبل غيرها. لقد قادت الحرب الجهادية ضد الجنوب الى المشهد الحزين القادم الذى نضرع الى المولى العلى القدير ان يلطف ببلادنا ان تتفاداه فى اللحظة الاخيرة . الدعوة الى الاشتراك فى حكومة قاعدة عريضة قد يكون من اهدافها  ان يتوزع دم السودان المتحد  على كل القبائل السياسية اذا ذهب الجنوب ، فلا  يلام  احد دون احد .  وأن يقتسم الجميع ذنب التفريط فى وحدة البلاد  التى دامت قرونا . ولا مندوحة من القول بأن قسمة من هذا النوع هى قسمة ضيزى . فالذين قدموا مقترح حق تقرير المصير لأول مرة فى فرانكفوت الالمانية فى عام 1992 ، والذين اججوا نيران صيف العبور والميل اربعين يجب ان يتحملوا النصيب الاكبر اذا جاءت رياح يناير 2011 بما لا تشتهى سفن الوطن الغالى .

 السيد  امام الانصار مدعو من قبل جماهير الانصار أن ينأى بالانصار عن الاشتراك فى حكومة قد يتحتم عليها غدا مباركة  تفتيت نفس الوطن الذى بناه  امراء الانصار الاماجد وهم يهزمون ويطيحون جيوش الخديوية فى الجنوب وفى الغرب وفى الشرق. ثم تحملوا قيود الاسر والااهانة  والقتل على يد جيوش كتشنر وفى سجون دمياط ورشيد . حزب الامة  الذى رفض الدخول فى الانتخابات التى ستقود الى هذا المصير ،  و رفض قبل ذلك الدخول فى كشكول ما  سمى بحكومة (الوحدة الوطنية )زورا وبهتانا ، حزب الامة هذا ، حرى به ان يرفض الدخول مجددا فى اى حكومة مستقبلية ستكون اول مهامها تمرير انفصال الجنوب . وسيكون رئيسها اول المهنئين بهذا الانفصال كما قال. الانصار  لن يعارضوا قيام حكومة الجنوب  ولكنهم لن يكونوا فرحين جزلين ومباركين فى مأتم الوطن الكبير. دعونا نحن احفاد ابوقرجة ، امير البرين والبحرين ،  نتفرج على الفيلم المأساوى من المساطب الجانبية متلبسين بحزننا وفجيعتنا ، لا ان نكون من المباركين ، كأننا  لا نجس  بفداحة الفقد . ولا بعمق الجرح الغائر. لقد كان  الاستعجال فى اجراء الانتخابات بأى شكل ، وتحت كل الظروغ غير المواتية، ورفض تاخيرها الى بضعة اشهر كانت كفيلة بتحريك بركة دارفور الساكنة ،  كان تفريطا  مشينا فى تماسك البلد الذى كان وما زال يئن من جراحه وقد تاه فى عرض بحار التيه ملاحه  ومجدافه كما ضاع ملاح جورج جرداق ومجدافه فى ليلته تلك . وسوف تكون تلبية تلك الدعوة اشتراك مباشر فى تجهيز جنازة الوطن الواحد . و خيانة للأمانة التى تركها الآباء والاجداد – وطن واحد ، حدادى مدادى ، هزم شعبه بالامس امبراطوريتين ، احداهما لا تغرب الشمس عنها ، والاخرى تشرق عليها شمس الخلود من جهة الشرق ، حيث البيت المقدس و المقام المحمود . دعونا نكون متفرجين على الفيلم  الحزين . وليبقى  فى جوانحنا عدم الرضا التام . وتبقى لنا راحة الضمير ، حتى اذا ازفت الآزفة الوطنية انتحبنا مع المنتحبين مشهدين  الدنيا من حولنا على حزننا.

 فليأخذ حذره  السيد الامام . وليكن  مع الرافضين  للاشتراك فى البازار الكبير.

اقول قولى هذا ، واعتذر لجدودى الامراء  لابطال ، الذين شمخت هذه الارض الزاكية بالامس تحت وهج سيوفهم : ابوعنجة وابوقرجة والزاكى طمل والنجومى ومحمود ود احمد وابراهيم الخليل واحمد فضيل ، ويونس الدكيم وعثمان دقنة. والاعتذار بصفة خاصة للامراء الذين حاربوا جيوش البغى الاجنبى فى الجنوب ودحروها  : دفع الله عرابى ، وكركساوى ، وعمر صالح ، وابوقرجة .

أخ . . . . يا بلد !

(عمود يومى فى الوطن السودانية)

Ali Hamad [عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.]