مدافعاً عن نفسه في وجه من يعيبون عليه التقدم في السن قال الصادق المهدي في حديث العودة للوطن : (وفي التاريخ كان روزفلت وتشرشل والشيخ زايد آل نهيان ومحمد علي باشا قادة رائعين في العقد الثامن والتاسع من أعمارهم).
ليتك يا الصادق المهدي قدمت معياراً لروعة القادة في التاريخ حتي نعلم كيف نبجلهم بغض النظر عن سنهم، لأن روعة صناع التاريخ لا تتأتي الا من عظيم فعالهم في الحفاظ علي حياة وكرامة ورفاه الجنس البشري. ولأدركنا كيف يمكن أن تُستقي الدروس والعبر من تلك الصنائع والسير. وبما أنك أدرجت محمد علي باشا ضمن هؤلاء ولم تقم بتحديد معيار روعته يكون لزاما ً علينا وضعه في ميزان التاريخ علنا نجد لتلك الروعة ظلال في ثنايا تاريخنا الذي كان هذا الباشا أول محرك له في العام 1821م. وكيف انعكست تلك الروعة في مقبل حياة أهل السودان في الحقبة التاريخية نفسها و حتي العام 1881م.
محمد علي باشا 1769 – 1849 يالصادق المهدي وبأي منظور قدر حجم اسهامه في التاريخ يظل بالنسبة لأي سوداني ذو شخصية مستفزة للوجدان فهو تاريخياً حاكم الدولة التي احتلت السودان من أجل المال "والرجال" والرجال عنده هم جموع الزنوج الذين أخذهم كرقيق بغض النظر عن أصلهم وفصلهم ونحلهم بل ومعتقدهم، طالما كانوا يستوفون شرط حمل السلاح وتحقيق أحلامه في توطيد دعائم حكمه وتوسيع حلمه الامبراطوري.
وهو كذلك والد إسماعيل ذلك الباشا الغشيم الذي حرقه المك نمر انتقاماً لكرامة مهدرة لصفعة بغليون من يد غر لم تراع هيبة الزعيم في أعين أتباعه، ولم تحفظ للكبير مكاناً وسط عشيرته، بل ولم تستمد الأدب من "روعة" والد وما ولد. وهو كذلك أي محمد علي باشا والد زوجة محمد بك خسرو الدفتردار قائد الحملات الانتقامية والذي حرق القري السودانية التي مرت بها حملته المجنونة في أعقاب ذلك الحريق، وقطع أثداء النساء وسكب في موضع جرحها القار امعاناً في تعذيبهن، وتصاعدت الحملات والباشا "الرائع" يرقب المجازرالتي لم تتوقف الا تحت وطأة الضغط الاوربي عليه.
إن أفندينا الباشا بعد يا هداك الله هو مؤسس الدولة التي ثار عليها جدك المهدي، والتي اتسمت بالظلم والجور والفحش وهذا ما دعا قبائل السودان أن تلتف حوله من جموع أهلنا حمراً وكواهلة وجعليين ومساليت وبرقد ورزيقات وبديرية وشلك وبرتي ودناقلة وبجة وفور وعبابدة وشكرية. وقد كان انتظامهم نصرة للحق ليس لأنهم سمعوا صلصلة أجراس حضراته النوبية تؤذن له بالجهاد وتجب ما قبلها من عقائد وطرق ومذاهب، وإنما لأنهم رأوا فيه المخلص من بطش قوة قاهرة نغصت حياتهم وأخضعتهم لذل الإستعباد والبطش والاسترقاق.
وقد آواه آدم أم دبالو في جبال النوبة لأول الدعوة ، ليس لأنه رأي خاتم المهدية بين كتفيه، وإنما لأنه رأي فيه محرراً وثائراً ضد استبداد ارهق كاهل البلاد والعباد.
لم يكن الباشا "الرائع" في نظر المؤرحين أكثر من سفاح وسافك دماء بل وبطلاً للجريمة المنظمة. ولم تعرف الروعة في سيرة حياته في مختلف تقلبات سنه المديد. فها هو آلن مورهد يوصف معالم شخصيته (ولئن كان في يفاعته "بلطجي القرية"، فهو بعد تقلده السلطة قد صار طاغية جباراً. ولئن كان ـــ فيما مضي من حياته ــ يقتل الناس بيده في مشاجرات السوقة فإنه صار ــ بعد توليه الحكم ــ يقتل الألوف أو يذبحهم بدون أن يغادر أريكته الوثيرة الرطيبة في القلعة! ولكن مظاهر سلوكه تغيرت بطبيعة الحال. فصار وهو في أواسط عمره قادراً علي التحدث بأسلوب يبعث الطمأنية في سامعيه عن عدائه لتجارة الرقيق . ولكن من غيرأن يحول بينه وبين أن يغدو في الوقت نفسه أضخم تاجر رقيق علي وجه البسيطة). كتاب النيل الأزرق لمؤلفه آلن مورهد ترجمة د. نظمي لوقا ص 224-225.
إن كان محمد علي باشا رائعأ يا الصادق المهدي حقاً.
قل لي اذن يا سليل الثورة المهدية بالأمس ثار جدك ضد من؟!!



عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.