عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
القرار الذى اشير  اليه هو القرار  الذى قالت  محكمة الجنايات الدولية فى لاهاى بهولندا أن  قضاتها سوف  يصدرونه فى الرابع  من  مارس  الحالى. وهو القرارالمتعلق بقبول قضاة  محكمة  الجناياتات الدولية او رفضهم للدعوى  التى  قدمها اليهم  لويس   اوكامبو  المدعى العام الدولى ضد الرئيس السودانى  عمر  حسن احمد  البشير متهما  إياه  بارتكاب  جرائم ابادة جماعية ، وجرائم حرب ، وجرائم ضد  الانسانية ، فى اقليم  دارفور فى غرب  السودان. هذا  ويذكر ان المحكمة قالت  فى  تصريح مقتضب  جاء   على لسان متحدث باسمها  أنها   ستنشر قرار قضاتها فى شأن  طلب المدعى العام الدولى  فى الرابع  من   مارس   الحالى الموافق  يوم  غد   على  موقعها  فى الانترنت  فى شكل اعلان   صحفى   عادى كما  جرى  العرف  المعمول  به  فى دوائرها  حتى   يتمكن  كل  من يريد  الاطلاع عليه.
    ومعروف  أن قضاة  المحكمة   ظلوا ينظرون  فى طلب المدعى العام الدولى وبراهينه  ومستنداته  التى  قدمها  اليهم ضد الرئيس عمر  حسن  احمد البشير منذ يوليو  من العام الماضى، طالبا   منهم اصدار  امر  قضائى بتوقيفه ومحاكمته بجرائم  حرب وابادة  فى  دارفور باعتباره الشخص الذى تمت تلك الجرائم تحت  امرته وبتوجيهاته. ومع اقتراب تلك اللحظة الحاسمة اعترت حالة من الترقب  الحذر  والانفعال   المكتوم الساحة السياسية السودانية كلها  بما  فيها  من فعاليات  سياسية  مختلفة: احزابا  كانت ، او منظمات   مجتمع مدنى ،او تشكيلات امنية وعسكرية.و تترقب هذه  المكونات القرار بتوجس  وقلق لاسباب متعددة تدركها  جيدا  وتتحسب لها. واكثر ما  تخشاه  هذه   المكونات  من اثار القرار  المرتقب  هو أن  يهدد  بقاء واستمرار اتفاقية السلام التى بدء فى  تنفيذها منذ  عام  2003 رغم ما شابها  من تعثر  هنا وهناك  منذ ذلك الوقت وحتى اليوم .  ورغم ذلك تعتبر  هذه  المكونات  جميعها  هذه الاتفاقية  انجازا  قوميا كبيرا وفاصلا  فى مسيرة الوطن السياسية  المتعرجة  وتأمل فى  أن ياتى  الحل النهائى الناجز للمشكل السودانى  على اطلاقه عن  طريق  تنفيذ  هذه  الاتفاقية تنفيذ  دقيقا  يؤدى  فى  نهاية  الامر الى صناعةالسلام  الحقيقى والكامل  فى  مجمل  التراب السودانى مع  ما   يصاحب ذلك السلام   الكامل والشامل  من تحول  ديمقراطى كامل  يؤدى  بدوره  الى  واجراء  انتخابات  حرة  ونزيهة، واسدال الستارة نهائيا على ما عرف  بقضية الجنوب  عندما  يجرى الاستفتاء الذى  يعطى ابناء الجنوب الخيار الكامل   فى  ان  يقرروا البقاء  ضمن  حدود لسودان  الموحد  او  الانفصال   فى  دولة  مستقلة.
 أن الشعب السودانى بمختلف  اطيافه السياسية ظل  يبدى   كثيرا  من الانزعاج وهو   يرى   كيف  تتعثر خطوات  تطبيق   الاتفاقية  رغم نصوصها الواضحة، و رغم   وجود  مراقبين  ومتابعين  اقليميين ، ودوليين ، مهمتهم  الاساسية هى  مراقبة  تنفيذ  بنود  الاتفاقية بالدقة  الكاملة والاعانة  على  تذليل المصاعب  العارضة  التى تعترض  طريق   التنفيذيين  الذين  يباشرون نفيذ بنود الاتفاقية . عددكبير من  السودانيين  ظل يساورهم بعض الشك  منذ الاعلان على   توقيع الاتفاقية بان  حكومتهم  قبلت  ما  قبلت  من  بنود اتفاقية  السلام هذه  مضطرة ومكرهة  وليس  عن قناعة . ولذلك  فهم  مشفقون  دائما  وخائفون دائما  على  مصير  هذه  الاتفاقية التى اوقفت  هدير المدافع  الذى  استمر  على مدى  نصف   قرن من الزمن. هم  مشفقون  على   الاتفاقية وخائفون  عليها لاعتقادهم  بأن الحكومة  تتحين   الفرص المواتية  للتملص  من التزاماتها نحو تنفيذ   الكثير  من البنود التى  لا تروق لها حتى  وان ادى  هذا التطور الى تجدد الحرب . هذه الهواجس المتعددة جعلت المكونات السياسية السودانية المعارضة تخشى  من ان  يوفر   قرار بتوقيف  الرئيس البشير يصدر غدا  ، يوفر الحجة والذريعة للحكومة  لكى  تعلن  حالة الطوارئ  وتلغى  الانتخابات وتفتعل  ازمة مستفحلة  مع الحركة الشعبية شريكتها  فى الحكم  التى تقبل  التعامل  مع  المحكمة  الدولية  فى الوقت   الذى  يهدد  فيه  مسئلون  حكوميون نافذون بأن  الحكومة  سوف  تقطع  رقاب  واوصال  كل من يؤيد التعامل  مع المحكمة الدولية ! ويعتبر مراقبون كثيرون  تهديدات  قادة الحكم السودانى هذه ا بابا  خطيرا  قد  يدخل  منه ريح  عاصف  يدمر كل  ما  تحقق  فى  عملية السلام الجارية منذ  ست  سنوات والتى لا تحتاج لمزيد من  مشاكل التنفيذ . وهذا هو  السبب الذى جعل  الشعب السودانى بكل  قطاعاته  يرفض  تدخل  محكمة الجنايات الدولية  فى  قضية دارفور  فى هذه المرحلة الحساسة من عملية السلام .  خصوصا ان  موعد  اجراء الانتخابات  العامة  وفقا  لهذه الاتفاقية لم  يبق  علية الا  خمسة  اشهر فقط.  وحرص الفعاليات السياسية المعارضة  على  اجراء  الانتخابات  فى  موعدها  سببه الجوهرى هو انها  على  قناعة بأنها  تستطيع ان  تستعيد  الاعتبار  لنفسها عندما  تحصل  على  نتائج على  احجامها  الحقيقية   فى الشارع السياسى السودانى ،ذلك الاعتبار الذى   تجاهله  نظام الرئيس البشير تماما  وهو  يتفاوض مع السودانيين الجنوبيين على مدى  سنوات  قبل  ان  يتوصل الى اتفاقية السلام التى  انهت النزاع الطويل فى جنوب السودان ولكنها غيبت كل  الطيف السياسى  السودانى  الآخر  عن الاتفاقية  وجعلته متفرجا  فى  وقت  كانت كل  مصائر  الوطن  يجرى البت  فيها  بمعاونات اجنبية  مما  ذكر  بالمثل   الشعبى  المطروق بان  ما  كان يجرى هو "مولد  غاب  عنه صاحبه   وتاه فى  البرية"
  وطالما  بقى بيننا وبين  صدور قرار  قضاة  المحكمة الا بضعة  ساعات ، فانه  لم تعد  هناك  جدوى للمزيد من  الحديث  عن الجوانب  القانونية  فى  صحة او عدم صحة اصدار  مذكرة توقيف  بحق الرئيس البشير. فقد  سبق السيف العزل، وسوف  يصدرالقرار على اية حال .  صحيح ان مصادر  كثيرة سربت مضامين يشتم منها ان القرار  الذى  سيعلن  غدا يوجه اتهاما  صريحا للرئيس  ويطالب بتوقيفه على ذمة التحقيق . وبناء  على  هذه التسريبات  وجد كثير   من  الكتاب اسبابا  للتحذير مما  قد  يسببه  صدور قرار بتوقيف رئيس دولة   ما زال  يباشر سلطته  الدستورية. ونبه  كتاب آخرون الى  ما قد  يقع  فى البلاد  من  تطورات  سلبية هنا وهناك اذا  لم تتم السيطرة على التصرفات المنفلتة التى قد  يحركها  غضب  الكثيرين  الذين هم  على قناعة تامة  بأن القرار ما هو  الا  مؤامرة دولية  ضد  السودان، و يمثل  قمة الاستفزاز والاهانة  والتحقير مما  يوجب التصدى  له بالجدية والقوة الكاملتين. قناعات من هذه  الشاكلة كانت موجودة ومتأصلة منذ وقت طويل. وفى الآونة  الاخيرة  اخذ   الاعلام الحكومى يغذيها بصورة راتبة . وليس اقوى احماءا للمشاعر  والهابا  لها من  أن  يتحدث  قادة  كبار  فى  الدولة عن  تقطيع اوصال  ورقاب كل من يؤيد  قرارا سلبيا من المحكمة الجنائية  بحق الرئيس .  ولوجوداحتمال  كبير  بصدور هذا  القرار السلبى غدا ، فان الفرصة امام بعض   المنفلتين  تبدو  مواتية . ولكن  يبقى الامل أن  يدلل السودانيون مرة  اخرى انهم  قادرون دائما على اجتياز المصاعب التى  يجدونها  عند المنعطفات الحادة .  فقد  فعلوها فى  مرات عديدة سابقة .ويمكن ان  يفعلوها مرة اخرى، ومرات .
   كتابات  كثيرة  نبهت الى  هذا الامر ، ونصحت  بالتعامل الحضارى  غدا مع  القرار اذا جاء  سلبيا . تقابلها تصريحات متشنجة  غير قليلة  هدد  فيها اصحابها الجميع بالويل والثبور اذا صدر قرار بتوقيف رأس الدولة ، حتى  تولد  انطباع  عام بأن الدولة السودانية  اصبحت  جاهزة  الآن لمحاربة  ومناطحة كل  العالم متى صدرت  مذكرة توقيف  بحق  رئيس الدولة  السودانية .و لكن  تبقى هناك  استحالة ظاهرة للعيان فى ان يصل  الامر الى الدرجة التى  يضعها  البعض   فى  مخيلته للاوضاع  فى  يوم غد.  فالسودان تجوبه  قوات دولية تبلغ  بضعة  عشرات من  الالوف  تنتشر  فى  جنوبه ، وفى غربه، وشرقه . بل تتجول بعض  فرق  الحراسة و المراقبة  فى قلب  عاصمته و فى مطاراته. بينما  تغطى  فرق  الاغاثة  كثير من   مناطقه  وتخومه.  وكل  هذه   الفعاليات الدولية  تؤدى  اعمالا  يحتاجها السودان ويحتاجها  الانسان السودانى . ولابد  ان الدولة السودانية  هى اكثر  ادراكا لهذه الحقيقة البديهية.
  يبقى ان يقال بوضوح وشجاعة ان محاولات تهديد وتخويف الذين  بيدهم  امر  هذه  المحكمة لم  تفلح فى تحقيق الهدف المنشود، كان  هذا الهدف هو  الغاء  القرار برمته او تاجيله على  اضعف الفروض . والحال هذه ، فقد  يكون من المستحسن ان ننتظر يوم غد  وما بعده  لنرى ماذا  تحمل الرياح لسفننا العابرة  فى  بحر المجهول.  بالطبع من حق الحكومةالسودانية ان  تمضى فى  تلمسها لكل الطرق  التى قد توصلها الى بر الأمان . ومن حقها  أن ترسل  اشارات عديدة . و فى اتجاهات عديدة ايضا  عسى  ولعل. ومن  حقها  ان تتلمس  مواقف  بعض  او  كل  الدول لتعرف كيف تكون  مواقفها النهائية اذا  صدر القرارغدا بتوقيف رئيسها. مثلا :هل  سترسل هذه الدول اوراق اعتماد  سفرائها فى المستقبل للرئيس البشير  لكى  يعتمدهم . وهل  تقبل  اوراق اعتماد الرئيس البشير التى يحررها لسفرائه  لدى تلك الدول. ان تطرح الحكومة هذه  الاسئلة على  نفسها  وعلى الدول التى  تتعامل  معها وتنتظر الاجابات الشافية  عليها هو امر  بدهى .  فتلك  مسائل لا تترك  للتخمينات  والافتراضات.ولكن ذلك  لا يحتاج الى تهديد  هذه  الدولة او تلك  بقدر ما  يحتاج الى سماع  وجهة نظر هذه الدولة او تلك.
بالطبع لم يعد فى  قوس الحكومة  من منزع.فغدا  لناظره  قريب جدا . و  الصراخ  و العويل  والتهديد والوعيد لن يفيد  الحكومة . ولن  يخيف الذين تعتقد الحكومة انهم  يتآمرون عليها.  ولن يفيد  دفن الرؤوس فى الرمال واعتبار الامر وكانه لا يعنى الحكومة  فى  كثير او  فى قليل. ولكن  تفيد الروية  فى  الامر . ويفيد حسن التدبر.  واحسن  التدبر  المطلوب  هو حل  قضية  دارفور اليوم  لا غدا . فاذا انت  دلقت الماء البارد على  النيران  الملتهبة  تكون قد  اطفأت  جذوتها وأمنت حريقها. أهلنا  فى دار فور  لا يستحقون الذى  حدث لهم  والذى  حدث لهم  هو  جريمة  لا  تسقط  بالتقادم .  وطالما انها  جريمة  لا تسقط  بالتقادم،  فان التاخر فى حلها  يزيد من  مضاعفاتها ،  ويزيد  بالتالى  من حجم  الجرم .
ويا عازة . . .  لقد كنت  مهرة  فى  يوم السباق الكبير، تحدقين  فى  عين الشمس، وتهصرين  تحت اهابك  ضؤ   القمر،  حتى اتاك  الريح  الاصفر ، ودخلك  عليك  من  النافذة كما  دخل  الثلج من نافذة  حنا مينا ،الروائى العربى الذى يكتب بحد السكين ، فيجرح ، ويوجع.  ولكن  يبقى لك  التعزى  ، ويبقى لك  الامل، وقديما قال الشاعر  :  ما اضيق  العيش لولا فسحة  الامل .
وأخ  . . .يا وطن!