د. عزت ميرغني طه

 

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

   

بينما ينتج فيلم في هوليود بميزانية تتعدى ميزانية دولة في دول العالم الثالث و يحقق الفيلم ثلاثة أضعاف في اسبوع عرضه الأول و يخطف الفيلم العديد من الجوائز و ممثليه العريض من الشهرة نسفنا نحن هنا في السودان ارثنا من السينماء و كأنها رجس من عمل الشيطان يتحم تحويل دور العرض و المشاهدة الي ساحة للمواصلات و دور للاذاعة و يقفل آخر ما يمت للسينماء بصلة في 2006 الآ و هو استوديو السينماء التسجيلية و تصفى مؤسسة الدولة للسينماء كآخر معقل للعملاء الذين كانوا يروجون لصناعة الأفلام الأمريكية.

  

بدأت مشاهدة السينماء في السودان مبكرا جدا حيث شاهد المواطنين في 1911 عرض فيلم اللورد كتشنر لأكتمال وصول خط السكة الحديدية الي مدينة الأبيض و وصل عدد الأفلام المنتجة في السودان في آواخر الخمسينات الى 52 فيلما تسجيليا كان أوله فيلم الحكم المحلي في مديرية الخرطوم عام 1950. ساعد في تقبل الناس لفكرة السينماء المشاهدة المبكرة لما يعرف بمواد السينماء المتجولة التي تجوب البلاد شرقا و غربا و من خلال سياراتهم المجهزة بالمولد الكهربائي و آلات العرض و الشاشة ما حقق ذلك الانتشار فقد بلغت أعداد السيارات المعدة لذلك 40 سيارة بعد بداية مسيرة السينما المتجوة في 1946عرفت الناس بالانتاج المحلي و أفلام التوعية الصحية و البيئية و الارشاد الزراعي و الأفلام الروائية و الموسيقية كأجمل وسيلة ملكت ألباب الناس و صاروا يتجولون من مكان لآخر تبعا لتلك السيارات.

  

عشق الناس السينماء و صاروا يتابعون الجديد من الأفلام عربية كانت أم هندية و الا "جاسوسية" أم "كابوي" فلكل محبيه و معجبيه و صارت السينماء المرفه الوحيد للشعب و تعددت الدور و تنوعت الأفلام و أفردت الصحف عمودا عنوانه "اين تذهب هذا المساء" و عرف الناس أن يوم الأربعاء من كل أسبوع هو موعد بداية عرض الأفلام الجديدة التي تستمر الى الأحد و دائما ما يخصص الأثنين و الثلاثاء لتلك التي عرضت من قبل ... و استثمرت وزارة الثقافة حينها ولع الناس بالسينماء و نبغت في الزج بالجريدة الاخبارية المصورة قبل "المناظر" فكنا لا نتحسس من مشاهدة زيارات الرئيس و مرافقيه الي نيالا و أهداف الفريق الأهلي السوداني في نظيره المصري و بداية موسم اللقيط في الجزيرة التي كانت تقدم في شكل كبسولات صغيرة بصوت جزل و حالما تكتب النهاية و تبدأ المناظر....

  فمشاهدة السينماء تختلف من مشاهدة أي شئ آخر فأنت تحدد أي فيلم تود أن تشاهد و تركب المواصلات للذهاب الى السينماء و تقف في طابور التذاكر، تشترى اللب و الفول المدمس و تدخل لتجلس في كرسي مخصص لك أو مع عامة الناس فتظلم القاعة و يتابع الجميع معك في مشاهدة جماعية ينفعل فيها الناس ما بين الاعجاب و التعبير عنه بالتصفيق و الزعل الذي ربما يفضي الي البكاء عندما يتعلق الأمر بموت البطلة بعد سلسلة من الأحداث و المؤامرات و الغدر و ربما تصل الاثارة الي ذروتها مثل ما حدث لمشاهد كان يجلس بالقرب مني ذات مرة؛  

فقد كان الفيلم عربيا لنادية الجندي التي ولدت ولدا من راجلها بالسر محمود يس و نزع فريد شوقي الولد و تربي في حضن جده و استمر الصراع و قررت ان تقتل نادية الولد الذي لا تعرف انتقاما من تلك الأسرة و بعد مطاردات بينها و بين الولد كانت ممسكة بسكينا و من مكان لمكان حتى لحقته في حديقة عامة و لاحظت لجاري الذي كان ينفعل في كل حركة لنادية و ولدها يعبر عنها بالضيق و الحراك داخل كرسيه و مد رجليه و تحريكهما من الشمال الي اليمين محذرا نادية من اتمام فعلتها و حاثا محمود يس الذي كان يجري وراءهم بان يشد حيله و يلحقهم ليكشف لهما السر ... لم يتمالك ذلك المشاهد لمن نادية غرزت السكين في صدر ابنها فصاح ذلك المشاهد "و سب و توعد" و خرج مسرعا… عذرته فقد كان الموقف عصيبا

  

و لكن أجمل ما في الأفلام الهندية نهاياتها فهي دوما سعيدة يبدو انهم دائما "ما بيحبو يزعلوا الناس"  ففي احدى المرات و لم يكن هناك فيضان طفش الأولاد من بعضهم و لكن كان هناك سوق خيري فقدت الأم أحد أولادها و كبر الثاني و صار ضابطا في الشرطة لا هم له سوى مطارة الاشرار و تخليص المدينة من شرورهم…

  

تعب الضابط تعبا شديدا في مطارة واحدا منهم عرف بشراسته "فلمن قرب يقتلوا" بعد معركة شرسة استخدموا فيها كل أسلحة الدمار الشامل و كان المجرم مجروحا و كانت أم الضابط مجروحة أيضا و تصادف ان تنظر في وجه المجرم و قامت شالت ليها عينة دم من وجهه… تصدق عرفت ابنها الضايع و من الدم كمان…!!!

 فالتحية لرواد السينماء التسجيلية في السودان: العم جاد الله و انتاجه الراقي فقد بدأ مصورا و لكنه انتهى مبكرا بعدد من الأفلام أميزها فيلم روائي بعنوان تاجوج و آخر لبنته سارة و ثالثا سماه بركة الشيخ و التحية لمن عاصروه مثل كمال أحمد ابراهيم الذي بدأ معه و لكنه اتجة الي الادارة و التحية لكل من صور و أنتج فيلما سودانيا روائيا كان أم تسجيليا و الذي حسب علمي يقبع العديد منها في ظروف تخزين سيئة ربما تنهي ذلك الأرشيف ... صرخة أطلقها من هنا لانقاذ ما يمكن انقاذه من ذلك الارشيف و تغيير مواعين الحفظ فعالمنا الرقمي يمكن أن يتسع لبضعة أفلام يعاد تصنيفها و نقلها الي مواعين جديدة يسهل بثها و دعوة لزيادة الاهتمام في هذا الجانب فالسينماء تعبتبر للعديد من الدول جزءا من حضارتها.